المعتقل السياسي

الحلقة الأولى

ماجد حبو*

مقدمة لابد منها

لم يكن المعتقل السياسي استطالة عضوية للحياة السياسية في سورية كما كان عليه الحال في مطلع السبعينات ونهاية الثمانينات. علماً بأنه ارتبطت أسماء لمعتقلات بفترات هامة من تاريخ سورية الحديث مع بداية عهد الاستقلال وما سبقها بقليل أيام الانتداب الفرنسي مثل قلعة أرواد، سجن هنانو، سجن القلعة...الخ

ومع بداية عهد الاستقلال تعددت أشكال القمع السياسي من نفي، إقامة جبرية، حرمان من الحقوق السياسية بل والمدنية في بعض الأحيان. وصولاً إلى الحالة الأقصى ألا وهي المعتقل.

ولكن المعتقل بالعموم كان يشكل حالة استثنائية شاذة بالمعنى الزمني حيث كانت أطول فترة اعتقال سياسي هي فترة الوحدة السورية المصرية –حوالي السنتين وثمانية أشهر.

هكذا كان يأتي المعتقل حالة شلل لعناصر القوى الفاعلة على الأرض "الأحزاب السياسية" في لحظة الصراع الدائر، وليس حالة إلغاء كامل كما حدث وتم مع وصول "حافظ الأسد" الى رأس السلطة في سورية عبر انقلاب "أسود-أبيض" على التوالي حيث أعاد رسم ملامح الحياة السياسية في سورية وخلط الأوراق ليخلق واقع جديد بصم الحياة السياسية في سورية ببصمة ماتزال سارية المفعول حتى اللحظة. وإن اختلفت مؤخراً عبر سلطة "الابن" من حيث الكمية وليس النوعية.

توضيح في السياق

منذ اللحظة الأولى لوصول الأسد "الأب" (وهنا لإنتاج لاعادة التسمية فحديثنا يدور في مرحلة سلطة الأب وصولاً إلى الابن في مرحلة سيأتي تعريفها). إلى السلطة سعى جاهداً لاعادة ترتيب الأحزاب السياسية بما تمثله من واقع موضوعي هو بشكل أو بآخر انعكاس لواقع محدد وموصوف على الأرض "المجتمع".

إن الشرعية التي ابتدعها لنفسه هي "الحركة التصحيحية" طالت أولاً الحزب الحاكم "حزب البعث" امتدت لتشمل كل ما استطاعت يده أن تطالها من القوى السياسية الفاعلة في سورية: شيوعيين، ناصريين، قوميين...

من الجدير التنويه إليه بأن حافظ الأسد لم يكن شخصاً خارقاً أو ساحراً أو إلهاً حتى يستطيع أن يخرق كل هذه القوى السياسية والأحزاب ذات التاريخ السياسي والنضالي، ولكنه واقع موضوعي حملته الظروف مثلما حملت حافظ الأسد إلي السلطة كممثل أبرز للبرجوازية الصغيرة ذات التذبذبات والتطلعات الثورية حيناً والرجعية حيناً آخر، أي بمعنى أصح القوى الأكثر عجزاً عن حل المشكلات والمعضلات للواقع السياسي المعقد.

هكذا بدأ الفرز بين القوى الثورية والإصلاحية منها، داخل البيت الواحد كل على حدة. فالشيوعيون منهم من دخل "الجيهة الوطنية التقدمية" ومنهم من بقي في الخارج كذلك الحال بالنسبة للناصريين أو القوميون منهم.

هكذا مُهدت الأرضية السياسية أمام الأسد ما بين "مناصرين، معارضين" ولكنه في النهاية استطاع شق وحدة الصف لأغلب القوى السياسية التي كانت موجودة حين ذاك.

المخاض الأول

جاء الاختبار الأول لسلطة الأسد عبر "أحداث الدستور" عام 1972 والذي مثلته رأس حربة القوى الدينية "السنية"في حماه –والتي بقيت خارج مراهنة الأسد على استمالة بعض أطرافها- واستطاع الأسد الخروج من المحنة الأولى بضربة أمنية قمعية شرسة ناجحة وإن بقيت جمرتها تحت الرماد تخفي النار الكامنة.

وقتها لم يتأسس بعد لحالة المعتقل السياسي وإن كانت بدايتها قد بدأت مع "القيادة القديمة" وإن لم تتوضح معالمها بعد.

المخاض الثاني

كانت الأحداث اللبنانية "الحرب الأهلية" وما رافق ذلك من دخول الجيش السوري إلي لبنان لنجدة "أولاً" القوى اليمينية الانعزالية، وضرب المشروع الوطني الثوري للحركة الوطنية اللبنانية في مطلع عام 1976 وما رافق ذلك من انشقاقات لمواقف القوى السياسية في سورية ما بين مؤيد معلن "أو مضمر" أو معارض واضح صريح، ودوماً كان المعتقل هو الوسيلة الأوفر بل الأوحد في معالجة من لم يوافق.

