سوريا و السلام

الوقت لم يتأخر .. والزمن لم يفت

صادق جلال العظم *

هل سوريا كسوريا؟ وليس كحكومة ونظام فقط، مستعدة للدخول في سلام مع إسرائيل في الوقت الحاضر؟ لا بد للإجابة عن هذا السؤال من أن تكون "نعمّا" حذرة ومشروطة .

لنبدأ بالتحول اللافت الذي شهده الخطاب الرسمي السوري بشأن إسرائيل والصراع العربي الإسرائيلي منذ انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر عام 1991، وهو التحول الذي حافظ على زخمه رغم كل العقبات والتطورات السلبية التي وقعت والتي كان من المرجّح والطبيعي أن تعطله في ظل ظروف من نوع آخر، وبلغ هذا التحول ذروته في عبارات الإطراء غير المسبوقة التي قالها الرئيس حافظ الأسد في مديح رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك في مايو 1999، وهي عبارات موجهة للنشر و التداول عربياً وعالمياً .

وقبل ذلك، كان الرئيس حافظ الأسد قد أعلن للعالم، خلال اجتماع القمة الذي عقده مع الرئيس كلينتون في جنيف في يناير 1994، أن سوريا اتخذت " قراراً استراتيجياً ثابتّاً " لصالح السلام مع إسرائيل ولصالح إقامة علاقات طبيعية وسلمية مع العدو السابق. وفي أغسطس عام 1997، كرر الأسد التأكيدات ذاتها بينما كان يلقي كلمة أمام وفد من عرب إسرائيل دعتهم دمشق في أول محاولة للوصول إلى شريحة متعاطفة من الجمهور الإسرائيلي.

وعلى مستوى آخر، كان وزير خارجية سوريا السيد فاروق الشرع قد خرق العديد من المحرمات السياسية السورية الشديدة في خريف 1994 بقبوله أسئلة من صحفيين إسرائيليين في مؤتمرات صحفية في لندن وواشنطن، ومن ثم بالموافقة على مقابلة زعماء يهود صهيونيين بارزين في العاصمة الأميركية، بل إنه أدلى بحديث مطوّل لبرنامج إخباري كبير في التلفزيون الإسرائيلي أذيع في 7 أكتوبر 1994.

ولم تقتصر هذه التغييرات الجلية على البيانات الرسمية الصادرة عن كبار المسؤولين، والبيانات الرسمية الحكومية، والنشرات الصحفية، ولكنها امتدت بقدر مماثل من الشمول إلى الإعلام السوري، وهو مملوك بالكامل للحكومة ويخضع لسيطرتها المحكمة، وكان للأمر مغزاه في الداخل عندما تحولت أجهزة الإعلام السورية فجأة عن خطابها التقليدي البليد و المتيبس والمسبق الصنع (إلى حدود السوريالية في بعض الأحيان) باتجاه الحديث بصورة روتينية وعادية عن إسرائيل والزعماء والمسؤولين الإسرائيليين وغيرهم وتسميتهم بأسمائهم الحقيقية وألقابهم الرسمية ووظائفهم ومناصبهم الفعلية بدلاً من الاستمرار في استخدام الأوصاف المكرورة إلى حد الابتذال – ولكنها الأنيقة في عرف البلاغة العربية – من نوع "ذلك المدعو رئيس وزراء الكيان الصهيوني".

ولنفكر ثانياً في الجدل الكبير الذي دار داخل المجتمع السوري، منذ مؤتمر مدريد، بشأن إسرائيل و"عملية السلام" وطبيعة علاقاتنا المستقبلية بهذا الجار الجديد، إلى جانب المخاوف ومشاعر القلق والإحاطات والاخفاقات والآمال التي يثيرها الاتفاق المقبل مع العدو القديم، وهو الاتفاق الذي بدا وقتها أنه آت لا محالة.

وهنا لابد من كلمة تحذير من سوء فهم محتمل، فهذه المناقشات المكثفة ليست مناقشات عامة مفتوحة تبثها الإذاعة و التلفزيون، أو تتم من حلال الصحف والمجلات والكتيبات وغيرها، ولكنها عملية تبادل للآراء، مشحونة وشاملة، وسيلتها الرئيسية هي طرق التوصل الشفاهي القديمة، عبر نقاشات بين أناس على مرمى السمع من بعضهم البعض، هذا هو مصنع شائعات دمشق وصحافة الشعب الحرة في الوقت ذاته.

عبر سلسلة من الحلقات العفوية والخاصة والمتداخلة، يناقش الدمشقيون أمور العالم كبيرها وصغيرها، الإقليمي والعالمي، ويعيدون مناقشاتها، ويتحدثون عنها ويعيدون الحديث، ويسخرون منها ويعيدون السخرية، ومن خلال هذه الشبكات الشخصية التلقائية شديدة الفاعلية والنشطة دائماً والقائمة على التواصل وجهاً لوجه ينشأ شيء ما أسمه رأي عام غير رسمي ويتبلور بشأن القضايا الراهنة والأمور الطارئة ومشاكل الساعة كلها، والنتيجة هي وجود رأي عام تضعه مراكز السلطة في اعتبارها دون أن تعترف بذلك صراحة.

على سبيل المثال، أن أحد أسباب حرص الدمشقيين على الإكثار من زيارة بعضهم للبعض الآخر هو المتابعة والاضطلاع وتسقط آخر الأخبار والبقاء على علم بما يجري من أمور، ولهذا السبب كذلك فإن "الدردشة" في مدينة مثل دمشق ليست مجرد لغو كما أن الأسرار لا تبقى أسراراً لأية فترة من الزمن. عندما قام بعض الدمشقيين المتمرسين بمراجعة المعلومات التي استقوها من "مصنع الشائعات" الدمشقي هذا على مذكرات هنري كسنجر بشأن مفاوضاته مع الرئيس الأسد بعد حرب أكتوبر 1973، كانوا فخورين ومندهشين لدقة المعلومات التي كانت بحوزتهم وقتها بشأن مفاوضات سرية للغاية كانت تجري وراء الأبواب المغلقة.

والأمر اللافت للانتباه بصورة خاصة هو أن النقاشات الواسعة الجارية في المجتمع السوري منذ مؤتمر مدريد أخذت تتعامل مع إسرائيل على أنها أمر واقع ومسلّم به، وأن السلام معها آت بلا ريب، أما محتوى تلك النقاشات فكان يدور عادة حول قضايا ومسائل من النوع التالي :

هل سوريا مستعدة بالفعل لما سيأتي من صراعات ومنافسات ومعاملات مع إسرائيل ؟ في ضوء تفوق إسرائيل الاقتصادي وما لديها من تكنولوجية فائقة، وتقنيات تخطيط متقدمة،ومهارات إدارية من الطراز العالمي، ألن تسيطر بسرعة على المنطقة وتجعل من نفسها دولة من دول المركز تدور في فلكها أطراف عربية أقل تطوراً بكثير؟ وما هو الأثر الذي سيتركه السلام على الحياة الاقتصادية السورية وعلى ترتيباتها السياسية الداخلية ووضعها العسكري وعلى "أوراق اعتمادها" القومية العربية الخ؟ كيف ستتفاعل التسوية السورية المزمعة مع إسرائيل مع مد العولمة الجائف، والنظام الشرق أوسطية الناشئ حديثاً، والشراكة مع دول الجانب الآخر من البحر المتوسط كما تحددها اتفاقيات برشلونة والتزاماتها، ما هي أكثر الإصلاحات إلحاحا التي يجب على سوريا القيام بها الآن كي تشعر أنها قريبة إلى حد ما من حالة الاستعداد لمرحلة ما بعد السلام ؟

من الطبيعي أن تحظى هذه الأسئلة والقضايا بقدر كبير من اهتمام الأوساط التجارية بصورة عامة، وهي الأوساط التي تشكل العمود الفقري للمجتمع المدني السوري، ومن اهتمام الشخصيات البارزة في غرف التجارة والزراعة والصناعة. والرأي الذي يسود تلك الأوساط في الوقت الراهن هو أن سوريا غير مستعدة بالقطع للتحديات التي يفرضها السلام المرتقب بسبب اقتصادها المكبّل، وغياب أي نظام مصرفي جدي فيها بالإضافة إلى التجارة المقيدة تقييداً شديداً والنشاط الصناعي المكبوت. وتتجلى إمارات هذه القيود في تلك الملامح المحلية المتمثلة في قانون الطوارئ، والقطاع العام السائب والمهترئ الذي تشرف عليه إدارة متخلفة، بالإضافة إلى متاهة قيود الدولة التي لا آخر لها، والمعوقات البيروقراطية واللوائح الغريبة العجيبة والنظم التعسفية.

وبناء على ذلك يسود تلك الدوائر مزاج يختلط فيه الخوف و التوجس بالانتهازية والجرأة، ومن المؤكد أن البعض بينهم يقول أنه ما إن يتحرر التجار ورجال الأعمال في سوريا – الذين يتباهون بأنهم يعملون في التجارة منذ آلاف السنين – من تلك القيود المصطنعة، سوف يثبتون للعالم أنهم أهل لمواجهة التحديات المرتقبة على كل الأصعدة، وسوف يبينون للإسرائيليين، على وجه الخصوص، أنهم أنداد لهم، إن لم يتفوقوا عليهم. وسوريا هذه التي يتم إحياؤها اقتصادياً – كما يقولون – سوف تنطلق انطلاقة سريعة إلى الأمام، وسوف تكون قادرة على الصمود أمام إسرائيل المتفوقة حالياً، وسوف تواجه تهديداتها وتحدياتها بما يكفي ويزيد عن طريق وسائل غير تلك التي جربت حتى الآن ولم تحرز أي نجاح ملحوظ.

ويرى رأي آخر أن إسرائيل على أية حال قد لا تكون مهتمة اقتصادياً بالأقطار العربية بخاصة عندما تضع في اعتبارها أن اقتصادها، بما فيه من أساليب إنتاج وسلع وخدمات وغيرها، يتوافق بالكامل مع أكثر الاقتصاديات تقدماً في العالم. أما الذين لا يحملون هذه المقولة على محمل الجد فإنهم يشيرون إلى أن الرأسمالية الإسرائيلية على قدر كاف من الحركية والقدرة على التكيف وسيكون من الحماقة ألا يتوقع العرب شريكاً اقتصادياً جديداً يتولى تصنيع تلك المنتجات وينشئ تلك المشروعات التي سوف تخلق له أسواقاً تعود عليه بالربح في العالم العربي. وما يقوم عليه هذا الموقف الأخير ليس الخوف كثيراً من إسرائيل قوية في زمن السلم، بينما جيرانها ضعاف، بقدر ما هو الخوف من ظهور دولة مركزية ديناميكية في المنطقة تستعرض عضلاتها الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية (في ظل الحماية الأمريكية) لإعادة هيكلة الشرق الأوسط العربي بما يتماشى مع مصالحها الحيوية بعيدة المدى.

