قضايا راهنة للحوار

جاد الكريم الجباعي*

العالم الذي نحن جزء منه، وتاريخنا جزء من تاريخه، يتقدم بوتائر مذهلة. هذا العالم وتقدمه من إنتاج البشر، ولكن البشر لم يتمكنوا بعد من السيطرة على نتائج عملهم. والتقدم الحاصل هو بالأحرى تقدم في قطاعات ومجالات، وتراجع في أخرى، لعلها لا تقل أهمية عن الأولى: تقدم في العلم والتقانة، وتراجع في مجالات الحقوق والحريات والقيم وفي مجال العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، ولا سيما في ظل العولمة الاقتصادية الجارية و"ديكتاتورية السوق". هذان التقدم والتراجع اللذان يضاعفان تأخرنا يطرحان على شعبنا وأمتنا قضايا راهنة وملحة هي قضايا الإصلاح والنهضة والتقدم ، بعضها موضوع للحوار في هذه الورقة.

يمكن وصف المرحلة التي تمر بها سوريا اليوم بأنها مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات وممكنات شتى، من هذه الاحتمالات: إعادة إنتاج النظام، مع تحسينات جزئية هنا وهناك. ومنها الشروع في عملية إصلاح تدريجي في جميع الميادين، من دون أن نحدد مسبقاً في أي اتجاه يمكن أن يذهب هذا الإصلاح. ومنها ما هو أسوأ من هذا وذاك. أي أن الإصلاح هو الاحتمال الأفضل بين احتمالات ممكنة، لكل منها حظ ما من القوة. والمرحلة الانتقالية تتصف عادة بالتوتر والتخلخل والارتباك، على الصعيدين النظري والعملي، لأن القديم يكون قد شاخ والجديد لما يزل غضاً أو في طور التكوين. وفي مثل هذه المراحل تتأسس الموضوعية والذاتية لتغير نوعي في الحياة العامة، وتنشط قوى مختلفة ومتعارضة تريد كل منها أن تدفع الأمور في الاتجاه الذي يلبي مصالحها. ولا تستقر الأوضاع إلا حين تتوافر في إحدى هذه القوى جملة من الشروط تجعل منها تعبيراً عن المصلحة العامة، أو المصلحة الوطنية / القومية، وتعترف لها بذلك جميع القوى والفئات الاجتماعية الأخرى. وأفترض أن هذه القوى، في حالتنا، اليوم، هي الدولة، قبل أن نصفها بأي وصف. ذلك لأن التعارضات الاجتماعية في الحقبة الماضية انتهت إلى تدمير القوى المتعارضة. ومن كسب في ذلك "الصراع الطبقي" إنما كسب بصورة شخصية وبوسائل غير مشروعة أيضاً، لذلك تغط المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية في جميع المجالات. فليس من فئة اجتماعية بعينها بوسعها اليوم أن تعبر عن المصلحة العامة وتعترف لها جميع الفئات الاجتماعية بذلك. فالدلالات السياسية لم تكن تنعقد سوى على المصالح الخاصة والأعمال الفردية. وهذا، في اعتقادي، ما يجعل الإصلاح راهناً وملحاً.

والإصلاح الذي هو أهم عناوين هذه المرحلة، ويسميه بعضهم "التطوير والتحديث"، لم يبدأ بعد، على أهمية بعض الإجراءات والتشريعات الجزئية وما تنطوي عليه من دلالات رمزية، أنعشت بعض الآمال وأثارت بعض المخاوف. ذلك لأن القوى الاجتماعية والسياسية، بما فيها الحزب الحاكم والأحزاب المشاركة في الحكم، لم تنتج بعد توافقاً أولياً ومبدئياً على الخيارات الأساسية التي ستحدد اتجاه الإصلاح ومضمونه ومداه.

بل إنها لم تخط الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، أي إنها لم تطرح بعد تصوراتها ورؤاها وبرامجها للحوار العام، لإنتاج مثل هذا التوافق الضروري، مع أن هناك ضغوطاً خفية وظاهرة واستعراضاً للقوى المحلية والإقليمية والدولية، أضعفها حتى الآن قوى المجتمع المدني، لتمييزها من قوى المجتمع التمهيدي،وهو تمييز ضروري، كما أدّعي. والحوار الدائر في المنتديات والمحافل العامة ووسائل الإعلام ما يزال أقرب إلى "الخطابات المتوازية"، سوى استثناءات قليلة. ويقدم بعضه صوراً مفترضة للواقع لانستطيع الجزم في قضية،أي واحدة منها هي صورة الواقع الفعلية؟

لكن المهم في الأمر أن الحوار قد بدأ، وأخذت دوائره في الاتساع، مما يقتضي تقديم افتراضات أولية في معنى الحوار وأهدافه ومبادئه.

