الفكاهة الرمادية وحقوق الإنسان

توفيق بن بريك

ضحكة الحوت

187 صفحة باللغة الفرنسية

Taoufik Ben Brik

Seuil, Paris, 2000 Le rire de la balein

عرف العرب والعالم توفيق بن بريك صحفيا جريئا حرمه التسلط من الكتابة فربط قلمه بحياته عبر إضراب عن الطعام كان الأكثر قسوة وفعالية وزعزعة لصورة السلطة السياسية في تونس. وكما قال توفيق في لحظة من لحظات الإضراب: "يصعب على أي ديكتاتور أن يتصور أن أجهزة الإعلام تعطي لمواطن من بلده حيزا يفوق الحيز الخاص به، إن هذه المسألة ليست فقط جزء من التكوين النفسي للدكتاتور، وإنما جزء أساسي من تعريف الدكتاتورية كشكل معتوه للممارسة السياسية". كتاب توفيق الثاني بعد الإضراب ( الأول: دكتاتورية ناعمة بشكل، عن دار ديكوفيرت) يشكل نقلة إلى جمع عجائبي بين الجانب الأدبي للشاعر توفيق والجانب المراقب للصحفي والأهم من هذا وذاك، اكتشاف صاحب اللسان اللاذع والكلمة المباشرة كلاهما يقدم لنا صنفا خاصا من الفكاهة الرمادية (تمييزا عن الفكاهة العربية والفكاهة السوداء) التي تحيل الضحايا والرموز والنجوم والأبطال في ساحة النضال التونسية إلى أشخاص من دم ولحم يمتلكون حصتهم من المرض والنقص والإرهاق والملل والتحيز والذاتية. يذكّر نشطاء حقوق الإنسان بنقاط ضعفهم وتكرارهم مشكلة المعايير المتفاوتة السرعة: "أصبحت مهمة البعض في تصنيف الناس: فلان يجب رؤيته بالضرورة، فلان لا تجب رؤيته، فلان يجب تجنبه بأي شكل الخ". يذكّر بنفس الوقت بتلك الجبهة المدرعة التي وضع حجارتها على رقعة الشطرنج وهو يخطط للإضراب: تحديد ما يمكن أن يقدمه كل شخص وكل منظمة، نلاحظ وجودا عربيا هاما في الأسماء المختارة (هاني المجلي، هيثم مناع، كمال جندوبي، فيوليت داغر، بهي الدين حسن، عبد اللطيف وهبي، سمير دويهي، سهام بن سدرين والمجلس، مع نخبة من الصحفيين الجزائريين ونشطاء مصر). بالطبع سيعتمد في الصف الخلفي على نجاة الزغلامي الجندية المجهولة وكذلك على صديق قديم له من أوساط المحامين (شوقي طبيب). سيتكفل أطباء المجلس الوطني من أجل الحريات بالإشراف الصحي في تونس وفي فرنسا سيكون الطبيب المعلن أحد أشهر أطباء البيتييه سالبتريير في التغذية حيث يعمل بالصدفة على بعد 30 مترا هيثم مناع في مخبر للاستقصاءات العصبية. التنظيم من دار نشر "الصبار" التي تديرها سهام بن سدرين إلى غرفة صاخبة في مشفى باريسي كان يقرر فيه توفيق لوحده بعد أن يسمع نصيحة الصحب المقرب. فقد كانت لديه قناعة بأن عناد المضرب عن الطعام أهم من رؤية الآخرين الذين يحملون عقدة ذنب غير مبررة تجعلهم لا يتوقفون عن اقتراح حلول ينهي بها الإضراب. العديد من الأشخاص لم يدرك معنى الضغط الهائل الذي يتعرض له شخص بعد شهر عن الإضراب عن الطعام ويطلب منه إجراء أكثر من عشرين مقابلة في اليوم ويطلب من رئتيه تحمل سجائره التي شكلت آخر فضاء للحرية يتخطى الماء والسكر والزهورات الشرقية. ففي كل مواطن تونسي كان هناك صورة خاصة لتوفيق يحبه على شاكلتها. ولكن توفيق يصر على رفض التخلي عن ذاك الشيطان الشعري الكامن في أعماقه والذي يجعل منه صعلوكا يكره السلطة والسياسة والسلوكات الموجبة للاحترام في القاموس العام. فهو لم يقم بإضرابه ليقود حركة الجماهير بل ليكسر غول الخوف في أعماقها لتقود نفسها بنفسها نحو غد آخر لا يكون عدد البوليس التونسي فيه مساويا، ولا فخر لعدده في فرنسا. رغم نقده اللاذع وجمله غير المسايرة، يحبب توفيق القارئ بشخصيات الكتاب ويحولها إلى شخصيات مركزية في مسرح وطنه بعد أن قام التسلط بفعل كل شئ من أجل تهميشها. وكشخصيات حقيقية يرفض أن يحولها إلى دمى جميلة مهندسة على صورة فارس الأحلام وأميرة القصص. لذا فهو يتفنن في صورة الكاريكاتير ويلعب بشخوص المسرح بشكل رمادي فضّل البعض أن يحوله إلى رموز بلا أسماء والبعض الآخر أن يهذب فيه ويقص تلك الجملة أو تلك. ولكن عندما يفعل توفيق ذلك، هل يبقى الشاعر الصعلوك، شاعر المجون والتمرد والرفض؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هيئة التحرير