تونس الغد

تحـرير: أحمد المناعي، توفيق بن بريك، راشد الغنوشي، مصطفى بن جعفر، منصف المرزوقي، نور الدين ختروشي

تقــديم: هيثم مناع

إصـدار: اللجنة العربية لحقوق الإنسان ودار نشر أوراب الباريسية

212 صفحة، نيسان(أفريل) 2001

في كتاب جماعي ضم لأول مرة في التاريخ التونسي المعاصر  رموزا إسلامية ورموزا علمانية (لائكية) معروفة في دفتي كتاب واحد، صدر في باريس عن دار نشر "أوراب" واللجنة العربية لحقوق الإنسان كتاب "تونس الغد" بمشاركة الدكتور أحمــد المناعي  والدكتور مصطفى بن جعفر والشاعر والصحفي توفيق بن بريك والدكتور منصف المرزوقي والشيخ راشــد الغنوشي والصحفي نور الدين ختروشي. ويعتبر هذا الكتاب الذي قدّم له د. هيثم مناع أول محاولة سياسية وحقوقية لاستقراء مرحلة ما بعد التسلط والانتقال إلى الديمقراطية كحق مشروع للشعب التونسي يستدعيه نضال أبناء تونس من أجل الحرية وتتطلبه شروط الانتماء إلى القرن الواحد والعشرين.

في رد صارخ على دعاية السلطة التونسية حول تقدم وضع المرأة في تونس ترد شهادة الأستاذة الجامعية والمناضلة من أجل حقوق الإنسان الدكتورة خديجة الشريف تقول: " كنا نتوجه، السيدة هالة عبد الجواد وأنا،  إلى منزل السيدة سهام بن سدرين، الناطقة باسم المجلس الوطني من أجل الحريات، للقاء تجديد هيئة المتابعة في المجلس أول مارس. حين وصولنا إلى الشارع المؤدي للمنزل، توجه عدد من أعوان الشرطة بالثياب المدنية نحونا يطلبون منا الرجوع من حيث جئنا.  احتجينا على الطابع غير القانوني لهذا المنع فانهالوا علينا بالشتائم وكالوا التهم من نمط  "خونة الوطن.." صعدنا إلى السيارة في الشارع الذي يقع فيه اللقاء وحاولت أن أعود بالسيارة في الاتجاه المعاكس عندما توجه قرابة عشرة أعوان أمن نحوي كالكلاب المسعورة طالبين مني الرحيل وانهالت الأيدي علّي من نافذة السيارة المفتوحة ضربا على الرقبة والرأس والصدر وصفعات على الوجه بقيت آثارها لساعات بعد وقوع الاعتداء.

تحت تأثير الصدمة، لم يعد بإمكاني الحركة، وقد توقف محرك السيارة، وبقيت تحت رحمة هؤلاء الرعاع الذين استمروا في ضربي على الرأس والظهر مع ضرب وركل الطرف الأيسر للسيارة مع الاستمرار في كيل الشتائم والتهديدات والكلمات القذرة والألفاظ البذيئة التي يخصون بها النساء. كل هذا بحضور مسؤول البوليس في المدينة الذي هدد بردود أكبر. خلال دقائق، شعرت بها كالدهر، تحت رحمة هؤلاء، متيبسة في مكاني لا أفهم ما يجري من حولي. استعدت القليل من وعيي فأدرت محرك السيارة ورحلت. مهانة باللكمات والصفعات التي بقيت آثارها على وجهي.

مهانة بكيل المصطلحات الفحولية والبذيئة الموجهة لي دون أي سبب ومن طرف من يمثل النظام والأمن؛

مهانة باكتشاف قانون الغاب يحل محل دولة القانون في بلدي؛ مهانة باكتشاف هذا الانحراف الذي تعيشه سلطة هشة لم يعد عندها سوى العنف والقمع لحماية نفسها من مطلب المواطنة ".

ليست هذه الكلمات بحاجة إلى أي تعليق.

في مقدمته للكتاب، يقول هيثم مناع طارحا إشكالية الحقوقي والسياسي اليوم عبر المثل التونسي: لا يمكن وضع حد للاستبداد بالتوقف عند تشريح وفضح انتهاكات المستبد لحقوق الإنسان، وإن كانت هذه المهمة تشكل أحد الأعمدة الأساسية لوقف تدنيس الوعي الجماعي. ولكن هل يمكن للمنزل المجتمعي الوقوف على عضاضة واحدة؟ وهل يمكننا إغفال العلاقة الجدلية والحية بين الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان. بتعبير آخر هل هناك مكان للحياد في أية مواجهة بين الضحية والجلاد؟ وهل بالإمكان الوقوف على مسافة متساوية بين الديمقراطية والاستبداد؟

من هذه الأسئلة المركزية المطروحة على الحركة العربية لحقوق الإنسان يلاحقنا سؤال آخر: أليس هناك، وفي عدة دول عربية، فائض في التوجه نحو حقوق الإنسان وتراجع في التوجه نحو العمل السياسي المباشر؟".