كل هذه الأحداث بالإضافة إلي الأحداث السياسية اليومية لم يدفع بالمعتقل إلى الصدارة كما حدث وصار عليه الحال بعد ذلك، فلقد كان المعتقل كما سبق وأشرت حالة استثنائية شاذة زمنياً كما حدث عام 1977 إبان زيارة نيكسون الرئيس الأميركي إلي سورية، حيث تم توقيفي مع مجموعة كبيرة من اليساريين كإجراء أمني احترازي لم يستمر سوى لستة أيام مع "فركة إذن" كانت مألوفة في الحياة السياسية السورية آنذاك .

الانفجار

كما سبق الإشارة إليه بأن الأسد أبقى القوى الدينية خارج مراهناته السياسية بل الأنكى من ذلك سعى إلى تعزيز نفوذها "جزئياً، أوكلياً" لمواجهة ما كان يعتقد "صادقاً" بأن مقتله سيأتي عبر القوى السياسية ذات التوجهات اليسارية أو القومية منها.

وهكذا كان أن خرج من عباءته مارداً لم يحسب له الحساب الكافي ليزلزل الأرض تحت أقدامه عبر تنظيم -الاخوان المسلمين- بشقيه السياسي "والذي سعى الأسد إلى مغازلته في كثير من الأحيان وخصوصاً الفصيل الدمشقي"والعسكري منه والذي نشأ ونما "تحت الأرض" بعيداً عن أعين البصاصين والعسس.

ففي الوقت الذي كانت فيه جدران المعتقلات تحمل شعارات الماركسيين "الخارجين عن القانون" أو الناصريين "الراديكاليين" أو القوميين "العفنين-بعث العراق" كانت القوى الدينية عبر ممثلها الأبرز "الاخوان المسلمين" تستغل المساجد التي سعى الأسد إلى تكاثرها بشكل سرطاني محاولة منه لاسترضائها، بل حتى المدارس بعد انتهاء الدوام الرسمي إلى تنظيم نفسها وتعزيز إمكانياتها لتفجر ما يمكن وصفه بأبشع جريمة إنسانية منظمة بحق مجتمع ما بالتشارك مع السلطة –وإن دفعت ثمن ذلك فيما بعد من كوادرها وخيرة مناضليها-.

مجزرة

لقد كانت أحد أمسيات الشهر الخامس 1979 في مدينة حلب وبالتحديد في منطقة "الراموسة" والمكان "مدرسة المدفعية" هي البداية الفعلية لكل ماسبق وما سيتبع ذلك من أحداث رسمت خريطة الحياة السياسية في سورية وبالتحديد "المعتقل" موضوع حديثنا.

فمع الرصاصة الأولى من مسدسه الخاص "للنقيب ابراهيم اليوسف" باتجاه رأس "عريف دورة المتقدمين للطلاب الضباط" كانت البداية وما تبع ذلك من مجزرة يعجز الحديث عن وصفها حيث كان ضحيتها أكثر من 75 طالباً متقدماً "سنة ثالثة" في كلية مدرسة المدفعية للضباط.

هكذا دخل المعتقل الحياة السياسية في سورية مع تحول نوعي امتد من حالة التوقيف القسري بدون ضوابط أو قوانين ليشمل حالات التصفية والإعدامات التعسفية بدون أي محاكمات شكلية كانت أو فعلية.

حقل الإعدام

حتى هذه اللحظة ماتزال صرخات الطالب الضابط المتقدم "لم يتح لي معرفة اسمه لأسباب أمنية" تدوي في أذني عندما كنت اؤدي الخدمة الإلزامية في مدرسة المدفعية عندما اقتيدت كل الدورات والمتدربين إلى "حقل الرمي" لمشاهدة إعدام ذلك "الطـالب الضـابط" وذلك لسبب "وجيه جداً" بأن النقـيب ابراهيم اليـوسف – و الذي كان قائداً آنذاك "لدورة الطلاب المتقدمين" منحه إجازة لمدة ثلاثة أيام قبل تنفيذ المجزرة المشؤومة تلك، وبأن زوجة النقيب ابراهيم اليوسف تعرفت على صورة ذلك الطالب الضابط وبأنه كان قد زارهم في منزلهم ذات مرة.

هكذا اكتملت فصول المحاكمة لتمتزج صرخاته المدوية وهو يصرخ "بريء بريء" مع طلقات الرصاص التي اخترقت جسده الشاب، ثم لتأتي طلقة الرحمة من قائد فصيل الإعدام ليتطاير دماغه أمام عيني راسماً أبشع ما يمكن وصفه للمصير الإنساني.