فالحوار، في ظني، مدخل ضروري إلى نفي "الحرب" من المجتمع والدولة، أو لنقل إنه مدخل ضروري لنفي العنف والتطرف من العلاقات الاجتماعية والسياسية، أي إنه مدخل ضروري إلى السياسة بما هي تعبير عما هو عام ومشترك بين جميع المواطنين الأحرار وبين جميع الفئات والطبقات الاجتماعية وجميع الاتجاهات والأحزاب السياسية، وعن اقتناع هؤلاء بأن الأوضاع القائمة هي النتيجة الضرورية لنسبة القوى الاجتماعية، وعن سعيهم إلى تعديل هذه النسبة بوسائل وأساليب سلمية ومدنية، الموضوعي منها هو الإسهام الواعي في عملية الإنتاج الاجتماعي، وليست، فقط، فن إدارة البشر والأشياء. تعريف السياسة على هذا النحو ينطلق من اعتبار "المواطنة وظيفة سياسية للفرد" ملازمة لوظيفته الاجتماعية وموقعة في عملية الإنتاج الاجتماعي، وينطلق، من ثم، من كون السياسة فاعلية اجتماعية ومجتمعية، وليست فاعلية حزبية فقط أو سلطانية فحسب، كما استقر في أذهان أكثرنا منذ عقود. ولعل أهم تحديات المواطن وأكثرها دقة هي كونه عضواً في الدولة السياسية، والعضوية هي المشاركة والمسؤولية. وينطوي الحوار على إعادة الاعتبار للثقافة التي توحد لوضع حد لـ"السياسة" التي تفرق. أو لإقامة الحد على هذا النوع من السياسة.

الحوار رفيق المعرفة الواعية ذاتها والمتجاوزة حدودها باستمرار، وشقيق للديالكتيك "يجعل ما انقلب من تعارض إلى جدل ينتج حقيقة جديدة ليست لأي من المتحاربين، بل لهم جميعاً، لأنها قائمة فيهم جميعاً". والحكم الفصل بين المتحاربين هو العقل "أعدل الأشياء قسمة بين الناس"، كما وصفه ديكارت.

أما أهداف الحوار فأفترض أن أهمها هي الآتية:

1. إعادة إنتاج مجال سياسي، أو حقل سياسي مشترك بين جميع المواطنين وجميع الفئات الاجتماعية وتعبيراتها الثقافية والسياسية، ولاسيما بين السلطة والمعارضة، وتوكيد حقيقة أن مشروعية السلطة هي ذاتها مشروعية المعارضة. والمعادل الموضوعي لهذا المجال السياسي المشترك هو "عقد اجتماعي" وأخلاقي جديد، أرى أن بوادره تلوح في أفق قريب فالحقل السياسي المجتمعي في سوريا بدأ بالتشظي منذ عام 1961، عام اغتيال جنين الدولة القومية ولهذا التاريخ دلالته المهمة كما أظن، لأنه بداية انكفاء المشروع النهضوي القومي. وتجلى ذلك في ظاهرات أهمها : أ- انقسام الأحزاب السياسية على نفسها وتنازعها على المشروعية. (أول انقسام كان انقسام حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1961، ثم انقسام حركة القوميين العرب والحركة الناصرية والحزب الشيوعي السوري وحزب الإخوان المسلمين ..) ب- انتعاش البنى والعلاقات ما قبل الوطنية أو ما قبل القومية طرداً مع ضمور المجتمع المدني أو جنين المجتمع المدني. د- "الاحتكار الفعال للسلطة والثروة والقوة"، بحسب تعبير خلدون حسن النقيب، في كتابه المهم "الدولة التسلطية في المشرق العربي". فقد قلصت السلطة هذا الحقل بالتدريج، منذ عام 1963، حتى تطابقت حدوده مع حدودها فيما بعد. وترافق هذا الاحتكار مع احتكار الحقيقة واحتكار الوطنية أيضاً، وتحول إلى نسق عام، فخفضت المواطنة إلى مستوى الحزبية الضيقة والولاء الشخصي، كما جاء في وثيقة "لجان إحياء المجتمع المدني". وأمارة ذلك نمو الطابع الشمولي للسلطة التي باتت تملك الدولة التي تملك الشعب، وتحوله إلى نسق عام، من خلال الإعلام الموجه والإيديولوجية الثورية والإرهاب. وقد أطلق بعضهم على هذه الأوضاع اسم "الاستبداد الشرقي المحدث"، وأميل إلى تسميتها "إعادة إنتاج العلاقات المملوكية/العثمانية" الأبوية والذكورية القارّة في المتخيل الاجتمـاعي وفي اللاشـعور السيـاسي، ولاسيما بعد تصفية مكتسبات المرحلة الليبرالية القصيرة التي عاشتها سوريا بعيد الاستقلال. وفي ظني أن واقعة تشظي الحقل السياسي المجتمعي من أهم القضايا التي تستحق أن يدور حولها حوار جدي، للكشف عن آثاره العميقة في تآكل الاستقلال الوطني وإعادة إنتاج "المسألة الشرقية"، بالمعنى الذي حدده خلدون حسن النقيب أيضاً.