إذا كان هذا هو الدافع الفكري، فماذا تقدم نخبة من الحقوقيين والسياسيين في تونس والمنفى للرد على سؤال ما العمل؟

يقول الدكتور منصف المرزوقي أول رئيس للجنة العربية لحقوق الإنسان والرئيس السابق للرابطة التونسية لحقوق الإنسان والمجلس الوطني من أجل الحريات: "إلا أن اخطر مظاهر انخرام العقد هو هذه المهازل الانتخابية التي تنظم  كل خمس سنوات منذ خمسين سنة سواء تعلق الأمر بالانتخابات الرئاسية أو التشريعية أو البلدية.

فهي من ألفها إلى يائها عملية إذلال للشعب والسخرية منه عبر  استشارة صورية يعرف الكل أنها تزيف إرادته وتطاول عليها  وأنها مفروضة عليه فرضا  ويشمل هذا الإذلال كل الأطراف التي تجبر على المشاركة في التمثيلية البدائية  وخاصة الإدارة والطبقة السياسية. وأصبح  عامة الناس يشعرون  بالمهانة لما يرونه من  استخفاف السلطة   بإرادتهم و يزداد غيظهم المكتوم عند التصريح بالنتائج التاسعة التسعينية التي تظهر مدى احتقار المسؤولين لذكائهم  وكرامتهم وهم أول من يعلم أن الشعب يعلم أن مثل هذه الأرقام السخيفة هي العلامة المسجلة لكل انتخاب مزيف.

 والمضحك في الأمر أن النظام الذي لا يقيم أدنى وزن لمفهوم العقد السياسي،  يسارع كل ما احتاج لتشريع  يوسع استبداده إلى  الدستور تغييرا وتلاعبا من دون استشارة الطرف الثاني أو بالأحرى بالكلام بدله واخذ القرارات باسمه متجاهلا رأيه الحقيقي. وهكذا أصبحت السلطة في واد تحكم دون  وفاق و تفويض والمجتمع في واد  يرفض ويعارض أو يستقيل غير راض بتاتا عن علاقة ليس فيها  سوى طرف واحد هو  كما يقول مثلنا الشعبي  "طير يغني وجناحه يرد علي".

ولم يعد هناك اختلاف في الداخل والخارج  أننا  دخلنا القرن الجديد والألفية الجديدة من أضيق الأبواب أي من باب الأزمة السياسية الأخلاقية المتواصلة والمستفحلة وغدا من باب الأزمة الاقتصادية التي طال التعتيم عليها  كما لا يختلف اثنان اليوم  حول ضرورة إصلاحات جذرية لتحديث وتأهيل كل مؤسساتنا ورفعها إلى مستوى التحدي الذي يفرضه وجودنا على مرمى حجر من  شعوب حرة وقوية  لم تؤهل فقط مؤسساتها العلمية والاقتصادية وإنما  مؤسساتها السياسية في البداية.".

وهو يكمل دراسته محددا معالم ما أسماه الجمهورية التونسية الديمقراطية.

أما القنبلة التي فجرها الشيخ راشد الغنوشي في الكتاب فهي قرار حركة النهضة بعدم ترشيح أعضاء لها في الفترة الانتخابية القادمة حرصا على عدم التلويح من جديد بالغول الإسلامي من قبل سلطة تفتقد في صراعاتها مع خصومها لأي بعد أخلاقي وفي موقف سياسي نادر من نوعه قائلا في الصفحة 73 من الكتاب: "إنه لئن كان من حق الإسلاميين المبدئي على قدم المساواة مع غيرهم التنافس على السلطة بوسائل ديمقراطية، فإنهم تقديرا منهم لجملة الظروف المحيطة ببلادنا ولمصلحة مشروع الديمقراطي-وهو مصلحة للجميع- من أجل انتزاع أداة من أدوات التخويف من التغيير(الخطر الأصولي)- طالما استخدمتها السلطة بخبث لإعاقة التغيير الديمقراطي- يعلنون  متطوعين أنه ليس من خططهم في المدى المنظور وضمن جملة الظروف الدولية والإقليمية والتجزيئية القائمة السعي لأي صورة من صور الاستحواذ والهيمنة لا على الحياة السياسية ولا على مؤسسات المجتمع المدني عبر أي طريق بما في ذلك صناديق الاقتراع.لأن من شأن ذلك أن يستدعي مجددا مناخات الحرب الباردة ويعيق حركة التغيير ويدعم تأبيد سلطة الفرد وهيمنة الدولة على المجتمع كما يعطي فرصة لمزيد من تذيل الداخل للخارج بحجة الاحتماء من الخطر المشترك.إن أقصى طموح معقول للحركة الإسلامية ضمن الظروف القائمة في المدى القريب والمتوسط لا يتجاوز المشاركة الرمزية وليست التنافسية كشريك ليس هو الأكبر حصة، فالسياسة عندنا في مثل أوضاع التجزئة والاختلال بين الدولة والمجتمع، بين الداخل والخارج التي تمر بها بلادنا وأمة العرب والمسلمين ليست أساسا في اتجاه الدولة بقدر ما هي في اتجاه المجتمع والأمة، لتحصينهما في مواجهة الاختراق الخارجي والاستبداد المحلي. وهذه سياسة رسمية للحركة اليوم التقت عليها مختلف توجهاتها خلال مؤتمرها الأخير، في عدم جدوى بل من ضرر طلبها للسلطة ضررا يلحق بها وبالبلاد أشد الأخطار".