ولاكتمال المهزلة تأتي الأحداث فارضة نفسها بعد أربع سنوات من تقاطع تحقيقات متشابكة واكتمال الملف الأمني ليتضح "آسفاً" بأن ذلك "الطالب الضابط" كان بريئاً ويعاد الاعتبار إليه وتنفى عنه التهمة التي وجهت إليه من محكمة عسكرية ميدانية شكلت خصيصاً من قائد مدرسة المدفعية آنذاك "العميد علي غانم" ورئيس فرع التدريب "العقيد أديب أكرم" ونائب رئيس المدرسة "العقيد محمد الخلف" وهكذا ارتاحت جثة ذلك البريء الممزقة بالرصاصات الحاقدة في مثواها الأخير.

ساحات الإعدام

اتسعت دائرة ساحات الإعدام بعد ذلك لتنتقل إلى غرف التعذيب ثم إلى الزنزانات بل أكثر من ذلك إلى صفوف المدارس الابتدائية التي تم صرف طلابها وحرمانهم من الدراسة بحجة الأوضاع الأمنية المتدهورة لتتحول إلى ساحات محاكمة ميدانية ما أنزل الله بها من سلطان، وفي الغرف المجاورة تتم عمليات الإعدام. بل إن أعرق المواقع الأثرية في حلب "قلعة حلب" تحولت إلى مقبرة جماعية لأجساد "مذنبين وأبرياء" طالتهم المحاكم الميدانية والتي كان يديرها "محمد نور الموالدي" والذي كوفأ بعد ذلك على أتعابه باحتلاله منصب محافظ حلب نفسها.

المحرق السياسي

لقد كان ذلك السيف مسلطاً على رقبة "الاخوان المسلمين" على نفس الدرجة التي طالت القوى السياسية الأخرى مع فارق كمي "يكاد لا يلحظ أحياناً".

فالخارطة السياسية وقتذاك كان محرقها الموقف من الأحداث الجارية "أي بمعنى الموقف من – الاخوان المسلمين- من جهة – والنظام "السلطة" من جهة أخرى".

وهكذا استفاد حافظ الأسد من ما زرعه عام 1972 من استحداثه "تفريخه" "للجبهة الوطنية التقدمية".

فالشيوعيون ومن كان منهم مؤمناً وعاد الى (ربه) "حافظ الأسد" يدخل الى جنته ويكون من عباده الصالحين "خالد بكداش" فلهم الأمان.

أما من تكبر وتجبر على نعمة (ربه) أي "المكتب السياسي –رياض الترك" فلهم عذاب أليم. فالمعتقل هو مثواه الأخير يمضي فيه خالداً مخلداً "15 سنة على أقل تقدير".

ولا تخلو سجلات الأجهزة الأمنية أو منظمات حقوق الإنسان من حالات اعدامات تمت تحت التعذيب الوحشي للشيوعيين "أبو نيروز، محمد عبود...".

كانت "جريمة المكتب السياسي" بأنهم اعتبروا – وذلك في بيان صدر في الشهر الثالث عام 1980 باسم التجمع الوطني الديمقراطي والذي ضم فيما ضم "الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي، حزب الاتحاد الاشتراكي العربي –جمال الأتاسي،حزب العمال الثوري، حزب الاشتراكيين العرب، حزب البعث لديمقراطي" بأن ما يحدث في سورية من تحرك شعبي .

وهكذا بدت من وجهة نظرهم بأن تحرك "الاخوان المسلمين" هو "تحرك شعبي" يجب ...الخ.

أمّا ما دعا نفسه باسم حزب العمل الشيوعي "حسب تعبير الدكتور هشام وفائي" ولهذا الأخير قصة تستحق السرد: ففي مطلع 1985 وبعد مرور حوالي ثلاث سنوات على اعتقالي بتهمة ذلك الحزب أياه، نقلت إلى "مشفى الرازي" بحلب والذي كان يرأسه الدكتور الوفائي –والذي تحولت إدارته إلى مكتب تابع للأجهزة الأمنية لاستكمال ماينقص من مستلزمات الموقف الأمني المتأزم- فكل حالات الموت والتي كانت تتم تحت التعذيب كان يتم استصدار تصاريح طبية كاملة الأهلية موقعة باسم الدكتور "وفائي" بأن حالة الوفاة تمت بصورة طبيعية "لانتهاء الأجل،أو لمشيئة الله" وكان أن كوفئ الدكتور المذكور بأن تم تعيينه بعد ذلك وزيراً للصحة "في الجمهورية العربية السورية".