إضافة إلى هذه المسائل تناقش الانتلجنسيا قضايا أكبر تتعلق بمواضع ضعف إسرائيل على المدى البعيد ونقاطها المكشوفة بحكم طبيعة بنيتها واحتمالات تطورها المستقبلية بمواجهة العالم العربي عموماً والفلسطينيين بصورة خاصة. وفيما يلي أمثلة عن نوع القضايا الكبيرة التي تناقشها الانتلجنسيا المذكورة :

1-             رغم امتلاك إسرائيل القنبلة الذرية، ورغم تفوقها العسكري الذي لا خلاف عليه، ورغم الدعم والحماية الأمريكيين القويين، بدت إسرائيل أثناء حرب الخليج مرعوبة بسبب أربعين صاروخاً سكود عراقياً مصوبة تصويباً رديئاً مما خلق ما يشبه حالة الذعر بين صفوف شعب أعد إعدادا جيداً من الناحية العسكرية ودرب على مواجهة الصعاب. ولم يفت مثقفو دمشق أن يقارنوا هذا الوضع المثير للاهتمام بحقيقة أنه لم ترد أو تسجل أية حالات ذعر أو هلع من أي نوع في بيروت الغربية خلال الحصار الإسرائيلي للمدينة الذي دام ثلاثة أشهر في صيف 1982، هذا بالرغم من القصف الإسرائيلي المطول والدقيق والمنسق بعناية فائقة للعاصمة اللبنانية من الجو والبر والبحر في الوقت ذاته، وبالرغم من عدم توافر أية مساعدات لأهل بيروت الغربية من أي طرف، باستثناء الاعتماد على مهارتهم الخاصة وغريزة البقاء، في مقابل الملاجئ والغرف محكمة الإغلاق والمؤن الضرورية والإسعافات الأولية والخدمات الطبية الممتازة وغيرها مما كان متاحاً للإسرائيليين أثناء حرب الخليج. سأل أحد الأصدقاء بتهكم عن الإسرائيليين الذين أخافتهم صواريخ سكود :"هل هم بلد أم مستوطنة؟" وفي لحظة تالية لم يغب عن بال هذا الصديق أنه عند اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحاق رابين رد الفعل الأولى لزوجته، السيدة لياه رابين، هو اعلانها أنها ستحزم أمتعتها وترحل، وهو رد الفعل الذي اعتذرت عنه بشدة في وقت لاحق للجمهور الإسرائيلي.

2-             في ظل روح إسرائيل الريادية ورغبتها الشديدة في الحصول على المزيد من الأرض، والمزيد من الاستيطان، والمزيد من المياه، والمزيد من الموارد، هل ستكون لدينا على المدى البعيد صيغة للسلام أم لمائة عام أخرى من أشكال غير محددة من النزاع والصراع و العنف ؟.

3-             بغض النظر عن عدد معاهدات السلام التي يوقعها العرب مع إسرائيل، ومهما كانت الاتفاقات التي يتوصلون إليها معها، ومهما كان عدد التأكيدات والضمانات التي يقدمونها لها، هل أي من هذا كله قادر بالفعل على تخفيف قلق إسرائيل الوجودي بشأن مكانها ومستقبلها وهويتها في منطقة عربية، أو على تهدئة هذا القلق أو تبديده،وهو القلق الوجودي الذي عقّده تراث طويل من الاضطهاد الشديد، والسيطرة الإسرائيلية الحالية على المنطقة والتلاعب بمصائرها كما في الكلبية المفرطة واللا مبالاة الصارخة اللتين تتعامل إسرائيل بهما مع ياسر عرفات والفلسطينيين، حتى بعد مصالحة أوسلو المفترضة ؟.

4-             تحت السطح، ما هو وضع توازن القوى "التاريخي" بين إسرائيل والعرب في الوقت الحاضر؟ يتسائل مثقفو دمشق أليس من الجدير بالاعتبار أنه في الوقت الذي انتصرت فيه إسرائيل في حرب يونيو 1967 انتصاراً ساحقاً خلال ستة أيام، فقد هزت حرب أكتوبر 1973 البلد من أساسه؟ وبعد ذلك، انتهى غزو إسرائيل للبنان سنة 1982 واحتلالها القصير لبيروت بكارثة مهولة بالنسبة للغازي على كل الجهات، حتى في أعين الإسرائيليين أنفسهم، ولم يمر وقت طويل حتى بينت الانتفاضة الفلسطينية في نهاية الأمر ولكل من يهمه الأمر استحالة بقاء الأمر الواقع الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة على حاله.

ومرة أخرى فإن عملية عناقيد الغضب، التي أمر بها رئيس الوزراء شمعون بيريز سنة 1996 ضد حزب الله في جنوب لبنان، لم تفشل وحسب في ترجمة التفوق الإسرائيلي الكاسح إلى عملية عسكرية تأديبية سريعة ومؤثرة وفعالة على الأرض، ولكنها ارتدت على إسرائيل نفسها مما أدى إلى (أ) ما يعرف الآن باسم مذبحة قانا، حيث قتل مائة مدني (معظمهم من نساء القرى وأطفالها) أثناء القصف الإسرائيلي عند لجوئهم عند منشأة قريبة تابعة للأمم المتحدة، (ب) إرباك عالمي شديد لإسرائيل بسبب هذه الكارثة وإدانات عربية وإسلامية صاخبة لها، (ج) وقف لإطلاق النار جرى ترتيبه على عجل مما أزعج الجيش الإسرائيلي، (د) إسقاط الناخبين الإسرائيليين لبيريز وحزب العمل من السلطة بعد أسابيع قليلة، (هـ) قيام إسرائيل في آخر الأمر بإقناع نفسها بحكمة الانسحاب من جانب واحد من جنوب لبنان وبأسرع وقت ممكن. ومع أن منحى هذا الخط البياني لا يشي بأي تحول نوعي في ميزان القوى القائم بين العرب وإسرائيل فإنه يثير تساؤلات جدية، أولاً حول مقدرة الجبروت الإسرائيلي العاري على إبقاء كل ما تريد إسرائيل إبقائه في المنطقة على حاله وعلى فرض كل ما تريد فرضه عليها،وثانياً حول احتمال أن تكون إسرائيل قد وصلت إلى الحدود الخارجية القصوى لطاقتها الداخلية في مواجهة عالم عربي مهزوم يحيط بها، ولكنه عالم عربي مازال يتمرد ويتحدى.

5-             بالجولان أو بدون الجولان، تظل القنبلة الموقوتة الضخمة التي تهدد كل العلاقات المستقبلية والتسويات والاتفاقيات مع الجارة الجديدة هي الفلسطينيون أنفسهم، وخاصة "عرب إسرائيل" بغض النظر عن كونهم "مواطنين إسرائيليين" أو بصفتهم ينتمون إلى دولة فلسطينية ذات سيادة اسمية. وفي هذا الخصوص، هناك شبه إجماع في أوساط الانتلجنسية في دمشق بشأن النقطتين التاليتين:(أ) لن تؤدي "قضايا الوضع النهائي" التي سيتم التفاوض عليها مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، - مثل القدس والمستوطنات واللاجئين – في واقع الأمر إلى أي نتيجة ترضي الشعب الفلسطيني، لأن إسرائيل لن تقدم إلا الأقل من القليل بشأن هذه المسائل. وأفضل ما يمكن لعرفات أن يأمل به هو تنفيذ اتفاقية واي ريفر التي أعيد الاتفاق بشأنها وأبرمت في أكتوبر عام 1998، لا أكثر. (ب) لن تؤدي ترتيبات أوسلو على الأرض، مقرونة بسياسات إسرائيل الاستيطانية إلا إلى فلسطين تتكون من عدد من الجيوب التي تحيط بها قوات الأمن الإسرائيلية وتخضع لنظام من الفصل العنصري غير الرسمي (أبرتيد)، وفي ظل مثل هذه الظروف سوف يتمتع الإسرائيليون بالديمقراطية، بينما سيكون على الفلسطينيين أن يصارعوا نظام الأبارتيد هذا ويكافحوا ضده. وهكذا فإنه عندما قال لي شاعر ومثقف فلسطيني كبير منذ فترة ليست بالبعيدة: لو يعطينا الإسرائيليون حق المواطنة، فإننا سنقبل بأن نكون "السود عندهم"، كانت تلمع في ذهنه وقتها صور من مسرحية جان جينيه "الزنوج" (Les Negres ) ودراسة فرانتز فانون "جلد أسود وأقنعة بيضاء" (Peau noire , Masques blancs ) حيث يقلب فيهما السود الوضع رأس على عقب في نهاية الأمر. ولذلك ليس مستغرباً أن تبدو مناقشات المثقفين في دمشق في هذه الأيام زاخرة بالتشبيهات والاستعارات المستمدة من التجربة الجنوب أفريقية قديمها وحديثها.

(2)

لاشك أنه في سوريا رافضون بعمق لوجود إسرائيل مع أنهم يشكلون أقلية في الوقت الحاضر، على ما يبدو لي. لكن موقفهم يحظى بتعاطف عميق، وفي ظل الظروف المواتية قد يعودون للظهور بقوة من جديد ويلمسون وتراً حساساً من أوتار الرأي العام ويتحولون إلى قوة حاسمة مجدداً في الحياة السياسية والثقافية السورية. ويبرز بين هؤلاء التيارات الإسلامية في المجتمع المدني التي تتجمع في الوقت الراهن حول نسخة إسلامية من عقيدة الأرض الموعودة وتقول هذه العقيدة بأن فلسطين وقف على الأمة الإسلامية. بعبـارة أخرى، إن فلسطـين، وفقاً لهذا المنطق، وقف حبسه الله  للأمة الإسلامية، وهي كشأن كل الأوقاف لا يمكن لكائن من كان التنازل عنها أو العبث بها أو تبديدها، سواء أكان هذا فرداً أم حكومة أم جيلاً.

أما النمط الآخر من الرافضين بعمق فهم القوميون المتشددون الذين يتجمعون حول نسخة مخفّفة وعلمانية من عقيدة الوقف. فهم يقولون أن فلسطين لا تخص جيلنا وحدها – أو أي جيل عربي مهما كان – بل تخص الأمة العربية أو الأمة السورية أو كليهما، وتخص كل أجيالها السابقة والحالية والقادمة لذا لا يجوز أن نقر بشرعية اغتصابها، بل يكفي الاعتراف به كأمر واقع فقط. ويعني هذا أن أفضل مسار للعمل حالياً هو الإبقاء على الصراع مع إسرائيل مشرعاً على المستقبل واحتمالاته العديدة والمفتوحة مما سيضمن للأجيال الجديدة التي لم ترى النور بعد فرصة استمرار الكفاح العادل ضد الغاصب، مع بقاء الأمل بتحسن ميزان القوى على المستويين المحلي و الدولي في الصالح العربي. وتفط على السطح نسخة من هذا الموقف في القمة السورية الأمريكية في جنيف مارس 1999. فعندما حاول الرئيس كلينتون إعطاء الرئيس الأسد انطباعاً بأن فسحة السلام تضيق، "رد الرئيس السوري بالإشارة إلى استعداد سوريا للانتظار وحتى تستعيد الأجيال القادمة كامل الأرض".

لنذكر كذلك أنه، إلى جانب الخطاب الحكومي الرسمي ومناقشات الجلسات الخاصة في المجتمع السوري عاشت البلاد فترة رخاء نسبية بين افتتاح مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991 وانتخاب بنيامين نتنياهو رئيساً لوزراء إسرائيل في مايو 1996، فعلى سبيل المثال (أ) كانت سوريا الدولة الوحيدة التي خرجت دون أن ينالها أي أذى من أزمة وحرب الخليج بفضل الطريقة الماهرة وبعيدة النظر التي تعامل بها الرئيس حافظ الأسد مع ذلك الوضع الخطير. (ب) جنت البلاد فوائد مادية ملموسة في أعقاب الحرب، بل ونعمت بانتعاش اقتصادي بصورة أو أخرى. (ج) كان الأمريكيون يخاطبون ود الرئيس الأسد باستمرار، في الوقت الذي كان يعاد فيه تشكيل العلاقات الأمريكية السورية وصارت العلاقات مع الاتحاد الأوروبي أوثق من أي وقت مضى. (د) وبينما كانت المفاوضات السورية الإسرائيلية في واشنطن وميريلاند تسير قدماً وإن كان ببطء، شعرت سوريا بمقدار لا بأس به من الارتياح و الثقة بالنفس، وبدا للمتابعين في دمشق وكأن إسرائيل باتت تدرك أن التوصل إلى اتفاق سلام مع سوريا واثقة من نفسها ومطمئنة نسبياً سوف يكون في مصلحتها تماماً ..

