العلاقات الكردية – الفلسطينية

"أبعاد تاريخية ... ومستقبل مشرق"

صلاح بدر الدين *

مقدمة للتحرير:

أكثر من عضو في هيئة تحرير مقاربات مّر في لبنان أثناء الحرب الأهلية. وكانت زيارة بيروت تترافق بزيارة ما فيها من تعبيرات سياسية وأقلام تقدمية. وهناك كان يكتشف المرء تلك اللحمة والتفاعل بين الأحزاب العربية والكردية التي وقفت معاً لدعم القضية الفلسطينية ووجدت في المقاومة الفلسطينية نصيراً ومساعداً لها.  

إذا كان الكرد والعرب عموماً يعتبرون أن لهم تاريخاً مشتركاً منذ قرون يستند إلى التمازج الحضاري والتعايش والتعاون والتواصل. فإن العلاقات الكردية – الفلسطينية تحتل موقع الصدارة وتأخذ منها موقع القلب، فقد تميزت هذه العلاقات ومنذ أكثر من ثمانية قرون بعلامات وأحداث بارزة في تاريخ الشعبين.

لاشك أن البداية كانت منذ انتماء الأغلبية الساحقة من أبناء كردستان إلى الدين الإسلامي بعد أن كانوا يتوزعون بين الزرداشتية والمسيحية، ويتضمن التراث الكردي – المدون والشفاهي – العديد من الإشارات والمناسبات التي تعبر عن التعلق الروحي بالقدس الشريف، وقد جاءت الحروب الصليبية، وتصدي الكرد بقيادة صلاح الدين الأيوبي لعدد من موجات تلك الحروب وآخرها انتصارات حطين وتحرير القدس لتضاعف من ذلك التعلق ومن تلك الاهتمامات، كيف لا وقد وصل فلسطين والديار المقدسة الآلاف من المقاتلين الأكراد وأمرائهم من معظم مدن ومناطق كردستان حيث لبوا نداء الجهاد الذي أطلقه صلاح الدين، وكان لهذا التواجد – الطويل – نسبياً في مدن سورية ولبنان وفلسطين ومصر واليمن وشمال أفريقيا من جانب أبناء كردستان الأثر الكبير في تعزيز التمازج الثقافي والتبادل الحضاري والتأثير المتبادل في العلاقات الكردية – العربية والتي ما زلنا ننطلق منها حتى الآن في عملية تطويرها وترسيخها.

احتفظت ذاكرة الكرد و العرب لقرون وخلال تعاقب الأجيال بذلك التاريخ المشترك الناصع البياض رغم ما حاوله بعض المؤرخين الشوفينيين من محاولات الإساءة لذلك التاريخ أو محوه من الذاكرة وإخفاء الوثائق والحقائق حول تفاصيل تلك الأحداث التي شكلت جوهر تلك العلاقات عن أعين المتابعين والكتب التاريخية بما فيها الكتب والبرامج المدرسية وبشكل خاص في سورية والعراق والبعض الآخر من دول المنطقـة، ومن أجل أن لا – نظلم - المؤرخين أكثر مما هو لازم، فإن هؤلاء نفذوا قرارات "سياسية" ذات طابع شوفيني –عنصري من أعلى هرم السلطة في تلك البلدان، ولأسباب قومية ومذهبية متطرفة حاول البعض من الحكام وكتبتهم ومؤرخيهم أن يزيلوا الحقبة الأيوبية من التاريخ الإسلامي، بدوافع كما ذكرنا شوفينية، وطائفية لها علاقة بالوجود الكردي وحقه في تقرير المصيـر، وبدور –الأيوبيين- الأكراد في التصدي للفاطميين وموالاة مركز الخلافة الإسلامية – السنية المذهب. وهناك عدد من الكتب التاريخية الصادرة في الحقبتين الأخيرتين لمؤلفين من الطوائف غير السنية أزالت المرحلة الأيوبية نهائياً من تاريخ الإسلام والمنطقة.

وفي هذا المجال بودي سرد حادثة وقعت في ذكرى مضي ثمانية قرون على معركة حطين. فقد علمت آنذاك وعبر وسائل الإعلام أن جامعة –تل أبيب- ستعقد مؤتمراً علمياً بهذه المناسبة في حين لم أسمع شيئاً عن محاولات فلسطينية وعربية في هذا المجال وقد توجهت إلى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية حيث كانت متواجدة في تونس وطرحت على الأخ الرئيس ياسر عرفات ما سمعته كما اقترحت عليه ضرورة أن يقوم العرب والأكراد والفلسطينيون بشكل خاص بواجب الاحتفاء بهذه الذكرى العظيمة وليست إسرائيل.