2. إعادة بناء صورة الواقع كما هو، في ضوء التغيرات العالمية والإقليمية والعربية والمحلية. فالخطابات المتوازية التي أشرت إليها هي صور متباينة للواقع نفسه، جميعها، على الغالب، إدراك معتم أو شعور متوفر من ظواهر وحوادث منتقاة من هنا وهناك وأطلق عليها اسم "الواقع". وليس بالإمكان إنشاء صورة الواقع الفعلي من دون إقامة الحد على الأيديولوجية بصفتها وعياً زائفاً يحجب عنا حقيقة العالم ومعقوليته، وإعادة الاعتبار للفكر النظري النقدي وللثقافة الرفيعة وللقيم العليا،قيم الخير والحق والجمال، ودمجها في التربية وفي الممارسة الاجتماعية والسياسية. ومن دون إعادة بناء العلاقة الجدلية من الفكر والأخلاق والسياسة.

3. استئصال آفة العنف من العلاقات الاجتماعية والسياسية،والخروج من حالة التطرف الذي يغذيه اليقين الديني أو اليقين العلمي أو اليقين الثوري (الحتمية التاريخية)، المطمئن إلي أن المعرفة تسـاوي الحقيقة، وإن مجرد اقتناع الفرد بهذه الفكرة أو تلك يعني أنه على حق وأن كل من يعارضه على باطل وفي ضلال مبين. فالعنف والتطرف صنوان يتقدمان معاً ويتراجعان معاً، مثلما المنطق والسياسة صنوان يتقدمان معاً ويتراجعان معاً.

أمّا مبادئ الحوار وأسسه فتقوم على جملة من الاعترافات، وأنا أحب كلمة الاعتراف بمعناها الأخلاقي، لما تنطوي عليه من رغبة في تنقية الضمير، والعودة إلى "لحظة الأميّة أو الصفحة البيضاء"، بتعبير الياس مرقص.

أهم هذه الاعترافات الاعتراف بأن علم الإنسان ناقص وأن معارفه تنمو وتتقدم باطراد، وأن النفس أمارة بالسوء، وأن الإنسان خطّاء، وأن الخطأ ظل العمل، وله قيمة أخلاقية وتعليمية أو بيداغوجية، وبأن الإنسان محتاج دوماً وهذه الحاجة هي أساس الاجتماع...هذه الاعترافات وغيرها تضع مسألة الجهاد الأكبر، جهاد النفس الأمارة بالسوء، أو ما كان يسميه الياس مرقص "جهاد المعرفة" ويقرنه بالديالكتيك. وعلى الصعيد الواقعي لابد من الاعتراف بأن المصلحة هي قوام الاجتماع البشري، وإن الرأي ملازم للمصلحة لا ينفك عنها، سواء كانت هذه المصلحة مصلحة فردية أو فئوية أو طبقية، أو مصلحة عامة : وطنية أو قومية أو إنسانية. وإن اختلاف الآراء وتعارضها مرده، في التحليل الأخير، إلى اختلاف المصالح وتعارضها، فجميع المصالح الحيوية والحاجات الجذرية مشروعة على قدم المساواة، ما لم تكن حصرية تنفي ما عداه ولا ترى فيها سوى عقبة في طريقها تجب إزالتها أو شر يجب استئصاله، ومن ثم فإن جميع الآراء مشروعة على قدم المساواة، بغض النظر عن صوابها أو عدمه. وتجدر الإشارة هنا إلى أن حصرية  الآراء تعبير عن حصرية المصالح الفردية أو الفئوية أو الطبقية، وهذه الحصرية الاقصائية هي أساس الشمولية والتسلط. وإن جميع الإيديولوجيات الحصرية  المغلقة على يقينياتها ومسبقاتها الدينية أو الوضعية وجميع الخطابات الاقصائية هي في جميع الأحوال أنساق لإنتاج العنف نسيجاً للعلاقات الاجتماعية والسياسية.

المصالح الحيوية والحاجات الجذرية هي مناط الحقوق وموضوعها، ولكن المصالح الفردية والفئوية والطبقية عمياء، أي أنها ضرورة وضرورات يجب أن توعى جيداً لكي يمكن إدماجها في الكلية الاجتماعية وفي المصلحة العامة، وهذه ليست جمعاً حسابياً لتلك.