أثناء هذه المرحلة أعلن الرئيـس الأسد للعالم سنة 1993 صيغته الخاصة بـ "السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل" من أجل التوصل إلى حل نهائي للصراع مع إسرائيل. تم إعلان هذا الموقف عبر مقابلة أجراها معه الصحافي البريطاني وخبير الشؤون السورية باتريك سيل والتي نشرت بالكامل في مجلة " الوسط " الصادرة في لندن في 10 مايو 1993، وعلى هيئة مقالة افتتاحية مطولة كتبها سيل نفسه في صحيفة " النيورك تايمز " في 11 مايو لعام 1993. وكان واضحاً للجميع في دمشق أن الرئيس الأسد كان يقصد من خلال هذه المقابلة،أول ما يقصده، أن يوصل إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور شيئاً عن المناقشات والمساومات والعروض والعروض المضادة التي كانت تتم في المفاوضات الجارية وراء الأبواب المغلقة في واشنطن، وإن الأمر الثاني الذي قصده هو دفع الصيغة التي كان قد اقترحها رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين إلى حدودها القصوى،وهي الصيغة القائلة بأن عمق الانسحاب الإسرائيلي في الجولان سيتناسب طردياً مع عمق السلام الذي تعرضه سورية على إسرائيل مما أدخل للمرة الأولى احتمال الانسحاب الكامل من الجولان ضمن نقاط ما هو قابل للتفاوض.

جاء رد الفعل الإسرائيلي بعد أسبوعين على هيئة مقالة افتتاحية " في النيورك تايمز" في 19 مايو 1993 كتبها ايتامار رابينوفيتش الذي كان وقتها سفيراً لإسرائيل في واشنطن ورئيس الوفد المفاوض مع سوريا.

رحب رابينوفيتش بمقابلة الأسد باعتبارها "واحدة من أهمم التطورات في دورة محادثات السلام العربية –الإسرائيلية- التي انتهت يوم الخميس الماضي "وعلى أنها " العمل الأكثر تأثيراً حتى الآن من أعمال الدبلوماسية العلنية التي قام بها الرئيس السوري في سياق محادثات السلام مع –إسرائيل- " مع ذلك لم يؤيد رابينوفيتش صيغة "السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل"، كما أنه تحدث عن "احتمال تحقيق إنجاز كبير في هذه المفاوضات خلال الشهور المقبلة" وعن "الخطر الذي مازال قائماً بوصولها إلى مأزق".

لم يفت الأوساط العليمة سياسياً في دمشق ملاحظة أن وصفة "السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل" ابتعدت للمرة الأولى عن الموقف السوري الذي تكرر مراراً بشأن "إقامة السلام الشامل والدائم في المنطقة"، ففي حين يعني "السلام العادل والدائم" إعادة كل الأراضي العربية التي تحتلها إسرائيل وتسوية كل القضايا العالقة معها (بما في ذلك القدس والحقوق القومية الفلسطينية واللاجئون وغيرها)، فإن صيغة "السلام مقابل الانسحاب الكامل" تنطبق على مرتفعات الجولان وجنوب لبنان فقط.

ونحن نعرف الآن أنه في مرحلة معينة من مراحل المفاوضات السورية الإسرائيلية حلت صيغة "السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل" في واقع الأمر محل سائر الصيغ الأخرى، بما فيها وصفة "السلام الشامل والعادل والدائم". وكان يمكن في هذا التحول ما يعرف في مصطلح وزارة الخارجية الأميـركية بـ "الغموض البناء"، ذلك أن "السلام الشامل" يميل إلى ربط المحادثات السورية الإسرائيلية بمسارات التفاوض الفلسطينية والعربية الأخرى، بينما تميل صيغة " السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل" إلى قطع مثل هذه الروابط لمصلحة تسوية منفصلة "تقف على قدميها" كما يقول الإسرائيليون.

وأظهر هذا "الغموض البنّاء"، والذي لم يستمر طويلاً، الرئيس الأسد وهو يحاول حتى آخر دقيقة الحفاظ على البقية الباقية من التماسك والتنسيق العملي بين مسارات التفاوض العربية مع إسرائيل، في الوقت الذي كان يقدم فيه عرضاً لسلام تعاقدي مقابل استرجاع مرتفعات الجولان بالكامل، لكن الكشف في صيف 1993 عن اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية قضى على هذا الغموض المفيد،كما جعلته اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية التي تلت ذلك غير ذي شأن بالمرة، فلم يعد جيران سوريا أنفسهم يسعون إلى "السلام الشامل " مع إسرائيل.

في تلك الفترة على وجه التقريب، ثار جدل عام صاخب وواسع المدى في سوريا بشأن مدلول "السلام الكامل مع إسرائيل " ومضامينه وتطبيقاته بالنسبة مع المجتمع السوري نفسه، ويعرف هذا حالياً بمناقشات "التطبيع"، أي تطبيع العلاقات مع العدو السابق، ولم يكن النظام وراء هذا الجدل ولم يرعه ولم يتحكم فيه، بل أن السلطات تتبعته بحرص لتتأكد من أنه لا يهاجم فكرة "السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل" أو يقوضها. ولم تكن الصحافة والتلفزيون السوريان أدوات هذا الجدل الرئيسية، وإن استخدمها المساهمون في النقاش والمتنازعون حوله استخدامً واسعاً، كذلك تم استخدام العديد من المطبوعات الفلسطينية التي تظهر في سورية ولبنان، والصحافة اللبنانية الأكثر حرية، والكثير من صحف الخليج ومجلاته ومحطات التلفزيون فيه، بالإضافة إلى الصـحـافة العـربيـة في لندن وباريس، وانضمت الصحافة المصرية إلى الجدل كذلك وخاصة صحف المعارضة.

كان واضحاً لكل المشاركين في النقاش أن صيغة "السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل" فصلت المفاوضات السورية عن مصير عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية والضفة الغربية والفلسطينيين بوجه عام، وإن لم يكن لسورية ذنب في ذلك، واستوعب الناس في دمشق هذه الرسالة بأسى وليس بغضب، وهو أسى على تبخر آخر التضامن والتعـاون العربيين في المفاوضات مـع إسرائيل، إضافة إلى ضمير مستريح بأن سورية لم تكن هي التي شقت الصف مع شريكاتها العربيات.

ركز جدل التطبيع تركيزاً قوياً ونقدياً وانفعالياً على قضايا من قبيل: ماذا يعني السلام الكامل مع إسرائيل غير الاتفاقات والمعاهدات والبروتوكولات بين الحكومات؟ ما الذي ينطوي عليه تطبيع العلاقات مع إسرائيل بالنسبة للمجتمع السوري؟ هل نحن، كسوريين مع كل مناحي الحياة، نريد هذا التطـبـيع للعلاقات، بغض النظر عما يفعله حكامنا في القمة وعلى المستوى الرسمي؟ وإذا رفضنا هذا التطبيع، كيف تتسنى لنا معارضته؟ كيف تتسنى لنا مقاومة محاولات حكامنا لفرضه علينا؟

كانت هناك جهود عديدة لتشكيل لجان عمل وجبهات متحدة من أجل هدف واحد هو معارضة تطبيع العلاقات مع إسرائيل على المستويات الشخصية والاجتماعية والتجارية والثقافية والسياحية والعلمية، وكان النقاش برمته يدار استناداً إلى إفتراضين هما أن معاهدة السلام مع إسرائيل باتت مسألة لا مفر منها (وعاجلاً وليس آجلاً) وأنه من الأفضل للمجتمع السوري أن يفكر جيداً بشأن الطرق المناسبة التي يمكن أن يتعامل بها مع مضامين المعاهدة ونتائجها بالنسبة للبلاد. إذا وضعنا هذا كله في اعتبارنا فإن المزاج العام الذي ساد النقاش كان يقول: إن ما تفعله حكومتنا مع إسرائيل هو شأنها الرسمي والسياسي، أما بالنسبة لنا كأشخاص ومواطنين عاديين فعلينا مقاومة التطبيع بأي طريقة نستطيعها وأينما وحيثما مسّ التطبيع حياتنا، مع ذلك كان هناك الكثير من المواقف وظلال الرأي التي تم التعبير عنها بشأن هذا الأمر، إضافة إلى بعض الآراء المنشقة التي عبرت عن وجهة نظرها بحرص أيضاً.

ولا حاجة إلى القول بأن الرافضين المتشددين ظلوا على مواقفهم في النظر إلى الصراع مع إسرائيل على أنه صراع وجودي مؤجل، وليس قتالاً عادياً على الأرض والحدود والاحتلال والموارد والسيادة، كما بات ينظر إليه، وقبل فصيل آخر مبدأ التسوية السلمية غير أنه رفض نمط الاتفاق الذي تم التوصل إليه في أوسلو، قائلاً أن "السلام الكامل" مع إسرائيل ممكن فقط بعد تحقيق "الانسحاب الكامل" من الأراضي العربية المحتلة كافة (بما في ذلك القدس الشرقية، وليس مجرد مرتفعات الجولان، ونادى رأي ثالث بتأجيل كل أشكال التطبيع حتى تعاد الأرض المحتلة ويرضى الشعب الفلسطيني، وخاصة فلسطيني الشتات، ومن الناحية العملية يظل "التطبيع" ورقة مساومة أخرى على طاولة التفاوض السوري الإسرائيلي الأمريكي.

وكان من بين أبرز المنشقين العلنيين، وأن اتسموا بالحذر عند التعبير عن رأيهم، أدونيس، وهو واحد من أبرز الشعراء والمثقفين العرب وأكبرهم، وهاني الراهب الروائي الشهير الذي كان يعمل بجامعة الكويت، والدكتور هشـام دجالي، الصحفي والناقد والمعلق السياسي الفلسطيني السوري المعروف. وأسوأ ما حدث لهؤلاء المنشقين أنهم طردوا من اتحاد الكتّاب العرب الرسمي في سوريا، وكان طردهم سبباً في تفجير جدل عام آخّر بشأن أجراء الطرد نفسه ومدى قانونيته وما إذا كانت مهمة الاتحاد هي حماية أعضائه والدفاع عن حقوقهم أم معاقبتهم بسبب التعبير عن آراء لا يحبها الاتحاد. واستعر الجدل الجديد عندما استنكر أبرز كتاب المسرح في سوريا، سعد الله ونوس، ذلك الطرد وقدم استقالته – برقياً – من الاتحاد احتجاجاً عليه وهو على فراش الموت. وفي اللحظة ذاتها استنكر واحد من أبرز الروائيين والقصاصين وأكبرهم في سوريا، وهو حنا مينه فعل الطرد ذاته وبصورة لا تقل وضوحاً وأعلن انسحابه الفوري من اتحاد الكتاب كذلك.