لقد تجاوب الرجل مع الفكرة وأحس بألم بالغ بسبب هذا التقصير وطلب على الفور الأمين العام المساعد للجامعة العربية آنذاك – الأخضر الإبراهيمي –  "كان مقر الجامعة وقتها في تونس" وطرح عليه الموضوع مضيفاً اقتراحاً بأن يتوجه إلى دمشق ويطلب من المسؤولين السوريين إقامة احتفال جماهيري علني بهذه المناسبة خاصة وأن قبر صلاح الدين موجود في دمشق ومركزه كان هناك، فتبنت الجامعة العربية الفكرة جملة وتفصيلاً وتوجه الإبراهيمي إلى دمشق حيث قابل الرئيس الراحل حافظ الأسد وأخبره تفاصيل المقترح وكان جواب الأسد: أولاً سورية ليس لديها الإمكانيات المادية. ثانياً ما علاقة العرب بصلاح الدين إنه ليس عربياً.

نعم بهذا المنطق كان الحكام الشوفينيون يعالجون مثل هذه القضايا المشرفة في التاريخين العربي والإسلامي. ولا أريد الإشارة إلى ما حصل خلال مجزرة حماه عندما اجتمعت الميول الشوفينية – الطائفية لتستغل ظروف الفوضى والأزمة وتزيل – المقبرة الأيوبية – في حماه من على وجه الأرض وإلى الأبد وتمحي بذلك ذكرى ومفاخر الأسلاف الذين بنوا تاريخنا المشترك بكل شرف وشجاعة وإباء. هذا ما ذكره الطيب الذكر المرحوم أكرم الحوراني.

تواصل كردي –  فلسطيني معاصر :

إضافة إلى التعلق الكردي الطبيعي والعفوي بفلسطيـن وذكـريات التـاريخ، والدور المشهود للعديد من الجنود والضباط والمتطوعين الأكراد من سورية والعراق في معارك فلسطين منذ النكبة وحتى الآن واستشهاد رجال شجعان من هؤلاء على خطوط الجبهة فإن الحركة السياسية الكردية ومنذ ظهورها كانت تحتفظ في برامجها النضالي مكانة خاصة لفلسطين والقضية الفلسطينية. ومنذ حركة إعادة البناء والتقييم وتصحيح المسار ووضع البرنامج السياسي اليساري عام 1965 من جانب الحركة الوطنية الكردية السورية تم التوجه ومنذ بداية انطلاقة الثورة الفلسطينية نحو حركة التحرير الفلسطينية حيث بادرنا إلى إقامة العلاقات والصلات في سورية ولبنان من منطلقين أساسيين :

الأول: لإيماننا بالتآخي القومي بين العرب والكرد والتعايش والمصير المشترك ولكون القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للشعب العربي في كافة أقطاره أي كنا نعتبر العلاقة مع الحركة السياسية الفلسطينية كتجسيد نضالي للعلاقات الكردية العربية، خاصة وأن الساحتين السورية والعربية عموماً كانت تفتقر إلى حركات ديمقراطية ذات توجه تتقبل الوجود الكردي وتعترف بحقوقه المشروعة.

الثاني : بسبب ذلك النهوض العارم للحركة الوطنية الفلسطينية وبرنامج منظمة التحرير الفلسطيني وفصائلها الوطني الديمقراطي ذو الأبعاد الأممية والإنسانية المعادية للإمبريالية والصهيونية، تلك الحركة التي تحولت إلى مركز لكافة أحرار العالم وقوى التحرر والتقدم لمختلف الشعوب والقوميات.

منذ اللقاءات الأولى مع قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية،وبمختلف تياراتها وميولها وتنظيماتها دون استثناء شعرنا بالارتياح الكامل لأسباب عديدة أولها رغم ترددنا وتخوفنا من طرح قضيتنا بشكل كامل وصريح فاجأنا الطرف المقابل بموقف متفهم وقابل لحقوق الكرد بما فيها حق تقرير المصير وشعور مفعم بالعاطفة الأخوية واطلاع مفصل على حالة الأكراد ومأساتهم في جميع أجزاء كردستان. كما فاجأنا الطرف الفلسطيني بشعور مطابق لمشاعرنا حول تاريخنا المشترك ومفخرة صلاح الدين والتأكيد على وجود أقلية كردية في فلسطين يتميز أبناؤنا بالنضال والشجاعة، ووجود بعضهم في سلم القيادات الأولى وهكذا زادتنا – حرارة – اللقاءات الأولى اندفاعاً نحو الحركة العربية وتمسكاً بمبادئنا التي أعلناها في كونفرانس حزبنا الشهير كونفرانس الخامس من آب لعام 1965. خاصة وأن طلاب جامعة دمشق شاهدوا وسمعوا خلال محاضرات لقيادات فلسطينية بأن هناك شعب كردي وحركة كردية وحقوق كردية بما فيها حق تقرير المصير، حيث ظهر خطاب سياسي جديد للحركة الوطنية العربية بشأن القومية الكردية أكثر تقدماً وأوضح هدفاً وأعمق فكراً بعد أن كان الخطاب السائد من جانب التيارات الأخرى في الحركة العربية – البعثية، والناصرية، والإسلامية، والشيوعية – يتجاهل وجود الشعوب والقوميات الأخرى وخاصة الشعب الكردي وخاصة في سورية والعراق. ومن هذه الحقيقة نرى أن الحركة الوطنية الفلسطينية قد دشنت مرحلة جديدة في العلاقات العربية – الكردية وكانت بداية الانفتاح العربي غير الرسمي على الكرد وحركتهم التحررية.