وكل واحدة من هذه المصالح جزئية، والجزء لا يحدد الكل بل يتحدد به، ومن البديهي أن الجزء لا يمكنه أن يشرّع للكل ويظل جزءاً، وحيثما يحل الجزء نفسه محل الكل يحل الاستبداد. فلا بد أن تعترف كل طبقة اجتماعية حديثة بأنها جزء من المجتمع المدني، وأن يعترف كل حزب بأنه جزء من المجتمع المدني وجزء من المجتمع السياسي أيضاً، لأنه شكل التوسط بينهما، وأن لبقية الأجزاء حقوقاً مساوية لحقوقه. اعتراف الذات (الفرد أو الحزب أو الطبقة أو الأمة) بحقيقتها الواقعية شرط لازم لتعرية أوهامها الذاتية. فثمة في عالمنا وفي مجتمعنا أفراد وجماعات وأحزاب يعيشون في عالم من صنع أفكارهم وأوهامهم وينكرون واقعهم الفعلي وحقيقتهم الواقعية، لذلك كان مجتمعنا مجتمعات وعالمنا عوالم متحاجزة ومتنافرة، وكل فريق منا هو "الملة الناجية"،ولذلك كنا ولا نزال يكفر بعضنا بعضاً ويخوّن بعضنا بعضاً وينكر الصاحب صاحبه قبل صياح الديك. إن للحاجات والمصالح أثراً لايخفى في تبني الأفكار والآراء وإنتاج التصورات، ومن ثم، كان للخطأ مصدران: مصدر اجتماعي (طبقي أو فئوي) يتعلق بموقع الفرد في المجتمع وفي عملية الإنتاج الاجتماعية، ومصدر معرفي (غنوزيولوجي) يتعلق بالبنى الذهنية/النفسية وبالقاعدة المعرفية والروحية التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية في مكان وزمان محددين. إن تمثيلاتنا الثقافية والأيديولوجية والسياسية هي تحديداتنا الذاتية، يثوي في قاع كل منها عنصر اجتماعي (طبقي) ما، وعنصر معرفي يستند إلى مستوى نفسي روحي ما. وليس لأي من هذه التحديدات الذاتية قيمة مطلقة في ذاتها، فلا يحق لأحد أن يفرض عقيدته أو مذهبه السياسي على الآخرين، بل أنه لا يحق لأحد أن يفرض حتى السعادة على غيره بالعزف والإكراه، وإن من يفعل ذلك إنما يدمر شروط سعادته ذاتها. وهذا مؤكد في الدين العقلي تحت مقولة "الله أكبر"، و"الله أعلم"و"لا إكراه في الدين". "فمن ليس في فكره،وفي روحه،المطلق (الله) يحول نسبية إلى مطلق، وذلكم هو الاستبداد". ومن يخالفني في الرأي هو مواطني، ولا يفعل شيئاً أكثر من ممارسة حقه الطبيعي، كما أفعل حين أدافع عن رأيي وأحترم كلمتي. "بفضل الكلام الذي يحاور لا مجال لما في الرأي من فقر مدقع، وإن تستر بزينة الألفاظ". بالحوار يتحول الفقر في الرأي إلى غنى لا متناهي عن طريق الكلام نفسه، وهو الغنى الذي تقدمه المعرفة الحقيقية. و"حين يتدرب أحدنا على تحديد ما يعنيه بالكلام، (ويلتزم معناه) فإنه يفهم ماذا يعني كلام الآخرين". فالحوار يقتضي التزاماً أخلاقياً بقوانين القول (وأهمها الصدق واحترام الكلمة ومطابقة القول بالعمل) القوانين التي تسمو به عن التداعيات والأحاديث المرسلة أو استظهار مخزون الذاكرة.

على محك الفكر النظري، أو على محك العقل، بوصفه عقل العالم، أو عقل الكون، أو عقل الواقع، وبدلالة ما هو عام وكلي تكشف الآراء المختلفة والمتعارضة مع تناقضاتها، وتنم على المصالح التي تتخفى في نواتها الصلبة،وتهدم نفسها بنفسها من أجل تركيب عقلي جديد يكف معه الرأي عن ادعاء مطابقة الحقيقة. أما في حال غياب العقل، أو استقالته، فإن هناك دوماً، وراء "اللعبة الحرة" للآراء والتعارض في المصالح، حكم فظ يحسم الأمور أخيراً هو العنف، وعلينا أن نختار بين حكم العقل وحكم السيف.

لابد أن يقوم الفكر في معارضة الرأي، بشرط أن يستمد الفكر مقدماته من نتائج العلم والخبرة البشرية. واللحظة الأولى في الفكر الذي يضع الإنسان على طريق الحكمة الممكنة هي تحليل الرأي من الداخل،حتى يشعر صاحبه نفسه بما ينطوي عليه الرأي من خطأ وخطل. وذلك بتعيين الواقع الفعلي الذي يظـن أنه يستند إليه، والكشف عن جدله الداخلي وعن طابعه التناقضي والامكاني، وإعادة بناء صورته في الذهن من دون أوهام أو رغبات ومن دون تأويل أو تحوير. والتحرر من سحر الكلام، بتوكيد الطابع الاصطلاحي للغة التي لا تعني مفرداتها شيئاً إذ لم تعبر عن معرفة حقيقية. الفكر هو شكل العالم. والكلام منطوقاً أو مكتوباً هو إنتاج المعنى وإعطاؤه شكلاً، أو قل هو شكل الفكر. وتقديس الكلمات، أو تدنيسها، ليس سوى تقديس الشكل أو تدنيسه. الكلمات السحرية لا تفعل في الواقع أكثر مما يفعل السحر نفسه، أي أنها لا تفعل شيئاً.

