سعيد مقبل

ماذا عن مستقبل سورية؟

كان لخطاب القسم الذي ألقاه الرئيس بشار الأسد عند توليه السلطة في سورية أثره على كافة الشرائح والفعاليات السياسية والاجتماعية السورية، فكان نهجاً جديداً أوسع أفقاً، وعبّر عن رغبة حقيقية في التغيير والانتقال بسورية إلى دولة ديمقراطية حديثة، وفسحة أمل لكل مفكر ووطني راغب في تطوير بلده وكشف عيوب السلطات التنفيذية فيها، متفائلين بجو ديمقراطي يؤمن بالتعددية والرأي الآخر كمنطلق للحوار نحو بناء وطن قادر على دخول القرن الحادي والعشرين بقوة وثبات.

وانطلاقاً من فهمهم لهذا الخطاب قام مجموعة من المفكرين والشخصيات السورية بمبادرات لتشكيل منتديات ثقافية ومدنية في أنحاء البلاد، عبر اجتماعات شبه منتظمة تجري في بيوت خاصة، وبعد صدور بيان الـ 99 مثقفاً ثم بيان الألف مثقف للمطالبة بالإصلاح الديمقراطي في سورية، باشرت السلطات هجمة مضادة على هذه المنتديات. وفي تعميم صادر عن القيادة القومية لحزب البعث يحمل الرقم 1075 من سبع صفحات، يصف الحزب الحاكم الاتجاهات الإصلاحية في البلاد بأطراف "تريد إنهاء النظام السياسي وعودة سورية إلى مراحل الضعف والتوتر والصراعات والحقبة الاستعمارية"، وشن الحرب كذلك على الوثيقة الأساسية التي أصدرتها الهيئة التأسيسية لـ "لجان إحياء المجتمع المدني". مع هجوم آخر على المثقفين المنفيين في الخارج، ويعتبر التعميم "أن الحزب ـ أي حزب البعث ـ هو القوة الجماهيرية الأكثر تنظيماً وقائد الدولة والمجتمع وهو المبادر لاكتشاف آفاق التطور".

ومن ثم فرضت السلطات خمسة شروط لتنظيم ندوة هي: طلب ترخيص رسمي للمحافظ قبل خمسة عشر يوماً قبل تاريخ الندوة، الحصول على ترخيص باسم الشخص الذي سيلقي المحاضرة، قائمة بأسماء الأشخاص الذين سيحضرون هذه الندوة، تقديم موجز عن موضوع الندوة، تحديد المكان والزمان لانعقاد الندوة.

وفي تقرير وزعته اللجنة العربية لحقوق الإنسان عن الأوضاع في سورية أقرت بأنه "ليس من العدل وضع "الانتهاكات" على ذمة الرئيس الحالي حيث أنها ارتُكبت في حقبة لم يكن له فيها أي دور سياسي في البلاد"، إلا أنها طرحت في الوقت نفسه مجموعة من الأسئلة التي "لم تعرف لها جواباً" على حد تعبير التقرير، وهي: لماذا لم تسمح السلطات لجمعية حقوق إنسان مستقلة أو لمنتدى يدافع عن المجتمع المدني بالعمل دون تدخل في شؤونها؟ ولماذا لم تحترم السلطات السـياسية والأمنية حق الاختـلاف السياسي ولم تسمح للمعارضة بالحد الأدنى للتعبير عن الذات؟ ولماذا لم تسمح لوسائل الدفاع الديمقراطـية عن الأفراد والجماعات بالتـواجد والنمو؟

وأخذ التقرير على السـلطة السورية عدة مآخذ منها استمرار حالة الطوارئ وخضوع البلد للأحكام العرفية، وهيمنة المحـاكم الاستـثنائية، وغياب المحـاسبة، ومنع حرية التعبير، وطالب بالاعتراف الرسمي بشرعية كل المنظمات والمنتديات غير الحكومية للدفاع عن المجتمع المدني والحقوق الإنسانية والحريات الأساسية، وإعطاء هذه المنظمات الحق في رصد أوضاع حقوق الإنسان والانتهاكات الواقعة على الحريات العامة والديمقراطية في البلاد.

ومن جهتها، فإن السلطة والحزب لم يقفا عند هذا الحد، رغم منعهما انعقاد أي من هذه المنتديات والاجتماعات "وهي التي بيدها القوة لفرض مثل هذا المـنع"، بل تتابع الهجوم على المنتديات "المغلقة" وعلى الأفراد الذين يمثلون هذه المنتديات أو هذه التيارات، فنشرت صحيفة "المحرر العربي" التي تصدر في بيروت، وتوالي بشدة النظام السوري، وعلى مدى 4 صفحات، تقريراً عن "رياض سيف" أحد أصحاب هذه المنتديات واتهمته بالتهرب الضريبي وجمع الأموال والتعامل مع جهات أجنبية وتأييده للتطبيع في مرحلة سابقة، وأنه "برأي المحرر" يحاول أن يلبس الوطن قمصانه الخاصة. كما أفردت صفحتان أيضاً للتأكيد بأن ليس كل مثقف هو وطني بالضرورة، وأن أي وطني لا يختلف مع السلطة إلا بالتفاصيل، ولا يمكن لأي مثقف وطني أن يختلف معها بالقضايا المركزية الكبرى. كذلك تعود لتؤكد، مثلها كمثل وسائل الإعلام الرسمية، بأن المجتمع في سورية مدني، وأن سورية اختارت شكلاً خاصاً لتطبيق الديمقراطية الشعبية الاجتماعية المرتبطة بالمسؤولية، وأن على الجميع التمييز بين الديمقراطية والفوضى.

مما لاشك فيه أن القضية الأولى بالنسبة لكل السوريين هي قضية الأراضي العربية المحتلة، فلسطينية ولبنانية وسورية، وكلنا يرى كيف تضرب إسرائيل عرض الحائط بكل قرارات اللجان التابعة للأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة مستمرة في الاحتلال والاستيطان للأراضي العربية. وهذا أمر لا يمكن لأي وطني أن يتخلى عنه أو يساوم به. ويمكن أن يكون هذا هو الخط الأحمر الذي يفصل بين الوطني والـ "عميل"، أما أن يكون اختلاف الرأي والدعوة للنقاش والحوار هو المقياس للتمييز بين العميل والوطني، فهذا سؤال ينتظر أكثر من جواب.