لاشك أن إسرائيل تتعطش بشبق مشهود لعلاقات السلم العادية، أي التطـبيع، مع العرب عموماً ومع سوريا خصوصاً، لكن علاقات السلم العادية والطبيعية بين دول الشرق الأوسط كما بين الدول العربية نفسها ليست سمناً وعسلاً كلياً، كما نعرف جيداً، على سبيل المثال، تعني علاقات السلم العادية والطبيعية عربياً وشرق أوسطياً الوصول بسهولة إلى حافة الحرب أو التهـديد بها، ثم الرجوع عنها بسهولة ملحوظة أيضاً إلى خطابات الأخوة العربية وعلاقات الجوار الممتازة وتنمية المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين الخ، كما حدث بين سوريا وتركيا مؤخراً بشأن قضية عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردي. من هنا السؤال: ما الداعي لأن تكون علاقات سوريا بإسرائيل أكثر عادية وطبيعية من علاقاتها مع تركيا أو العراق، مثلاً، أو أن تكون أكثر طبيعية وتطبيعاً من علاقات العراق مع إيران أو علاقات المغرب مع الجزائر أو علاقات مصر مع العالم العربي كله تقريباً مباشرة بعد اتفاقيات كامب ديفيد؟

(3)

لو حاولت تلخيص مزاج سوريا بجملة واحدة في ما يتعلق بالسلام مع إسرائيل خلال الفترة الممتدة بين مؤتمر مدريد وانتخاب نتنياهو رئيساً للوزراء في مايو 1996، لقلت أن مزاج التسليم الرواقي المتوقع بشر لا بد منه. وتكمن وراء هذا المزاج مجموعة من الانفعالات القوية مثل: الإحساس العميق بالهزيمة العربية، السخط على كل ما هو قائم، القبـول على مضض بما لا بد القبـول به، رغبة دفينة في تحدي كل ما يجري، الإحساس بالمهانة، الانصياع لقوى قاهرة لا ردّ لها، الشعور بالخيبة، وبالتأكيد الافتخار العميق بعهد سورية نفسها ألد أعداء إسرائيل والصهيونية وأشدهم بأساً وشراسة. من الطبيعي أن تؤثر هذه الانفعالات الحبيسة كلها – بطرق ظاهرة وأخرى خفية – في تعامل سوريا مع عمـلية السلام وفي أسلوبها في التفاوض مع إسرائيل والولايات المتحدة وفي موقفها أثنـاء محادثات السلام الفعلية. من هنـا تصلب سـوريا القـلق، وتشددها، وشكوكها، وترددها، وحرفيّتها، ورسمية تعاملها، وعزلتها الخ .

ومما يزيد الأمور سوءاً بالنسبة لسوريا إصرار إسرائيل المتكرر في السر والعلن على أن تقوم سوريا بمساعدة الزعماء الإسرائيليين على إقناع شعبهم ليس بأن السلام قاب قوسين فحسب، بل أنه يخدم مصلحة إسرائيل أيضاً، أو كما اشتكى رئيس مفاوضي سوريا وسفيرها في واشنطن السيد وليد المعلم ذات مرة في إحدى المقابلات:

" كانت تلك بطبيعة الحال مشكلة قائمة طوال المفاوضات، فقد كنا نشعر دائماً أن الإسرائيليين يريدون من سوريا أن تقوم بعملهم نيابة عنهم، فكانوا يريدون منا أن نقنع شعبهم بأن السلام في مصلحتهم، لقد أعددنا شعبنا للسلام مع إسرائيل، وتغيرت أشياء كثيرة في إعلامنا، إلا أنهم يريدون منا إعداد الرأي العام الإسرائيلي..واعتبرنا مثل هذا الإصرار علامة سلبية: فأنت عندما لا تعد شعبك للسلام مع جارك، يكون معنى ذلك أنك لست عازماً تمام العزم على صنع السلام".

أضف إلى ذلك حساسية سوريا واعتراضها على مواقف إسرائيل المصرة (وخاصة من جانب رابين) على اتفاقية جولان مديدة يقصد بها "اختبار نوايا سوريا" وسلوكها عن طريق مقايضة العديد من الانسحابات الجزئية والمحدودة في الجولان بجرعات مكثفة من "التطبيع" على مدى فترة تصل إلى خمس سنوات. من هنا جاء اقتراح "مجدل شمس أولاً" الذي رفضته سوريا على الفور (مجدل شمس هي أكبر القرى في مرتفعات الجولان) يضاف إلى ذلك خطط إسرائيل التي طنطنت لها على نطاق واسع، وخاصة في حكومة بيريز، للدخول في مشروعات اقتصادية ضخمة وكل أشكال المشروعات المشتركة مع سوريا بغرض خلق شرق أوسط جديد تماماً للعرب.

وطبقاً لما ذكرته بعض التقارير، مضى الإسرائيليون في جلسة من الجلسات الأخيرة لمفاوضات ميريلاند إلى حد تسليم عدد من المشروعات لتكامل الاقتصادين السوري والإسرائيلي، ولا يمكن كذلك استبعاد الاستياء العام السوري والعربي من المطالبة الدائمة ليس فقط بأن يقيم العرب السلام مع إسرائيل، بل عليهم كذلك أن يقيموه وهم في حالة من الفرح والابتهاج.

وعلى خلاف ذلك كله، كانت الصور التي تتداعى إلى ذهني في تلك الفترة تعود جميعاً إلى الممارسات السياسية المعروفة بعصر النهضة: فها نحن أمام مشهد لعروس ذات إرادة حديدية، من ناحية، ولعريس كله كبرياء وأنفة وإباء، من ناحية ثانية، ينتمي كل واحد منهما إلى قبيلة عدوة للقبيلة الأخرى أو إلى سلالة حاكمة في حرب دائمة مع السلالة الثانية أو إلى عائلة عريقة متخاصمة من زمن طويل مع العائلة المنافسة، إلا أنه على العريس والعروس إتمام مراسم الزواج/لأسباب قاهرة لا علاقة لها بمشاعرهما الفردية أو مشاريعهما الشخصية أو عواطفهما وميولهما الخاصة وإنما لها كل العلاقة بالمصالح العليا للقبيلتين أو العائلتين أو السلالتين أو بما يسميه الفرنسيون عادة بالـ Raison dEtat.

بعد إتمام مراسم الزواج يمكن للزوجين أن يتظاهرا بالعيش معاً أو أن يتكيف الواحد منهما مع الآخر بصورة من الصور، ولكن يمكن أيضاً لكل منهما أن يعيش حياته الخاصة على مزاجه دون اعتبار للشريك المفترض، مع المحافظة على بعض المظاهر الخارجية الضرورية، بعبارة أخرى أن قصة سوريا مع إسرائيل وقصة إسرائيل مع سوريا هي أشبه بحكاية روميو وجوليت معكوسة بالمطلق .

في الفترة التي سبقت انتخاب نتنياهو لرئاسة الوزراء في إسرائيل اكتسب الرئيس الأسد المزيد من التقدير والإعجاب في العالم العربي / رسمياً وشعبياً / بسبب إرادته الحازمة للمفاوضات مع إسرائيل والولايات المتحدة ، إدارتها بطريقة حصيفة ورزينة حافظت في الوقت نفسه على الكرامة الوطنية للبلاد. ونتيجة لرفضه القاطع الخضوع لأجنده المفاوضات الإسرائيلية ظهر أمام الجميع بمظهر اللاعب والمفاوض الحقيقي بدلاً من مظهر "الحجر" الذي يحركه الآخرون كما هي الحال بالنسبة لمنظر المفاوضين العرب الآخرين، ومما زاد في قامته عربياً كونه تمكن من أن يفعل ذلك كله في ظل ظروف عربية وإقليمية ودولية صعبة جداً تتمثل في ميزان قوى مختل كلياً ضد الطرف العربي بأجمعه.

في ذلك الوقت أيضاً كانت دمشق كلها تعرف أن الإسرائيليين يضغطون بشدة، بدعم من الولايات المتحدة، من أجل الحصول على "إعلان مبادئ" مع سوريا، واجتماع قمة محتمل مع الأسد يعقبه طريق طويل وشاق من المفاوضات المفصلة بشأن كل القضايا الصعبة التي نعرف جميعاً أنها تقف حائلاً دون السلام بين البلدين. إلا أن دمشق كلها كانت تعرف أيضاً أن طريقة الأسد هي التفاوض والاتفاق أولاً على كل القضايا وكل تفصيلة من التفاصيل المتنازع عليها، وبعد ذلك المضي قدماً باتجاه إعلان المبادئ واجتماع القمة والمراسم والاحتفالات التي تلي ذلك في العادة، باعتبارها كلها الإنجاز الذي يتوج العملية التفاوضية بكاملها. ومن المؤكد أنه بدا في دمشق أن الرئيس الأسد استخلص كل الدروس المناسبة من تجربة السادات المثيرة مع صيغة "إعلان المبادئ الآن، وإجراء المفاوضات لاحقاً"، بخاصة أن السادات ذهب إلى قبره غير مأسوفاً عليه من الشعب المصري على الإطلاق ولم يمش في جنازته إلا عتات "الخواجات". أضف إلى ذلك اعتراف حسنين محمد هيكل في كتابه "خريف الغضب" أن مصر كلها تنفست الصعداء لحظة موت رئيسها هذا على النحو المعروف.

وتأتي الدروس والنماذج الحية الأخرى التي استفاد منها الرئيس الأسد مما تعرض له ياسر عرفات مراراً من مهانة وإذلال وتجارب، بل وإهانات على أيدي العديد من الزعماء الإسرائيليين وكان ذلك مباشرة عقب "إعلان المبادئ" الفلسطيني الإسرائيلي والمصافحة الشهيرة بين عرفات ورابين في حديقة البيت الأبيض في سبتمبر 1993.

أضف إلى ذلك منظر عرفات المزري وهو يعيد التفاوض مرات عدة على اتفاقات وبروتوكولات ووعود والتزامات سبق أن أعاد التفاوض عليها بطريقة مضنية وتم الاتفاق والتوقيع عليها بضمانات من الولايات المتحدة الأميركية.

تلقت دمشق رسمياً وشعبياً ودبلوماسياً نبأ انتخاب نتنياهو رئيساً لوزراء إسرائيل في نهاية شهر مايو 1996 بمزيج من الخيبة والارتياح، وراح ظرفاء البلد يتنذرون بقولهم كلاماً من قبيل: انظروا إلى ما يفعله "أولاد عمنا" جنوباً، قتلوا رابين وخذلوا بيريز وانتخبوا نتنياهو وأرييل شارون وما زالوا يقسمون الإيمان بأنهم لا يريدون سوى السلام معنا ("أولاد عمنا" هي الطريقة الساخرة التي يشير بها بعض أهل دمشق إلى الإسرائيليين عندما يتحدثون عنهم في جلساتهم الخاصة).

قلت إن دمشق تلقت نبأ وصول نتنياهو إلى السلطة بمزيج من الخيبة والارتياح : الخيبة لأن مناقشات التطبيع قامت كلها على التسليم بأن معاهدة السلام مع  إسرائيل  أضحت أمر لا مفر منه / مهما كانت عيوب تلك المعاهدة وسقطاتها من وجهة النظر السورية / وبما أن الأنظار كلها كانت مشدودة إلى قدوم "جودو" السلام هذا، كان من الطبيعي أن ينمو إحساسا بالترقب والتوقع والتشويق داخل المجتمع السوري، لكن عندما لم يحدث أي شيء من هذا القبيل بات قدراً من الخيبة أمر لا مفر منه كذلك. أما الارتياح فسببه تأجيل موعد اتخاذ القرارات الصعبة والتنازلات المؤلمة والتراجعات المحرجة وهو التأجيل الذي لم يكن لسوريا يد في صنعه، فالتغيير – بغض النظر عن الأسباب – وقع في الطرف الآخر، إسرائيل وليس سوريا، هي التي انسحبت من مفاوضات واي في ميريلاند في 3 مارس عام 1993. في الواقع كانت هذه المرة الأولى التي لم يلق فيها أحد باللوم على سوريا – سواء محلياً أو إقليميا أو عالمياً – بتعمد إعاقة مفاوضات السلام أو السعي للقضاء عليها بشكل صريح، ويمكنني كذلك إضافة أنني لم أر قط الدبلوماسيين الغربيين في دمشق أكثر صراحة وشدة في انتقاد إسرائيل مما كانوا عليه في فترة وجود نتنياهو في الحكم.