وأخيراً فإن اختلاف الأفراد اختلافاً لا حدود له وتماثلهم في الوقت ذاته يجعل من كل واحد منهم بلا استثناء أنا وآخر، ومن ثم فإن الحوار بين الأنا والآخر (ديالوغ) يمكن أن يغدو نوعاً من حوار داخلي (منولوغ) أسميه روح الشعب، أو الروح الإنساني في شعب معين،بقدر ما يكون هذا الحوار تعبيراً عن نزوع أصيل في الفرد إلى الكلية الاجتماعية والإنسانية، وبقدر ما يعي الفرد الطبيعي كونه عضواً في المجتمع ومواطناً في الدولة، ويكون كذلك حقاً.

وأمّا موضوع الحوار ومضمونه فتحددهما الحاجة أو الحاجات الجدلية، وأظن أننا محتاجون اليوم إلى الحوار حول قضايا كثيرة، الرئيسية منها ثلاث : هي الإصلاح والدولة الوطنية والديمقراطية.

1.    الإصلاح

تنبع أهمية هذه القضية من المراجعة النقدية لتجربة العقود السابقة، لا على صعيد سورية فحسب، بل على صعيد ذلك الجزء من العالم الذي كان، ولا يزال بعضه، يسمى اشتراكياً، أو لنقل أن أهميته تنبع من نقد مفهوم الثورة بوجه عام والثورة الاشتراكية في البلدان المتأخرة بوجه خاص. ومن النتائج التي انتهيت إليها تلك التجربة عندنا. فالنتائج هي المرجع الأكثر صدقاً لنقد الأهداف. (حساب الحقل وحساب البيدر). إذا كان الميل للإصلاح ناجماً عن مثل هذه المراجعة فإن مفهومه يرتبط بمفهوم النهضة ويفضي إليه، وليس بالسهولة التي يتصورها بعضنا. فمن طبيعة الإصلاح أن يكون متدرجاً وبطيئاً مؤلماً أحياناً، إذا كان له أن يكون جذرياً. وقد يحيلنا مفهوم الإصلاح إلى قضايا النهضة العربية وأسئلتها ومسائلها التي لا تزال على جدول الأعمال، كإصلاح التربية والإصلاح الدستوري والإصلاح التشريعي والإصلاح الإداري والإصلاح الاقتصادي والإصلاح الديني وإصلاح المنطق، أي تغيير الزاوية التي ننظر منها إلى العالم، إلى الطبيعة والمجتمع والدولة وإلى الإنسان وإلى المرأة خاصة، والإصلاح السياسي الذي هو مبتدأ هذه الإصلاحات جميعاً ومنتهاها.

الإصلاح بهذا المعنى مشروع جماعي ومجتمعي تسهم فيه جميع فئات المجتمع جميع فعالياته، وصيحة احتجاج جماعية على التأخر والركود والفساد، أو محاولة عقلانية لمعانقة السماء، ومعارضة واعية وعنيدة بين القديم الميت والـجديد الحي، ومن حسن الطالع أن السلطة قد بادرت إلى الإصلاح، بعد أن صمّت آذانها عن الدعوة إليه زمناً طويلاً.

وما من شك أن السلطة/الدولة فاعل أساسي في عملية الإصلاح هذه، لكنها لا تستطيع أن تنجز وحدها سوى إعادة إنتاج الاستمرار والاستقرار، أي الركود والفساد،ومن ثم إعادة إنتاج طابعها الأمني من جديد بحكم منطق الأشياء، فالركود والفساد ليسا عارضين في أوضاعنا والأوضاع الشبيهة بها بل يغوران عميقاً في علاقة الدولة بالمجتمع وعلاقة السلطة بالشعب وآليات تملّك الدولة وتهميش المجتمع.فلا يمكن أن تفضي عملية الإصلاح إلى تقدم إذ لم تشارك فيها جميع قوى المجتمع المدني، أعني الفئات الاجتماعية الحديثة والنقابات والأحزاب والجمعيات والجزء المستنير من المؤسسة الدينية أيضاً وكتلة الانتلجنتسيا بوجه عام والمربون والمعلمون الذين يستحقون اسمهم والمثقفون بوجه خاص، لأن قوى المجتمع التقليدي مناوئة للإصلاح وكذلك المستفيدون من الفساد. ولا يظننا أحد أن تقدم جزء من المجتمع وحداثته يعني أن المجتمع قد غدا متقدماً وحديثاً، أو أن تحديث "الدولة" يغني عن تحديث المجتمع، بل يعني، على العكس من ذلك، انفصال هذا الجزء عن الشعب ونشوء عالمين متفارقين يتجاوران في مكان واحد ويعيشان في زمنين مختلفين. والأسوأ من ذلك هو استلاب هذا الجزء استلاباً سلفياً أو اغترابياً أو تغريبياً. مما يطرح ضرورة دمـج مبـادئ الحداثة ومفاهيمها ومناهجها وقيمها، ولا سيما قيم الشغل والكد والإنتاج والمثابرة والسيطرة على الوقت والسيطرة على الطبيعة في حياة المجتمع وممارسته الاجتماعية والسياسية، ولا سيما دمج العلم في العمل. وفي هذا المجال يكاد يكون دور المثقفين يعادل دور السلطة/الدولة، لأنهم يسهمون، على اختلاف مشاربهم ومواقعهم الاجتماعية واتجاهاتهم الفكرية، في جعل التأخر أشد شيناً وعاراً بنشره على الملأ، واستنهاض قوى المجتمع الحية وإعادة بناء الوعي الاجتماعي بدلالة التقدم.