مقابل ذلك وبسبب دور التيار السياسي الكردي القريب من القضية العربية والذي كنا في موقع المحرك فيه، وصل التنسيق مع الجانب الفلسطيني إلى درجات راقية من العمل المشترك والتفهم المتبادل والاعتراف بحقوق البعض بصورة متكافئة، إلى درجة توجه اليسار الكردي من مختلف أجزاء كردستان وعبر مركزنا في -بيروت- إلى حركة المقاومة الفلسطينية بهدف التدريب والاستفادة من تلك الخبرات الثمينة في مجالات حروب الأنصار،والجبهة الوطنية المتحدة،والعلاقات الديمقراطية بين الفصائل والتيارات ضمن الحركة الواحدة، وصياغة البرنامج العلمي الواقعي المناسب لمرحلة التحرر الوطني، ودورات التأهيل الفكري والسياسي والأمني، ودور اليسار في حركة التحرر وخطورة التوجهات المغامرة والتطرف القومي، بالإضافة إلى عملية الانفتاح والتبادل الفكري والسياسي مع العديد من حركات التحرر والأحزاب والمنظمات وخاصة الأحزاب الوطنية اللبنانية، وكذلك ممثلي الدول الاشتراكية سابقاً.

بالرغم من كل الأحداث والتطورات بما فيها الانتكاسات التي حلت بالحركة الوطنية الفلسطينية جراء الخروج من لبنان وتدخل النظام السوري في محاولة شق حركة-فتح-العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية،لم تنقطع الصلات والعلاقات مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وكما ذكرنا سابقاً فإن تلك العلاقات بالرغم من طابعها الثنائي فإنها عبرت ومازالت تعبر عن حقيقة وجوهر اللقاء العربي-الكردي بشكل عام.

وبسبب شعور قيادة منظمة التحرير بمسئوليتها القومية فقد حاولت في مراحل مختلفة القيام بدور-الوسيط-لإيجاد حلول سلمية على سبيل المثال بين الحركة الوطنية الكردية العراقية والحكومات العراقية المتعاقبة،وحققت خطوات وفي بعض المراحل وبالتنسيق معى-الجبهة الكردستانية- في العراق،كما أنها وانطلاقاً من نفس المشاعر قطعت الطريق في أوقات عديدة على مخططات ومشاريع كانت تهدف إلى-توطين-فلسطينيين في منطق كردية في سوريا والعراق، وهناك وثائق في هذا المجال يمكن نشرها بالمستقبل إن دعت الحاجة. كل ذلك من اجل أن تبقى العلاقات بين الشعبين سليمة وأخوية وبعيده عن القهر والتصادم والاقتتال. وضد مخططات التعريب التي حاولت حكومات عربية (في سوريا والعراق) تنفيذها.

بعد عودة قيادة منظمة التحرير إلى الوطن وإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية ظلت وفية لمبادئها وشهدت علاقاتنا الثنائية نقلة نوعية جديدة بافتتاح مكتب للحركة الكردية هناك واعتباره وبعد التوصل إلى الحل النهائي الرسمي وإعلان الدولة الفلسطينية المستقله كممثلية ذات صفه رسمية لحركة التحرر الوطني الكردية.كما بادر الأخ ياسر عرفات إلى رعاية المؤتمر التأسيسي لجمعية الصداقة الفلسطينية-الكردية التي أقيمت في صيف 1999 في رام الله وهي أول جمعية صداقة عربية-كردية في العصر الحديث، حيث قابله الجانب الكردي بإقامة أول جمعية صداقه كردية-عربية في أربيل بكردستان العراق في عام 2000.

إن علاقات الصداقة والتعاون القديمة والمتطوره بين الحركتين الكردية والفلسطينية سيظل قاعدة راسخة ومتينة في صرح العلاقات الكردية-العربية التي تحتاج إلى إعادة البناء على أسس سليمة من جانب قوى الشعبين الوطنية والديمقراطية على درب التعايش السلمي والمستقبل الزاهر والتضامن الأخوي.

ــــــــــــــــــــــــــ

* أمين عام حزب اتحاد الشعب الكردي في سوريا .