سرعان ما فهم وصول نتنياهو وسياساته في دمشق على أنه ارتداد إلى سياسات حكومة شامير وتكتيكاتها المعرقلة، وعلى أنه نكوص إلى فكرة "السلام مقابل السلام" المتشددة لتحل محل فكرة "السلام مقابل الأرض" التي كانت تقوم عليها المفاوضات حتى ذلك الوقت. وشعر الرافضون السوريون بارتياح كبير ورضى نتيجة لتصريحات نتنياهو، خاصة لاءاته الثلاث الشهيرة: لا للانسحاب من مرتفعات الجولان، لا لدولة فلسطينية مستقلة، لا لحل وسط بشأن القدس الشرقية، وكان الهدف مما أسماه "الترتيبات الفرعية" مع سوريا هو التطبيع التدريجي للعلاقات بين البلدين دون أي انسحاب من الجولان، كما أكدت الخطوط العريضة التي أرسلها إلى الكنيست على أن حكومته "ترى مرتفعات الجولان على أنها ضرورية لأمن الدولة" وإن "الاحتفاظ بالسيادة "الإسرائيلية على الجولان سيكون الأساس لأي ترتيبات مع سوريا". كما اعتبر الرافضون مجيء نتنياهو إلى السلطة تأكيداً لطروحاتهم القائلة أنه في لحظة الحقيقة لا بد لإسرائيل من أن ترتد إلى طبيعتها الأصلية كمجتمع استعماري استيطاني وكدولة عدوانية محاربة يهمها التوسع والهيمنة والأرض والاستيطان والموارد أكثر بكثير مما يهمها السلام.

وفي الوقت ذاته كان هناك ترقب في المجتمع المدني السوري – وخاصة في أوساط الانتلجينسيا – ما إذا كان التصلب الإسرائيلي الجديد، سوف يؤدي بالنظام الحاكم في سوريا للارتداد إلى مواقفه وممارساته وخطاباته السابقة على مؤتمر مدريد، إلا أن أي من هذه المخاوف لم يتحقق، بل على العكس من ذلك، استفادت الحكومة السورية بدهاء من الفترة التي أمضتها حكومة نتنياهو في السلطة باستخدام خطاب "سلامي" عاقل ومتوازن رفع الموقف السوري إلى مواقع أرقى سياسياً وأخلاقياً في نظر المجتمع الدولي وذلك بالإصرار المتكـرر، أولاً، على أن الذي انسحب من المفاوضات في ميريلاند هو إسرائيل وليست سوريا، وثانياً، على أن الذي أعاد النظر في عملية السلام وبدل رأيه فيها هو إسرائيل وليست سوريا، وثالثاً، على أن سوريا هي المستعدة لاستئناف محادثات السلام فوراً من حيث انقطعت وليست إسرائيل، أما على المستوى المحلي فلم تطرأ  أي تغييرات مهمة على الخط الرسمي أو الإعلامي حتى بالنسبة للمواد المعدة للاستهلاك الداخلي فقط. واضح إذاً  أن سياسات سوريا قد وضعت بمهارة خلال فترة حكم نتنياهو، بحيث تستميل الرأي العام للمجتمع الدولي قدر الإمكان وتجد لها صدى إيجابيا لدى "هيئة المحلفين" الدولية وهي الهيئة المؤلفة عملياً من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والغرب بصفة عامة.

في مطلع فترة وجود نتنياهو في السلطة، اتهمت سوريا بتضييع فرصتين نادرتين للتوصل إلى معاهدة سلام مع إسرائيل واستعادة مرتفعات الجولان، ومن المفترض أن تكون الفرصة الأولى قد سنحت قبيل تبني رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين الاختراق السري للغاية الذي كان قد تم التوصل إليها على المسار الفلسطيني في أوسلو وذلك بدلاً من الاستمرار في مفاوضات المسار السوري. أما الفرصة الثانية فسنحت، طبقاً لهذا المنطق، بعد اغتيال رابين وعندما قرر رئيس الوزراء بيريس الدعوة لإجراء انتخابات عامة مبكرة بدلاً من استكمال فترة سلفه، ويمضي الاتهام ليقول إن حذر الرئيس الأسد الزائد وتشككه وتسويفه هي المسؤولة عن ضياع الفرصتين. وأشار وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر إلى هذه التهمة في مقابلة أجرتها معه صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في أواخر أكتوبر 1997، في حين أورد السفير ايتامار رابينوفيتش هذه الاتهامات في كتابه الجديد "حافة السلام: المفاوضات الإسرائيلية السورية":The Brink of Peace The Israeli Syrian Negotiations. كان من الطبيعي أن يتداول مصنع الشائعات في دمشق هذه الاتهامات كذلك، ولكن دون التوصل إلى أي نتائج هامة أو استنتاجات بينه في ذلك الوقت.

وطبقاً لما ذكره رابينوفيتش، فقد أرسل رابين في 3 أغسطس رسالة إلى الأسد، عبر وارن كريستوفر وديمس روس، يستكشف فيها إمكانيات الاتفاق على "اتفاقيات سلام محددة جداً" تشمل كل من سوريا ولبنان. وعاد الوسيطان الأميركيان من دمشق برد "اعتبره إيجابيا، إلا أن رابين رآه مخيباً لآماله" وجعل هذا الجواب السوري، وفقاً لرابينوفيتش، رابين يتبنى على الفور اختراق أوسلو، الذي كان جاهزاً بسرية تامة، بدلاً من الاستمرار في المفاوضات مع سوريا.

نعرف الآن أن الرسالة التي بعثها رابين للأسد كانت اقتراحاً بانسحاب الإسرائيليين  الكامل من مرتفعات الجولان مقابل التزام سوريا الكامل بأمن إإسرائيل وشروط التطبيع، ونعلم كذلك أن رد الأسد، الذي اعتبره الوسيطان الأمريكيان إيجابياً، بينما رآه رابين مخيباً للآمال، كان يسعى لتوضيح ما إذا كان الانسحاب المقترح سوف يمتد إلى خط الرابع من يونيو 1967 أم أنه سيتوقف عند الحدود الدولية لسنة 1923 كما رسمتها سلطات الانتداب الفرنسي والبريطاني في سوريا وفلسطيني على التوالي، وكان الانسحاب لحدود 1923 سيمنع سوريا من العودة إلى الركن الشمالي من بحيرة طبريا أو استعادة الأرض التي صارت الآن منتجع المياه المعدنية الحارة المعروفة باسم الحمة والذي كان بالأصل قرية فلسطينية عربية قديمة تحمل هذا الاسم. وطبقاً لما ذكره بعض المراقبين والمحللين لعملية السلام، ضيع الرعاة الأميركيون في هذه المفاوضات غير المباشرة فرصة جيدة لتحقيق اختراق هام على المسار السوري الإسرائيلي لعدم متابعتهم مع الجانب الإسرائيلي التوضيح الذي سعى إليه الرئيس الأسد في حينه.

ويمضي رابينوفيتش قائلاً أنه عندما تولى بيريس رئاسة الوزراء، بحث من جانبه في إحياء المسار السوري من خلال عدد من المقترحات الاقتصادية الاستثنائية والإجراءات السياسية الدراماتيكية (اجتماع قمة مبكر مع الرئيس الأسد على سبيل المثال) قصد بها تعزيز فرصه الانتخابية حين يحين موعد حملة الانتخابات. إلا أنه طبقاً لما ذكره رابينوفيتش، فإن رد الرئيس الأسد على محاولات بيريس هذه جاء رداً إيجابيا بحذر، وشديد التحفظ، ولكنه أخفق بالتحليل الأخير في إرضاء بيريس وفي "توفير الشروط اللازمة له لعقد اتفاقية جيدة في الوقت المناسب". ونتيجة لذلك، لم يقرر بيريس الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة فحسب، بل أجاز للجيش القيام بعملية "عناقيد الغضب" العسكرية ضد حزب الله في جنوب لبنان.

جاء الرد السوري الأول والجزئي على هذه التهم على لسان باتريك سيل في دراسته المنشورة في "مجلة الدراسات الفلسطينية (خريف 1996 ، الطبعة الإنكليزية) حيث بين أنه في حين عرض الرئيس الأسد على رابين إتمام صفقة تناول الجولان استناداً إلى مبدأ "السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل"، لم يرد رئيس الوزراء "الإسرائيلي" وقتها التحية بمثلها، بل كان يربط دوماً مسألة الانسحاب بشروط صريحة وخفية متنوعة مثل إخضاع عملية الانسحاب إلى استفتاء شعبي عام في إسرائيل وإعادة هيكلة القوات المسلحة السورية مما كان يعطل بدوره الفرصة للتوصل إلى اتفاق.

أما الرد الأكثر إحاطة فقد جاء على لسان سفير سورية في واشنطن في تلك الفترة ورئيس وفدها المفاوض السيد وليد المعلم في مقابلة شاملة نشرتها له "مجلة الدراسات الفلسطينية" في طبعتها العربية والإنكليزية والفرنسية (شتاء 1997). تشكل هذه المقابلة، دون أدنى ريب، أفضل عرض لوجهة النظر السورية الرسمية بالنسبة لمجريات الأمور في المفاوضات مع إسرائيل وأكثرها تفصيلاً وعمقاً. فند السفير وليد المعلم التهمة الموجهة إلى سوريا بشأن تفويت أكثر من فرصة ذهبية لاسترجاع الجولان المحتل بتأكيده أن سوريا ما كانت لتدخل في أية مساومات جدية حول مطالب إسرائيل المتعلقة بالترتيبات الأمنية وعلاقات السلم العادية (التطبيع) والجدول الزمني لاتمام الصفقة ..الخ، إلا بعد انتزاع موافقة إسرائيلية على الانسحاب العسكري والمدني الكامل من هضبة الجولان. وقد عبّر رابينوفيتش عن هذا الموقف السوري في كتابه المذكور سابقاً بقوله أنه منذ بدء المفاوضات في شهر أغسطس 1993 رفض السوريون أن يتزحزحوا قيد أنملة عن موقفهم قبل سماع كلمتين: الانسحاب الكامل. ويتابع وليد المعلم قائلاً أن الجانب السوري تفاجأ مفاجأة كاملة مزدوجة عند الاعلان عن اتفاقيات أوسلو وعند متابعته للتطورات السريعة اللاحقة على المسار الأردني – الإسرائيلي والتي أدت إلى توقيع اتفاق سلام منفرد وسريع بين الدولتين. بعبارة ثانية، أن الذي دمر فرصة حدوث اختراق حقيقي في المفاوضات السورية – الإسرائيلية وقتها ليس التردد أو التعثر أو التعنت السوري، بل خروج اتفاقيات أوسلو السرية إلى العلن ومالحق ذلك من ترتيبات جديدة وحاسمة مع الأردن.