في حين يحاول أحمد المناعي استقراء التيارات السياسية التونسية الكبرى وضرورة حصول مصالحة تاريخية مع الذات والمجتمع عبر تقييم صارم وهو يتحدث عن مسؤولية الفعل والتاريخ بالقول: وإضافة للصّعوبة المتأتّية من ندرة المعلومات، هناك صعوبة أخرى تتعلّق بتحديد الجهة المسؤولة عمّا حدث، حيث تقتضي الأمانة ألاّ نحمّل النّظام الحاكم مسؤوليّة كل الذي حدث. فكثير من الذي حدث ولا يزال يحدث هو من إنتاج ميراثنا الثّقافي، نشترك جميعا، أفرادا ومجتمعا ودولة في تحمّل مسؤوليّته. ولاشكّ في أن تعميم ممارسة التّعذيب والانتهاك الجماعي لحقوق الإنسان والمواطن والاعتداء على الحرمات وسلب الأموال والأملاك وخنق الحرّيات ومظالم أخرى كثيرة وصارخة هي مسؤوليّة الحاكم وحده. ولاشكّ أيضا أنّ التدمير المخطط والمنظّم لمؤسسات الدولة والانحراف بها عن وظائفها الطّبيعيّة وتسخيرها لخدمة مصالح شخصيّة وفئويّة وعلى حساب المصلحة العامة، كلّ ذلك من عمل النّظام وهو وحده يتحمّل مسئوليته".(صفحة 113).

توفيق بن بريك يذكر بأن أية ازدواجية في المعايير في الدفاع عن الحريات مكسب هائل للدكتاتورية معطيا مثل إضرابه الذي نال تغطية ودعما هائلا وإضراب المعتقلين السياسيين الإسلاميين عن الطعام في السجون التونسية الذي كان شبه الصمت عنه هزيمة للمنظمات الدولية لحقوق الإنسان. وهو يشّرح في صورة تشاؤمية مشكلات المعارضة التي استسهلت  النضال في معارك صغيرة تاركة الفضاء السياسي المركزي للسلطة.

الدكتور مصطفى بن جعفر رئيس التكتل الديمقراطي يقدم دراسة تحليلية ومنهجية يخلص بها للقول:" إن الخروج من أزمة شاملة يستدعي وضع مشروع بديل متكامل يطرح الأسس السليمة لنظام ديمقراطي تعددي ويفتح المجال لحوار وطني حول برنامج اقتصادي واجتماعي يستجيب لحاجيات المواطن ويحقق التنمية في أبعادها الشاملة. ولكن ذلك لا يكفي، فلا بد من خطة حازمة تضع حدا لتشتت المعارضات، وهو تشتت ناتج عن مناورات السلطة التي تراوح موقفها بين القمع والإغراء والاحتواء، وهو ناتج كذلك عن تسرع البعض في تحقيق أهداف تتطلب الصبر والمثابرة، أو عن غرور البعض الآخر عند تقييم قدراته ظانا أنه قادر بمفرده على كسب الرهان.

فلا بد ونحن قد بلغنا مرحلة خرج فيها المجتمع المدني من غيبوبته وحصل بين مكوناته شبه إجماع حول أولوية المطلب الديمقراطي، من الاتفاق حول:

- القطع مع نظام الحزب الواحد ورفض كل المناورات التي تهدف إلى التمديد في عمره واستمرار الديكور.

- الاقتناع بان التغيير الضروري يمر حتما عبر إخراج المجتمع بكل فصائله و تنوعاته من حالة الإقصاء إلى حالة الفعل، و اعتبار ذلك كقضية أساسية سامية تفوق المصالح الحزبية وتتجاوز طموح الأشخاص، بعيدا عن ثقافة الرجل المنقذ التي أودت بنا حيث نحن" (ص78).

أما الباحث نور الدين الختروشي فقد سعى جهده عدم الوقوع في خطاب التوفيق عبر ضرورة تعزيز خطاب نقدي لتجربة الماضي يسهم في تفادي أخطائها في المستقبل.

وبعد النجاح الذي حققته الفكرة ستتابع اللجنة العربية لحقوق الإنسان هذه السلسلة في الأقطار العربية.