وإذا كان لا يحق لفئة واحدة من فئات المجتمع، أو لحزب واحد من أحزابه، أن تقرر وحدها، أو يقرر وحده ما هي المصلحة الوطنية العامة، وما هي السبل الكفيلة بتحقيقها، فإن من حق كل فئة أن تفصح عن تصورها لما هي هذه المصلحة، ومن حق كل حزب وكل مثقف وكل فرد، وهنا تتجلى قيمة الحوار وضرورته وراهنيته، أن يفضي إلى إنتاج ما نسميه التوافق الأولي والمبدئي على ما هي المصلحة الوطنية.

والإصلاح الفعلي لا يكون بطرح تصورات سياسوية عامة وغائمة ومختلطة بالرغبات، بل يكون بمبادرات تنطلق من سائر ميادين العمل والنشاط بغية إصلاحها والنهوض بها مما تعانيه، حتى في أدق التفاصيل التي تخفى على المراقب الخارجي. وهذا يتطلب ، بالضرورة، مناخاً من الحرية المشروطة بالقانون والمسؤولية. ألا تعتقدون مثلاً أن النقابة والحزب السياسي يحتاجان إلى إصلاح؟ ألا يحتاج الحزب "الحاكم نفسه إلى إصلاح بعد أن تحول حقاً إلى حزب هامشي" في الدولة والمجتمع؟ أليس من واجب أحزاب الجبهة أن تمثل أمام محكمة العقل والضمير؟ الإصلاح هو أن يمثل الجميع أمام محكمة العقل والضمير. متى ينهض عدد من الفنانين التشكيليين مثلاً لإعلان بيانهم عما ينبغي أن يكون عليه الفن التشكيلي، وما القيم الفنية والجمالية التي ينبـغي أن يجسدها فـي هذه المرحلة، وتقوم بازائها مجموعة أخرى تطرح رؤية مختلفة، وهكذا في جميع الميادين؟ إن من شأن مثل هذه المبادرات التي قد تبدو عشوائية وجزئية أن تصب في مجرى عام تفرضه الحاجة، أو أن تنتظم في إطار عام يكفل نجاحها وديمومتها وتقدمها، وهذا الإطار العام هو الدولة الوطنية. وهي قضيتنا الرئيسية الثانية. إن العمل الوحيد الممكن والواجب في سورية اليوم، وفي الوطن العربي كله، هو عمل تاريخي، بدعوته الأولى أو مقدمته الضرورية هي الإصلاح بالمعنى الذي تقدم. ومن ثم فإن الإصلاح المنشود محتوى اجتماعياً هو الذي سيطبع الدولة الوطنية بطابعه.

2-     الدولة الوطنية

أود أن أشير إلى أن صفة"الوطنية"، في هـذا السياق، لا تحمـل أي دلالة قيمية، بل تحمل دلالات معرفية وسياسية فحسب، خلافاً للشائع والمألوف في المديح أو الهجاء السياسي. وهي صفة تعادل صفة القومية في اللغات الأخرى التي ميزت القومية(Nationalism)، بوصفها فضاء ثقافياً وسياسياً مشتركاً لجميع أفراد الأمة، من المذهب القومي (Nationalist) الذي يتبناه هذا الحزب أو ذاك.

ويمكن القول: إن الإصلاح هو تمكين ذوي الحقوق من التمتع بحقوقهم. والقوة الوحيدة التي يمكنها أن تفعل ذلك وتضمنه لا يمكن أن تكون قوة فرد أو جماعة أو فئة اجتماعية بعينها أو حزب بعينة، بل قوة قانون. لذلك، فإن الدولة الوطنية هي،قبل أي شيء آخر،دولة حق وقانون، فحقوق المواطنين هي واجبات الدولة السياسية، (الدولة السياسية هي المعادل السياسي الموضوعي للدولة الوطنية) وحقوق المعارضة هي واجبات السلطة السياسية، وحقوق الأقليات هي واجبات الأكثرية وحقوق المرأة هي واجبات الرجل وحقوق الإنسان هي واجبات الإنسان. وليس من ضامن لهذه الحقوق سوى القانون. والقانون، في نظري، هو ماهية الدولة وجوهرها، وشرط الحرية وضمانتها، وتجل موضوعي للعقل، أو للروح الإنساني. وحين تكف الدولة عن كونها دولة حق وقانون تكف عن كونها دولة سياسية، بل يمكن أن نسميها أي سيئ سوى الدولة، فالقانون هو ما يمنح الدولة طابع السمو على جميع فئات المجتمع، بل إنه يمنحها أي شيئاً من القداسة إذا شئتم، ويمنحها حق إنزال العقوبة بمن يخالف القوانين المرعية، ولكن لا عقوبة بلا قانون. وفي اعتقادي أن شعباً لا يدافع عن قانون بلاده لا يستطيع أن يدافع عن وطنه. وقديماً آثر العلم سقراط أن يتجرع السم على أن يخالف قانون المدينة الدولة، وكان يقول: القانون فوق أثينا، ويقصد أثينا المدينة الدولة وأثينا إلهة المدينة وحاميتها. وليس للدولة، دولة الحق والقانون، أن تفرض على مواطنيها أياً من الواجبات غير التي يفترضها عليهم وعيهم بالانتماء إليها، وحقهم في المشاركة في جميع شؤونها التي هي شؤونهم في الأصل والأساس. بل إن عليها أن تضمن حقوقهم أولاً وتلبي حاجاتهم المادية والروحية ثانياً وتحمي حريتهم وأمنهم ورفاهيتهم ثالثاً،فجميع وظائف الدولة هي وظائف اجتماعية  ومجتمعية.