أما في ما يتعلق بالفرصة "الضائعة" الثانية، على أثر استلام بيريس السلطة بعد اغتيال رابين، يؤكد المعلم أن دعوة بيريس لإجراء انتخابات مبكرة وتعليق محادثات السلام في ميريلاند كانا مفاجئين لسوريا بما لا يقل عن اتفاقية أوسلو. وهو يرجع القرارين لضغوط إسرائيلية داخلية وهموم حزبية وليس لأي فرص سلام سنحت فجأة. وتأييداً لموقفه، يشير المعلم إلى مصادر إسرائيلية اتهمت بيريس نفسه بإضاعة فرصة ذهبية للتوصل إلى سلام مع سوريا والإشارة هي هنا في المقام الأول إلى الكشوف الدقيقة بشأن التفاصيل الخاصة بمفاوضات رابين مع سورية التي أعلنها أورولا آزولاى كتز (Orly Azulay Katz) في سيرة شمعون بيريس التي كتبها بعنوان : الرجل الذي لم يتمكن من الفوز (The man who Could not Win). ويلمح المعلم كذلك إلى مقابلة تلفزيونية أذيعت كثيراً أجريت مـع كبير المفاوضين مع سوريا في عـهد بيريس، يـوري سافي، وفيها (أ) اعتراف أن الكثير من التقدم كان قد تحقق مع سوريا في مفاوضات ميريلاند و (ب) تأكيد أن الجانبين أوشكا بالفعل على الوصول إلى اتفاق عندما انسحب بيريس من المحادثات، و(ج) غياب كل ذكر لأي فرصة ضائعة أو غير ضائعة مع سوريا.

في الوقت ذاته تبين لدمشق الناس أنه لم تكن هناك أي فرصة ضائعة حقاً للسلام واسترداد الجولان الخ ، بل مناورات علاقات القوة المعتادة بين الطرفين وتكتيكات كل واحد منهما لتحقيق ما يمكن تحقيقه من أهدافه الصريحة و المضمرة، على سبيل المثال، نحن نعرف الآن أن المبادرة التي قام بها رابين باتجاه سوريا في اللحظة الأخيرة قبل تبنيه العلني لخيار أوسلو – أي العرض الذي بعث به إلى الرئيس السوري الأسد بواسطة كريسـتوفر وديمس روس في 3-4 أغسطس 1993 – لم يكن المقصود منها إلا إحراج الرئيس السوري لوضعه أمام أمر واقع ناجز يعرف رابين جيداً أن الأسد سيرفضه إما بلغة ديبلوماسية أو بلغة أكثر فجاجة. بعبارة أخرى، لم تكن مبادرة رابين مبادرة حقيقية غرضها الاستمرار في المفاوضات أو تعجيلها أو تسهيلها بقدر ما كانت تنطوي على صفقة فجة ومتعالية مطلوب من الأسد إما أن يقبل بها على علاتها وكما هي أو أن يرفضها على علاتها وكما هي. معلوم أيضاً أن قبول الأسد بهكذا صفقة كان سيضعه فوراً في الموقع الذي وجد ياسر عرفات نفسه فيه بعد أوسـلو، أي موقع المحطّم للصف العربي والمتخلي عن شركائه العرب في المفاوضات، بالإضافة إلى تحويل كل الجهود التي بذلها للحفاظ على حد أدنى من تماسك "الجبهة العربية الشرقية" في التفاوض مع إسرائيل إلى مهزلة لا أكثر. تنطبق اعتبارات مشابهة على المبادرة السريعة التي يفترض أن بيريس توجه بها إلى سوريا عند استلامه السلطة بعد رابين ولكن دون نتيجة. جاءت محاولة بيريس هي أيضاً مثقلة بالمطالب والشروط التي كان على سوريا تلبيتها بصورة شبه فورية أو أن تتحمل نتائج الانتظار والمجازفة والمخاطر التي يمكن أن تترتب على الانتخابات الإسرائيلية المبكرة. فيما يلي أبرز المطالب والشروط التي رافقت المبادرة المذكورة:

1-             اجتماع قمة يكاد يكون فورياً مع الرئيس الأسد، على أن ينعقد في القدس كخيار أول أو في دمشق كخيار ثان أو في واشنطن كخيار ثالث. في الواقع لم يجعل بيريس استمرار المفاوضات الجادة على المسار السوري متوقفة على مثل هذا الاجتماع وحسب، بل مضى إلى حد اعتبار القمة "الاختبار الحاسم" (حسب توصيف رابينوفيتش) لأي اتفاق سلام مع سوريا.

2-             تحويل هضبة الجولان إلى منطقة اقتصادية حرة أو منطقة تنمية اقتصادية أو كليهما، كجزء من الشرق الأوسط الجديد الذي أخذ بيريس يدعو إليه من جانب واحد.

3-             إنشاء وتطوير مشروعات اقتصادية ومصالح مشتركة في المنطقة المحيطة بالحدود بين البلدين بحيث تشكل المعيار الأهم لـ "نوعية السلام الآتي وعمقه".

4-             إنشاء منظمة أمن إقليمية تحت إشراف أميركا ورعايتها يتم طرحها تحت اسم "خطة كلينتون".

في دمشق ما كان لمبادرة بيريس هذه أن تجد أية آذان مصغية بسبب من إهمالها لحقيقة بسيطة وهي أن سوريا دولة أمينة على جميع المستويات مما يعني أن درجة سيطرة الهم الأمني فيها وعليها لا تقل أبداًَ عن درجة سيطرته في إسرائيل وعليها. لذا من الطبيعي أن تجد سوريا استيعاب اتفاقية سلام قائمة على الأمن، الذي تفهمه سوريا وتعرف كيف تتعامل معه جيداً، أسهل عليها بكثير من استيعاب اتفاقية مثقلة بخطط ومشروعات اقتصادية مضخّمة تعرف سوريا أنها غير جاهزة للتعامل معها. من هنا الاعتقاد الذي ساد دمشق لعدم جدية المبادرات الإسرائيلية هذا كلها لأن إسرائيل نجحت بالفعل في تفتيت جبهة المفاوضات العربية وفي تعزيز اتفاقاتها على المسارات العربية الأخرى وتثبيتها عازلة بذلك سوريا وتاركة إياها وحيدة حتى نهاية عملية التفاوض مع العرب بأكملها.

جاء رد ثالث على التهم الموجهة إلى سوريا لإضاعة أكثر من فرصة لتحقيق السلام واستعادة الجولان بقلم باتريك سيل مرة أخرى وذلك في ثلاث مقالات نشرتها له صحيفة "الحياة" (نوفمبر 21،22،23، 1999). بعد أن راجع سيل مسار المفاوضات السورية – الإسرائيلية استنتج بأن العرض الذي وجهه رابين إلى الأسد قبل تبنيه العلني والصريح للاختراق الحاصل على المسار الفلسطيني في أوسلو لم يكن في حقيقته إلا "حيلة" أو خدعة سياسية من جانب رابين غرضها تغطية قراره المسبق للسير قدماً على المسار الفلسطيني استناداً إلى أوسلو وترك المسار السوري للمستقبل. كان رابين يحتاج إلى مثل هذه التغطية، وفقاً لسيل، أولاً لأنه لم يكن يعتبر أن لديه تفويضاً من الشعب الإسرائيلي بالانسحاب الكامل من الجولان وثانياً، لأن الطرف الأمريكي كان يضغط وقتها باتجاه تحقيق اختراق هام على المسار السوري.

أما بالنسبة لفرصة استعادة الجولان الثانية والتي يقال أن سوريا أضاعتها عند استلام بيريس للسلطة، فإن باتريك سيل يتفق مع وليد المعلم في الرد عليها مع إضافة ألقى فيها بالمسؤولية على عاتق بيريس بالنسبة لجلب الهجمات الانتحارية الإسلامية الشهيرة على الإسرائيليين حين أذن الأخير للمخابرات باغتيال خبير المتفجرات في حماس يحي عياش (المعروف بالمهندس) على الرغم من أن المهندس كان قد علق نشاطاته كلها منذ ما يزيد على السنة.

يجب ألا تفوتني الإشارة إلى صورة معينة للرئيس الأسد كان يجري تداولها في أجواء المفاوضات السورية -الإسرائيلية- الأمريكية. تقدم هذه الصورة الرئيس السوري على أنه زعيم شديد الحذر إلى درجة إعاقة الذات، وعلى أنه حاكم وسياسي متردد، مليء بالشكوك من كل شيء، مماطل إلى حدود إضاعة الفرصة الذهبية لتحقيق أهدافه ، مسكون بالشكل والشكليات والاعتبارات الإجرائية أكثر بكثير من المحتوى والجوهر الخ...

من ناحية أخرى، لاشك أن الصفات مثل الحذر والشك والتردد والتروي والإصرار على سلامة الشكليات تعد في دمشق مزايا هامة جداً لابد من التحلي بها عند تعامل رئيس دولة مثل سوريا مع دول مثل الولايات المتحدة وإسرائيل. يضاف إلى ذلك أن مثل هذه الصورة تبقى مضللة إلى حد بعيد، لأن دمشق كلها تعرف أن الرئيس الأسد كان قادراً في لحظة الأزمات الكبيرة على القرارات الحازمة وعلى المبادرات الجريئة وعلى الأفعال الحاسمة حتى لو كانت كلها غير شعبية داخلياً وعربياً ، لحظة اتخاذها ووضعها موضع التنفيذ، مع العلم بأن التطورات اللاحقة أثبتت في النهاية، نجاعتها وفعاليتها وبعد النظر الكامن خلفها لكونها صادرة عن تقدير ممتاز لموازين القوى الإقليمية وميولها وللاتجاهات الدولية ومناحيها المرجّحة. أما الأمثلة على ذلك فهي حية في ذاكرة كل سوري وأهمها :

1-             التدخل السوري المسلح في الحرب اللبنانية سنة 1976 إلى جانب حزب الكتائب ضد حلفاء سوريا الطبيعيين والتقليديين في لبنان، ومن بينهم الفلسطينيون.

2-             القضاء بسرعة على التمرد الإسلامي المسلح في أوائل الثمانينات.

3-             التدمير الجسور لمعاهدة السلام اللبنانية الإسرائيلية المنفصلة التي رتبها وقتها وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز من وراء ظهر سوريا وعلى حسابها سنة 1984.

4-             التحالف الذي لم يتزعزع مع إيران أثناء الحـرب العـراقية الإيرانية، في وقت كان العالم العربي بأسره والغرب يقفان مع صدام حسين بقوة.

5-             المشاركة الجريئة في حرب الخليج إلى الجانب التحالف الغربي في حملته لتحرير الكويت.

في منتصف ولاية نتنياهو، ثار جدل حاد من جديد في العالم العربي كانت مصر وسوريا بؤرتيه. وهذا هو ما يعرف بمناقشات كوبنهاغن. ومرة أخرى لم يكن للنظام الحاكم في سوريا دخل كبير في بدء الجـدل أو في مسيرته وتطـوره، وإن استغل المتنازعون الإعلام المحلي لعرض وجهات نظرهم. فما هي معركة كوبنهاغن هذه ؟

نتيجة الاستياء العربي الحاد من نتنياهو وسياساته أخذت حقيقة نوعية جديدة تتبين وهي أنه أصبح للطرف العربي الآن مصلحة حيوية في من يحكم إسرائيل وفي أي حزب يمسك بزمام السلطة هناك، حتى في سوريا أخذ إحساس ينمو فينا بأن الحكمة المحلية التقليدية القائلة بأنه لافرق بين حزبي العمل والليكود في القضايا الجوهرية قد عفى عليها الزمن ولم يعد لها أية صلة في الواقع الجديد في منطقتنا. لذا أخذت شؤون إسرائيل الداخلية تحظى باهتمام نوعي جديد وصميم في دمشق مما لم تعرفه العاصمة السورية سابقا.