وبالعودة إلى الحادثة التي تمت معي شخصياً حيث كنت أعاني من مرض "خاص بالمعتقلين السياسيين –الناسور-" استلزم عملاً جراحياً، ولما كان محظوراً علينا كمعتقلين سياسيين أن نخاطب أحداً،أو أن نعطي أسماءنا. فقد تقدم مني صبيحة أحد الأيام رجل أربعيني يحمل بيده "عصا" على طريقة "الحكماء" وتتبعه حاشية لا تقل عن الثلاثين شخصا،ً تقدم مني قائلاً:

- ما اسمك؟؟

نظرت إلى العنصر الأمني المرافق لي لاستجلاء الموقف، حيث إنني غير مصرح لي بالحديث مع أحد، ولما لم أحصل على النتيجة المرجوة اجتهدت بالاجابة اختصاراً للموقف..

- أنا سجين سياسي!

- سياسي!!؟ هاآ..من أي حزب أنت؟؟

نظرت ثانية إلى المرافق الأمني والذي بدا متشاغلاً بالنظر إلى حذائه.

- أنا شيوعي.

- بعرف أنت شيوعي. بس من أي حزب؟؟

- أنا من حزب العمل الشيوعي.

صرخ متعجباً وهو يلتفت حوله ليُشهد كل من معه على حماقتي وفداحة جرمي.

- لك شو يا!! صرتولي حزب هلأ ؟؟ما طول عمركن اسمكن رابطة العمل الشيوعي هلا صايرلي حزب يا، شو كل واحد بدو يعمل حزب بهالبلد ؟؟! فلتانة الشغله يعني؟؟!!

أدركت أنني أمام شخص لا يمكن إلا أن يكون على دراية أمنية وسياسية على مستوى غير عادي، ومما زاد من إدراكي هذا حالة القرف التي بدت واضحة على وجهي والتي على ما يبدو كانت واضحة للعيان لذلك بادرني قائلاً:

- لك شايف شلون نحنا هالبعثيين أحسن منكن. لك عم نعالجكن ونطببكن وأنتوا ما بتبين فيكن؟؟!!

فما كان مني إلا أن بادرته بالجواب قائلاً :

- الحق مو عليّ. الحق عالجلاد اللي كان عم يضربني، كان لازم يبعتني لعندك جثة حتى تطلعلي تصريح وفاة طبيعية وتريح راسك من كلامي الوقح.

هذا الموقف الطبي الإنساني للدكتور "وفائي" لم يكن محصوراً بشخصي "الكريم" بل امتد ليشمل الحالات الأكثر إنسانية من الرفاق، وما العمليات الجراحية التي أجريت للرفيق "فراس يونس" لزرع قطع لحمية كاملة أنتزعت من إليته لتسد الفراغات الهائلة لباطن قدميه، إلا دليل لا يحتاج إلى أية برهان على كفائة وإنسانية الدكتور المذكور أعلاه.

كل ذلك جاء نتيجة مباشرة "للغباء السياسي التاريخي-لحزب العمل الشيوعي" من اعتباره إن "الموقف السياسي المطلوب هو إيجاد البديل الثالث لما هو قائم –من نظام ديكتاتوري من جهة، ولحركة رجعية ممثلة بالاخوان المسلمين من جهة أخرى".

وقتها لم يعي هذا الحزب مثل الكثيرين غيره بأنه "وإن كان ذو نزوعات وطنية لأفراده فهو يخدم مصالح الامبريالية" كما جاء في تصريح خاص بالرفيق "دانيال نعمه" عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري –خالد بكداش- وقتها.

وهكذا كان أن ضمت جدران الزنزانات كل من حزب العمل الشيوعي، التجمع الوطني الديمقراطي، حزب البعث "الموالي للعراق، العدو "القديم-الجديد" بالاضافة طبعاً وأساساً لعناصر تنظيم الاخوان المسلمين والذين نجوا من طلقات الإعدام في المرحلة الأولى لتواجههم مراحل ومراحل، بالاضافة إلى كل من هب ودب "من الشعب السوري" ومنح نفسه دقيقة واحدة من السهو عن حالة الخوف التي احتلت فكره ووجدانه وصرّح بما يعتمل في داخله.

وقتها كانت النسبة المئوية للمعتقلين السياسيين في سورية متواضعة جداً، ففي الوقت الذي كان فيه عدد سكان سورية 14 مليون كان عدد المعتقلين السياسيين في السجون السورية عدا حالات التصفية والإعدام أكثر من 14 ألف معتقل سياسي –نسبة مئوية تكاد لا تذكر مقارنة بعمر الشعوب "واحد بالألف" ذلك في مطلع 1984 .

ولنا تكملة من داخل المعتقل.

   

     ماجد حبو  2001

ـــــــــــــــــــــــــــــ

*  صحفي سوري ( سجين سابق أمضى في السجن 14 عاماً ).