ولما كانت مصالح الأفراد والفئات والطبقات متباينة ومتعارضة ومشروعة في الوقت ذاته فإن القانون هو بالفعل تسوية تاريخية بين هذه المصالح وصيغة أكثر رقياً للوحدة الوطنية التي قوامها التعدد والاختلاف والتعارض. لذلك فإن الدولة الوطنية هي دولة الكل الاجتماعي، أو التجسيد العياني للكلية الاجتماعية، هي دولة جميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز، يشارك فيها الأفراد والفئات الاجتماعية مشاركة فعلية من خلال المؤسسة التشريعية خاصة.

ولأن مواطنيها ينتحلون نحلاً شتى، ويدينون بديانات مختلفة، ويتبنون أيديولوجيات متباينة ومتخالفة، وجب على الدولة أن تكون محايدة حياداً إيجابياً إزاء جميع المذاهب والأديان والإيديولوجيات والنظريات السياسية. أي إن الدولة الوطنية هي دولة علمانية بالضرورة. وفي اعتقادي أن دولة الحزب الواحد والرأي الواحد واللون الواحد هي أسوأ دولة دينية ممكنة، خاصة حين تفرض عقيدتها على المجتمع بالعسف والإكراه، بل يمكن القول إنها دولة دينية سيئة ناقصة الوازع الأخلاقي، دولة بلا عقل ولا قلب ولا ضمير (ضحايا محاكم التفتيش سيئة الصيت لا يقاسون بضحايا حملات التطهير في زمن ستالين، وأمثال ذلك كثيرة في عالمنا الحديث والمعاصر).

ولأن الدولة الوطنية هي دولة الكل الاجتماعي، وهذا الكل موسوم موضوعياً بسمة أكثريته القومية، فإنها، في وضعنا العربي الخاص، شكل التوسط بين الدولة القطرية والدولة القومية التي تكفل حقوق جميع مواطنيها، ولا سيما الحقوق الثقافية والقومية للجماعات القومية. مما يفرض إعادة تعريف الأمة والقومية وإعادة التفكير بالوحدة العربية في ضوء ممكنات الواقع ومنطق التاريخ ومفهوم التقدم.

ولأن المجتمع جملة حية والبشر نزاعون إلى تحسين شـروط حياتهم باطراد، ولأن التعارض بين الفرد الطبيعي الذي يسعى إلى إشباع حاجاته والمواطن الذي يسعى في سبيل الحرية والعدالة والمساواة هو التعارض المقيم الذي يخترق المجتمع، ولأن الطبقة أو الفئة السائدة تعمل على تعزيز سيادتها والفئات المسودة تعمل على تحسين ظروفها وتعديل نسبة القوى الاجتماعية،فإن ما دعوته التسوية التاريخية ليس شيئاً ناجزاً ونهائياً، بل إن التسوية التاريخية يعاد إنتاجها بين الحين والحين، وفق نسبة القوى الاجتماعية، لذلك فإن الدولة الوطنية هي المقدمة الضرورية منطقيان وتاريخياً للدولة الديمقراطية التي تجسد الحرية وتستجيب لمطالب الروح الإنسانية.

ولا تكون الدولة الوطنية حرة ومستقلة وذات سيادة فعلية ما لم يكن مواطنوها جميعاً أحراراً ومستقلين وسادة أنفسهم ومصائرهم، ولديهم إمكانية الاختيار، ولا سيما اختيار شكل وجودهم السياسي، واختيار النظام الاجتماعي الاقتصادي الذي يلبي حاجاتهم.

في ضوء هذه التحديدات تغدو الدولة الوطنية شكلاً سياسياً للمجتمع المدني الذي تنمو فيه باطراد العناصر الأنسية والعقلانية والعلمانية والديمقراطية، ويرتقي فيه الوعي الاجتماعي إلي مصافي الوعي الكوني والتاريخي الحديث. ومن ثم فإن كل فصل ميكانيكي بين الدولة الوطنية والمجتمع المدني، وكل تعارض مزعوم بينهما غير التعارض الجدلي الديالكتيكي إنما ينمّ على مكر أو على حماقة.