في هذا المناخ، بدأ عدد من المفكرين المصريين البارزين – على رأسهم الكاتب والصحفي والناشط الشهير لطفي الخولي – بالإعداد لمؤتمر مع زملاء لهم من الفلسطينيين والأردنيين والإسرائيليين يعقد في كوبنهاغن، لمعرفة ما يمكن عمله بشأن التخلص من نتنـياهو وإرجاع حزب العمل للحكم وإعادة عملية السلام، بالتالي، إلى مسارها مرة أخرى. وكانت تلك المرة الأولى بالفعل التي ينظم فيها العرب علناً وصراحة اجتماعاً بغرض التأثير مباشرة على اختيار الحكومة الإسرائيلية. واضح إذاً أنه لم يعد بالإمكان تمويه أو تصعيد أو تبديد الإحساس بأن للجانب العربي مصلحة حقيقية الآن في من يحكم إسرائيل. مع ذلك كان الجدل العربي بشأن مبادرة كوبنهاغن وهدفها وبرنامجها كبيراً ومتنوعاً وانفعالياً وشرساً في كثير من الأحيان وبلغت هذه المناقشات ذروتها في المناقشة التي تمت على الهواء بين لطفي الخولي من ناحية والأمين العام لاتحاد الكتاب العربي في سوريا علي عقلة عرسان من ناحية ثانية وذلك في البرنامج التلفزيوني "الاتجاه المعاكس" الذي تبثه أنجح المحطات التلفزيونية الفضائية في العالم العربي حالياً، وهي قناة الجزيرة ومقرها دولة قطر.

من المؤسف أن لطفي الخولي توفى قبل وصول باراك إلى السلطة في مايو 1999، إلا أن كان هناك إجماعا بين مراقبي عملية السلام في دمشق على أن فكرة كوبنهاغن وما دار حولها من جدل قد خدمت أغراضها بشكل ممتاز. صحيح أنه أثناء الجدل كان الاتجاه العام في سوريا منتقداً للفكرة ومشروعها، بل معادياً لهما. مع ذلك حدث تطور سوري كبير مع بداية الحملة الانتخابية الإسرائيلية الجديدة : لم يحدث من قبل أن تتبعت سوريا الرسمية والشعبية انتخابات إسرائيلية بهذا القدر من الترقب ، وناقشتها بهذا العمق وراقبتها بهذه العناية كما تتبعت المنافسة بين باراك ونتنياهو وناقشتها وراقبتها. قد لا أكون مبالغاً كثيراً إن قلت إن دمشق تتبعت المنافسة الانتخابية "الإسرائيلية" هذه المرة وكأنها شأن داخلي. ومما أثار سخط البعض أنه بات واضحاً للكل أنه حتى سوريا أصبح لها مصلحة حيوية مباشرة في نتائج الانتخابات الإسرائيلية.

استقبلت دمشق انتصار باراك بارتياح غير معتاد مع تحسن في التوقعات المتعلقة بالسلام وعملية السلام. ومما أدهش معظمنا أن تبادل الابتسامات والمجاملات بين الرئيس الأسد ورئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد مر مرور الكرام دون استنكار سواء كان في العلن أو في الجلسات الخاصة.

تبين لي في تلك اللحظة أن سوريا ربما تجاوزت مزاج التسليم الرواقي المترفع بشر لا بد منه اسمه السلام مع إسرائيل. فلو أن الرئيس الأسد مدح رئيس وزراء إسرائيل في مرحلة الاتصالات اللاحقة على مؤتمر مدريد، على سبيل المثال، لدهش المراقبون في دمشق كما لم يدهشوا من قبل، ولتلقوا الخبر باستهجان وقلق شديدين. ولكن عندما مدح الأسد باراك بعد فوز الأخير بانتخابات مايو 1999، اندهشت دمشـق من نفسها لأنها تعاملت مع الخبـر ببرود واعـتياد، وكأن الحكاية برمتها مسألة طبيعية. والأمر الأكثر إفصاحا هو أنه لم يثر أي جدل حتى الآن بشأن قضايا تطبيع العلاقات، على سبيل المثال، كما لم نسمع عن أية استنكارات من النوع الذي واجهته فكرة كوبنهاغن .

في الوقت الراهن تنظر دمشق إلى الفاصل الذي قضاه نتنياهو في الحكم بثلاث طرق مختلفة : أولاً على أنه شر كان لابد منه للجميع بين الطرفين ولتعميق الدرس بأن هناك فرقاً كبيراً بـين حزبي العمل والليكود عندما يكونان في السلـطة، وثانياً: على أنه مخطط إمبريالي – استعماري ومؤامرة صهيونية – يهودية لجعل حزب العمل يبدو مقبولاً ومتساهلاً في نظر سوريا والعرب، وثالثاً: على أنه مثال على "مكر التاريخ" (كما يقول الفيلسوف هيغل) وهو يشق طريقه في اتجاه تسوية سلمية مع إسرائيل. والآن يفكر بعض الماركسيين الهيغليين في احتمال نشؤ تركيب شرق أوسطي أعلى جديد نتيجة التجاوز التاريخي للأطروحة العربية القديمة من ناحية وللأطروحة الإسرائيلية المضادة والأجد، من ناحية ثانية.

كما يرى بعض المثقفين في دمشق أن سقوط نتنياهو يشير أيضاً إلى درس من نوع آخر، فعندما دخل هذا الرجل المعترك الانتخابي للمرة الأولى قيل الكثير عنه باعتباره شخصية تلفزيونية هائلة، وعن مقدرة أجهزة الإعلام في الوقت الحاضر على صنع المرشحين والسياسيين القادة والزعماء أو على تدميرهم بغض النظر عن البرامج التي يحملونها أو القضايا التي يمثلونها أو المواقف التي يتخذونها، أو المؤهلات التي يتميزون بها. قيل الكثير أيضاً – وبخاصة من قبل بعض دكاترة الإعلام وخبرائه من البعد حداثيين – كيف أنه لم يعد من شيء مهم في العمل السياسي هذه الأيام سوى الصورة الخارجية، والمظهر التلفزيوني المناسب، والتلاعب الإعلامي الشاطر، والكلام التبسيطي المخاتل. لكن هاهو نتنياهو يسقط سقوطاً مدوياً على الرغم من كونه صاحب الشخصية الإعلامية الأنجح بامتياز، والصورة الخارجية الأفضل بما لا يقاس، والمظهر التلفزيوني الأكثر روعة، والتلاعب الإعلامي الأرقى، والكلام التبسيطي الأكثر مخاتلة وخداعاً. واضح إذاً أنه خلافاً لهذا اللغو الإعلامي مازالت البرامج السياسية والقضايا الساخنة والمواقف المدروسة ومسائل الحرب والسلم هي الحاسمة في العمل السياسي في منطقتنا من العالم على أقل تقدير.

معروف أن سوريا متصلبة بشأن استعادة كامل هضبة الجولان – حتى خط يوم 4 يونيو 1967 – مقابل إبرام اتفاقية سلام مع إسرائيل والموافقة على الترتيبات الأمنية المطلوبة وعلى إقامة علاقات سلم عادية بين البلدين. أما الجانب الإسرائيلي فإنه يطرح انسحاباً من الجولان إلى الحدود الدولية بين فلسطين وسوريا كما رسمها كل من الانتدابين البريطاني والفرنسي سنة 1923. وتحتج إسرائيل هنا بسابقة إرجاعها سيناء بالكامل استناداً إلى الحدود الدولية بين مصر وفلسطين كما رسمها الحكم الاستعماري البريطاني في مصر بالاتفاق مع السلطات العثمانية في فلسطين سنة 1906. واضح أن الانسحاب الإسرائيلي للحدود الدولية فقط سوف يحرم سوريا من تواجدها السابق في الزاوية الشمالية الشرقية من بحيرة طبريا ومنطقة الحمى سابقاً.

بالنسبة للجانب الأميركي في المفاوضات، فإنه يعمل على التوفيق بين هذين المفهومين للانسحاب الكامل من الجولان عبر طرح صيغة من صيغ "الغموض الأمريكي البناء " المعروفة بحيث يتفق الطرفان المتفاوضان على خط مناسب للانسحاب ثم يجري اعتبار ذلك، أولاً بمثابة الانسحاب الإسرائيلي المطلوب إلى خط 4 يونيو 1967 وثانياً، بمثابة الحـدود الدولية بين الدولتين. على سبيل المثال، ما كان بالإمكان عودة سوريا وإسرائيل إلى طاولة المفاوضات في واشنطن في نهاية العام الماضي لولا لجوء الرئيس كلينتون مرة أخرى إلى صيغة من صيغ الغموض البناء بإعلانه يوم 9 ديسمبر 1999 استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية (من النقطة التي توقفت عندها) متعمداً عدم ذكر أي شيء محدد أو مفيد عن طبيعة النقطة التي انقطعت عندها مفاوضات ميري لاند في مارس 1996. أما الداعي الأساسي لهذا النوع من "الإعلان الغامض" فيكمن في التأكيدات السورية التالية :

·                   لو لم يتعهد رئيس الوزراء رابين سنة 1993 بالانسحاب إلى خط الرابع من يونيو 1967، لما سمحت سوريا أصلاً باستمرار المفاوضات بشأن كل القضايا والتفاصيل الأخرى قيد البحث.

·                   إن هذا التعهد السري جداً والذي نقله وزير الخارجية وارن كريستوفر للرئيس الأسد، أخذ شكل وثيقة مكتوبة مودعة لدى وزارة الخارجية الأمريكية.

·                   مع أن كريستوفر أبلغ الأسد في ديسمبر 1995 باسـتمـرار تعهد بيريس

بـ "تعهد رابين" فقد انسحب بيريس رغم ذلك من مباحثات السلام في ميريلاند ودعا إلى انتخابات مبكرة.

·                   لذلك فإن سوريا لن تستأنف المفاوضات مع إسرائيل إلا من النقطة التي توقفت عندها – أي "وديعة رابين" ولا بد من النظر إلى هذا الإصرار السوري في ضوء حقيقة هي أن نتنياهو كان قد انتخب على أساس برنامج يرفض صراحة الانسحاب من هضبة الجولان.

يضاف إلى ذلك موقف سوريا الثابت من أنه مادامت الجولان أرضاً محتلة فإن تسوية مستقبلها يجب أن تنبع من مبادئ القانون الدولي وليس من مبادئ السيادة الإسرائيلية. بعبارة أخرى ليس هناك ما يدعو إلى طرح أية اتفاقية سورية إسرائيلية بشأن الجولان لاستفتاء شعبي أو لإقرار من الكنيست.