وأخيراً، كنت أود أن أتحدث عن قضية ثالثة يبدو لي أن الحوار حولها راهن وضروري، هي:

3-     قضية الديمقراطية

في سياقها المعرفي والتاريخي، لاسيما في ظل الالتباس أو التلبيس المتعمد بين الديمقراطية والليبرالية بوجه عام والليبرالية الجديدة بوجه خاص. ولضيق المجال سأكتفي بالإشارة إلى أهم تحديداتها وعناصرها التي تنمو في طور الإصلاح والنهوض، وتتبلور في المجتمع المدني والدولة الوطنية/القومية، وفي مقدمها حرية الفرد وحقوق الإنسان.

"الديمقراطية هي حقيقة أي نظام للحكم، ولكن أي نظام للحكم غير النظام الديمقراطي ليس حقيقة الديمقراطية".. وهي الوحدة الجدلية بين الوجود الاجتماعي وشكله السياسي، وهي وحدة تستمد قيمتها ومشروعيتها ومسوغاتها من ذاتها، لأن كل عنصر من عناصرها هو عنصر واقعي وضروري لأنه مستمد من الشعب. و"جميع أنظمة الحكم،باستثناء النظام الديمقراطي، هي تناقض في ذاتها بين الشكل والمضمون"، أو بين حقيقتها الفعلية وصورتها الوهمية.

الديمقراطية هي وحـدة الوجود الاجتماعي الفعلي للفرد، الذي قـوامه الحرية، والوجود السياسي الفعلي للمواطن، الذي قوامه القانون، وحدة جدلية تقوم على تعارض منتج وخلاق ومفتوح على التقدم، وتتجلى واقعياً في العلاقات الاجتماعية وأشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي التي ليست، في حقيقتها، سوى انبساط الروح الإنساني في العالم وفي التاريخ. وهي، من ثم، الوحدة الجدلية بين جميع الفئات الاجتماعية وتمثيلاتها الثقافية والسياسية، أو الوحدة الجدلية بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، والوحـدة الجدلية بيـن السلـطة والمعارضة، الوحدة التي تحقق فعلاً سيادة الشعب، وتجعل التداول السلمي للسلطة ممكناً وواجباً. وقبل هذا كله وبعده، هي ذلك النظام الذي يقوم على مبدأ الإنسان وفكرة التاريخ ومفهوم التقدم. ومن ثم هي النظام الذي ينطلق من المجتمع المدني ودولة الحق والقانون نحو هدف واجب وممكن هو المجتمع المؤنسن أو الجماعة الإنسانية.

والصيغة الواقعية التي تتجسد فيها الديمقراطية هي مشاركة المواطنين الأحرار مشاركة فعلية في الدولة السياسية من خلال المؤسسة التشريعية المنتخبة انتخاباً حراً ومباشراً ونزيهاً وسرياً بإشراف القضاء، أو هي حضور المجتمع المدني في الدولة السياسية حضوراً فعلياً من خلال هذه المؤسسة، يحدد بنفسه ولنفسه خصائص نظامه العـام وخيـاراته الأساسية، ويضع التشريعات الكـفيلة بتحقيقها، ويراقب السلطة التنفيذية ويحدد وظائفها.

ليس الحوار أن يقنع أحدنا الآخر برأيه أو وجهة نظره، لأن من يفعل ذلك يكون مطمئناً وواثقاً أنه على صواب، وأن الآخر على زيغ وضلال، مع أن الأمر لا يخلو من قرع الحجة بالحجة. الحوار هو ذلك التيار العقلي الروحي الهادئ الذي يذهب إلى أساسات الخطابات ويفكك مضامينها ليكشف ما تنطوي عليه من تناقض في ذاتها، وكيف يتلازم فيها الخطأ والصواب والحق والباطل تحت تماسكها الظاهري وبلاغتها الشكلية.

لعله من قبيل "المثالية" الادعاء أن ثمة تماثلاً بين نظام العالم ونظام العقل وبين مايجب أن يكون عليه نظام المجتمع، أو النظام الاجتماعي السياسي. ولعلها صبوة من صبوات النفس، أو نوع من يوتوبيا، أن يتطلع المرء إلى وحدة الفكر والأخلاق والسياسة وحدة جدلية لا تنفي الفرق والاختلاف واستقلال المجالات.

ولعله من الواجب والضروري أن يتحد الفرد الطبيعي والمواطن في الكون الاجتماعي السياسي، أو في الكائن الاجتماعي السياسي، وأن يتحدوا جميعاً في الإنسان. وأن يكون الشكل السياسي الذي تمثله الدولة هو ذاته الوجود الاجتماعي الفعلي، بكليته ووحدته التناقضية، بغناه وتنوعه اللامتناهيين. ولكنها مثالية ممكنة وواجبة تمليه الحاجة إلى نظام اجتماعي سياسي ديمقراطي يليبي مطالب العقل أو مطالب الروح الإنسانية.

ــــــــــــ

*  باحث ومفكر سوري.

*بعض المقولات التي تضمنها هذا النص مقتبس من مصادر تعمدت ألا أحيل القارئ عليها، لأسباب سأوضحها في مقال لاحق إنشاء الله.