جدير بالإشارة كذلك أن باراك لم يعترف علناً ورسمياً بوجود وثيقة اسمها "وديعة رابين" وبالالتزام بالانسحاب الكامل من الجولان (إلى نقطة قريبة جداً من خط الرابع من يونيو 1967) في مقابل مراعاة سوريا لحاجات إسرائيل الأمنية ومطالبها التطبيعية، إلا في 27 فبراير من العام الجاري. أوردت صحيفة "النيورك تايمز" خبر هذا الاعتراف على النحو التالي: "أبلغ اليوم رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك مجلس وزرائه أن إسحاق رابين .. كان قد قدم ضمانات بأن إسرائيل سوف تنسحب انسحاباً كاملاً من مرتفعات الجولان مقابل التزامات أمنية من سوريا ... وبدأ السيد باراك وكأنه يؤكد ما كانت قد أكدته سوريا طويلاً – وهو أن السيد رابين قد ترك "وديعة" لدى الأمريكيين، وهي عبارة عن وعد لاتمام انسحاب كامل إن لبت سوريا مطالب إسرائيل بشأن الأمن". (28 فبراير 2000)

على الرغم من ذلك كله أظهر الجانب السوري مرونة فائقة جداً في المفاوضات التي جرت في بلدة شيبردزتاون في ولاية فرجينيا الغربية في مطلع العام الجاري وذلك في محاولة جديدة لاختبار نوايا إسرائيل بدقة وبالعمق بالنسبة لتنفيذ الشق الثاني من مبدأ "السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل" ويمكننا استشفاف هذه المرونة، ورد الفعل الإسرائيلي السلبي عليها، من مسودة اتفاقية السلام التي صاغها الطرف الأميركي، استناداً إلى ما جرى في المباحثات، وسلمها إلى الوفدين المتفاوضين قبل مغادرتهما الأراضي الأميركية.

وجدير بالإشارة هنا أن تسريباً جزئياً لمحتويات الوثيقة الأمريكية جرى إلى صحيفة "الحياة" بتاريخ 9 يناير 2000 ، تبعه نشر نصها الكامل في صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية بتاريخ 13 منه. وواضح من هذه الوثيقة أن سوريا تعاملت بمنتهى المسؤولية والرزانة والمرونة مع المطالب الإسرائيلية الأساسية وأهمها:

·                   الاعتراف من جانب سوريا بأن خط الرابع من يونيو 1967 هو خط عسكري وليس حدوداً وإنه قابل للتعديل وفقاً للطبيعة الجغرافية والطبوغرافية للأرض (الحياة 9 يونيو 2000) لذا علقت صحيفة "هاآرتس" على هذه المسألة في تقديمها نص مسودة المعاهدة بقولها: "وفقاً للوثيقة الأميركية لا يوجد خلاف بين سوريا و إسرائيل حول عدم وجود خط حدود واضح بين البلدين ". (13 يناير 2000)

·                   الموافقة على إنشاء محطة أرضية للإنذار المبكر في جبل حرمون (جبل الشيخ) تكون تحت الاشراف الأميركي والفرنسي المشترك بالكامل .. أو وفقاً لنص مسودة المعاهدة : "السماح لإمكانيات للإنذار المبكر بما في ذلك محطة أرضية للإنذار المبكر في جبل حرمون يجري تشغيلها من جانب الولايات المتحدة وفرنسا على مسؤوليتهما الكاملة وتحت اشرافهما التام". جدير بالذكر هنا أن محطة المراقبة الأرضية كانت محط خلاف حاد بين سوريا و إسرائيل حتى بعد انقطاع المفاوضات ميريلاند في مارس 1996.

·                   يتناول البند الثالث من مسـودة المعاهدة قضية العلاقات السـلم العادية (أي التطبيع) بين البلدين بتوسع كبير وبأدق التفاصيل وتتراوح النقاط الوارد ذكرها في النص بين إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وتبادل السفراء من ناحية وحرية السياحة والسفر والتجارة من ناحية ثانية، مروراً بالطرقات السكك الحديدية والمرافئ والشحن والطيران المدني والبريد والبرق والهاتف والفاكس والتلكس والكهرباء واللاسلكي إلى آخر اللائحة الطويلة الواردة في البند الثالث من المسودة.

بالمقارنة مع هذه المرونة السورية غير المسبوقة قام الجانب الإسرائيلي:

·                   بتعطيل اجتماعات وأعمال اللجنة المشتركة المسؤولة عن رسم الحدود بين البلدين في الوقت الذي اجتمعت فيه اللجان الأخرى، أي اللجان المسؤولة عن قضايا المياه والأمن والتطبيع. هذا على الرغم من أن مسودة المعاهدة تنص تحديداً وصراحة على أنه تم تشكيل لجنة مشتركة للحدود، ولا تنص على تشكيل اللجان الأخرى، إضافة إلى أن الاتفاق كان قد تم في واشنطن عند إنشاء هذه اللجان في ديسمبر 1999 على أن تجتمع كلها متزامنة وتقوم بوظائفها في وقت واحد أي بحيث تعمل كل لجنة بشكل متواز مع باقي اللجان. وقد ذكرت بعض المصادر الموثوقة بها والمضطلعة أن باراك عطل عمل لجنة الحدود، بمسايرة من الرئيس كلينتون، لأنه يرفض البحث في موضوع رسم خط الحدود إلا مع الرئيس حافظ الأسد شخصياً. عنى هذا بدوره بقاء الشرط الإسرائيلي المسبق لحدوث اختراق حقيقي على المسار السوري على حاله، أي موافقة سوريا على عقد اجتماع قمة بين الأسد وباراك.

·                   بالحؤول دون ورود عبارة "الانسحاب" في نص مسودة المعاهدة كلها وبأي شكل من الأشكال والاستعاضة عنـها بعبارة "إعادة تموقع القـوات الإسرائيلية " (Relocation) على الرغم من أن عملية التفاوض برمتها كانت تجري لإيجاد الصيغ العملية المناسبة لتطبيق مبدأ "السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل" على الأرض.

·                   بترك مسألة جلاء المستوطنين من الجولان عالقة وغامضة في نص مسودة المعاهدة وكأن "الانسحاب" الكامل هو إعادة تموضع عسكري فقط لا يطال بالضرورة الاستيطان المدني أيضاً.

لم أفاجأ على الإطلاق حين رد الرئيس الأسد في قمة جنيف مع الرئيس كلينتون في شهر مارس 1999 الصاع صاعين للطرفين الأميركي والإسرائيلي بسحبه جملة وتفصيلات المرونة كلها التي كانت سوريا قد أبدتها في مفاوضات شبردزتاون مما أدّى إلى إخفاق الاجتماع وخروجه بلا نتائج ملموسة.

حين كانت أجهزة الإعلام الأمريكية تصف موقف الرئيس الأسد في قمة جنيف الأخيرة بـ "العناد" و "التحجر" و"التصلب" و"التمرس" وما إليها، كانت دمشق ترى في صلابته رداً مناسباً على ما حدث في مفاوضات واشنطن وشبردزتاون وتصفية لحسابات ظلت عالقة لغير مصلحة سوريا في تلك الجولة من المحادثات.

وجدير بالملاحظة كذلك أنه ما أن تمت تصفية الحسابات المذكورة حتى عادت سوريا للتعبير عن رغبتها في تجديد المباحثات لإيجاد الصيغ العملية الملائمة لتطبيق مبدأ "السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل" على الأرض، خاصة بعد اضطرار إسرائيل المشهود للخروج من جنوب لبنان بقرار من طرف واحد وهو القرار الذي حاولت إسرائيل تجنبه والتهرب منه لأطول فترة ممكنة .. على سبيل المثال، حين اقترح وزير الدفاع اللبناني أن ترافق قوات سورية الجيش اللبناني عند دخول الجنوب للحلول محل قوات الاحتلال المنسحبة قتل وزير خارجية سوريا، السيد فاروق الشرع، الفكرة من أصلها وفي بيروت ذاتها بإعلانه إننا نسير نحو السلام والمفاوضات وليس الحرب.

وفي الفترة ذاتها أجرت مجلة "الوسط" مقابلة مطولة مع الدكتور بشار الأسد تناول فيها عملية السلام بطريقة إيجابية جداً جعلت صحيفة "النيورك تايمز" تكتب عنها وتصفها بالعبارات التالية: في واحدة من أكثر الرسائل الصادرة عن دمشق تفاؤلاً منذ انهيار المحادثات السورية الإسرائيلية في يونيو الماضي، قال نجل الرئيس حافظ الأسد في مقابلة معه أن اتفاقاً للسلام مازال ممكناً وإن الوقت لم يتأخر والزمن لم يفت بعد، كما أن المواقف التي يجب اتخاذها والعمل عليها معـروفة بالتفصـيل وهناك حاجة لاتخـاذ قـرار والوقـت المتوفر كاف لاتخاذه. (18 أبريل 2000)

بعد أن صار الدكتور بشار الأسد رئيساً للجمهورية العربية السورية، تدل المؤشرات كلها على أنه لم يتراجع عن موقفه هذا. ويعزز هذا الاستنتاج بقاء الموقف السوري الرسمي من عملية السلام على حاله حتى بعد اندلاع انتفاضة الشعب الفلسطيني الثانية ضد الاحتلال في أواخر شهر سبتمبر 2000 (انتفاضة الأقصى). في الواقع قام الرئيس السوري الشاب بتأكيد هذا الموقف مجدداً في مناسبتين مهمتين هما:

                 1-    المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده مع الرئيس حسني مبارك في القاهرة في مطلع شهر أكتوبر 2000 بعد مباحثاتهما المطولة ("الأهرام" 2 أكتوبر 2000) .

                 2-    الخطاب الهام الذي ألقاه الرئيس الأسد في مؤتمر القمة العربية المنعقد في القاهرة في النصف الثاني من شهر نوفمبر 2000 بغرض دعم انتفاضة الشعب الفلسطيني والتباحث في آثارها على عملية السلام برمتها ("الأهرام" 22 نوفمبر 2000).

بعبارة أخرى لم يطرأ أي تبديل يذكر على الموقف السوري الرسمي من مسألة السلام مع إسرائيل على الرغم من أن انتفاضة الأقصى أدّت إلى:

1-             نسف التزام باراك العلني بالاستمرار بالتفاوض مع القيادة الفلسطينية حتى إنجاز إطار لتسوية دائمة مع الفلسطينيين وباستكمال مفاوضات الوضع النهائي قبل نهاية عام 2000

2-             إلغاء الموعد الذي كان قد حدده عرفات لإعلان قيـام الدولة الفلسطـينية، أي قبل عام 2000.

3-             إحراج الدول العربية الراغبة بشدة في إتمام عملية السلام على الجبهات كلها في أسرع وقت ممكن (مصر، المملكة العربية السعودية، الجزائر، المغرب..) ودفع دول عربية مثل تونس والمغرب وقطر وعمان إلى قطع علاقاتها بإسرائيل وهي العلاقات التي كانت قد تأسست استناداً إلى اتفاقية أوسلو المعروفة.

4-             تفويت الفرصة على الرئيس الأميريكي بيل كلينتون بإنهاء فترة رئاسته بإنجاز كبير وصاخب ودائم في منطقة شديدة الاضطراب والحيوية مثل الشرق الأوسط.

5-             إحباط الرغبة السورية بإنهاء الصراع مع إسرائيل بشروط معقولة تعيد هضبة الجولان إلى السيادة السورية مما كان من شأنه تمكين البلد تركيز اهتمامه على معالجة مشكلاته الداخلية المتفاقمة وعلى إجراء الإصلاحات الملحة المطلوبة في ظل الضغوط المتزايدة التي يمارسها النظام العالمي المعولم لما بعد الحرب الباردة.

ويبقى الرأي المدروس أنه حين يحل السلام مع إسرائيل، لن يكون ساعتها سلام الشجعان بقدر ما سيكون سلام المتعبين والمنهكين والمستهلكين.

ـــــــــــ

*باحث ومفكر سوري