صليبا مراد*

السادة في هيئة تحرير "مقاربات" المحترمين

تحية المواطنة وبعد.

أقول بمحض الصدفة وقعت يداي على مطبوعتكم مقاربات – العدد الأول- تصـفحتها بدافع الفضول ومع اختلافي مع خط المجلة وأولوياتها السـياسية، وتحفظي على العديد من المواد التي إحتوت العدد، لكن مقالة بعنوان "شعب منسي ودستور غائب– قراءة في المسألة الكردية في سورية-" لفتت إنتباهي كثيراً، وعكفت على دراستها علّني أجد ما أضيفه إلى معلوماتي عن المسألة الكردية في بلادنا، لقد كانت خيبتي جسيمة...

أسميتها مقالة ولم أقل بحثاً لأن البحوث تكون عادة موثقة، مدعومة بمراجع واستشهادات واضحة تمكن الدارس من العودة إليها إذا أراد التأكد من صحة ما يدّعيه صاحب البحث. أما المقالة التي نحن بصددها فعدا عن أنها تفتقد التوثيق والمرجعية فإن صاحبها يوحي أنه يستشهد باختصاصيين لكنه يقدم على استعارات مبتورة لتخدم غرضه مثل يصرّ العلامة "مار" صفحة 72، فمن هو مار هذا وما اسمه الكامل وأين أورد إصراره هذا. في الحقيقة لو أردنا الرد على ما جاء في المقالة ونقدها لاحتاج الأمر ضعف عدد الصفحات التي تنبسط عليها المقالة وهي 13 صفحة، مما لا يتسع المجال في مجلتكم لنشر ذلك إلا إذا خصصتم عدداً كاملاً لذلك. فلهذا سأتناول بعض النقاط التي وردت فيها حصراً دون أخرى سعياً لبيان الحقيقة آملاً أن تتمكن من نشرها، وأن تمتنعوا مستقبلاً عن نشر المواد التي تفتقد الموضوعية، وتصب في خانة الدعاية المحضة "PROPAGANDA" مما يتعارض مع الدراسات الفكرية والحقوق المدنية. وقبل أن أبدأ ملاحظتي على المقالة وما جاء فيها أريد أن أؤكد أنني لا أضمر لمواطني بلادي من الأكراد سوى الحب والتفهم للظلامات التي وقعت بهم وتعرضوا لها مثلهم مثل باقي أقليات بلادي في حقـب معينة أرفض أن أسمي بينها العقود الثلاثة الأخيرة في سـورية، كما أنني أعترف أن "الخطاب العروبي الأحادي كان خطاباً إقصائياً وقد أثبتت التجربة فشله" كما يقول أدونيس. وأعتقد أن مصير الأكراد والسريان وباقي الأقليات من مصير أخوتهم في الوطن، الحل الأمثل هو وحدة بلاد الشام والعراق وقيام النظام العلماني فيها ليزول الحيف عن البعض، ولتكتمل الدورة الاقتصادية والاجتماعية، التي مزقتها اتفاقية سايكس-بيكو المشؤومة، فيتمتع إنسان بلادنا بحياة عزيزة كريمة، أما ملاحظاتي فتتناول:

1- المغالطات والأخطاء المقصودة والبعد عن الدقة:

·        يبدأ الكاتب بمساحة 500 ألف كيلومتر مربع "لكردستان" (صفحة 72)، ثم يزيده في مكان آخر ليتجاوز 550 ألف كيلومتر مربع (صفحة 73).

·        يقول أن مساحة "كردستان الغربية الملحقة بسورية" تبلغ 18 ألف كيلومتر مربع أي 16 بالمئة من مساحة سورية (صفحة 75)، وكأنه يجهل الحساب والرياضيات إذ أن مساحة سورية الحالية 185 ألف كيلومتر مربع بينما هو يعتبرها 112.500 ألف كيلومتر مربع.

·        في تسمية الكرد (صفحة 73) يقول أن السومريين أسموا الأكراد "كوت، جوتي" ويعني" Goti" ، أليس اسم كوردوفا الاسبانية أقرب من "Goti" لكلمة الكرد،أو كرديفان في السودان، وتكون بذلك كردستان ذو حدود تمتد من إسبانيا في الشمال إلى السودان في الجنوب، إلى جورجيا وأرمينيا في أقصى الشرق طبعاً مروراً في مصر التي وصلها صلاح الدين الأيوبي ودمشق وحمص وحماه وحلب، والتي فيها بعض المواطنين من الأكراد.

·        يقول أن الأتراك أطلقوا اسم دياربقر على آماد بينما الصحيح أن دياربكر، كديار ربيعة تسمية عربية والجميع يعلم أن حرف القاف غير موجود أصلاً في اللغة التركية ليسمونها "دياربقر" (صفحة 73) كما يدّعي، أما اسم آمد والذي يريد الإدعاء أنه الاسم الكردي للمدينة فهو سرياني، والمدينة كانت مقر البطريرك السرياني واسمها أميدو "Amido".

·        مذبحة سينما عامودا بتاريخ 13/11/1960 (صفحة 81)، يتهم الكاتب السلطات السورية بافتعال الحادث عمداً، وهذا انتهاك لقدسية الحقيقة، إذ أن السينما بحد ذاتها كانت بناء قديماً والفيلم الذي عرض كان عن المناضلة الجزائرية "جميلة بوحيرد"، وعرض في جميع المدن السورية ومنها الجزيرة وحضره جميع تلامذة المدارس، ولأن السينما بقيت تعرض الفيلم عشرات المرات في اليوم الواحد مما رفع درجة حرارة آلات العرض فاشتعل الفيلم وانتقلت النار إلى صالة العرض المقتظة بالتلاميذ، وبسبب الهلع والفوضى إلتهمت النيران عدداً من الأطفال الأبرياء من جميع الطوائف "لأن المدرسة مدرسة رسمية"، ولم تكن مدرسة فقط للتلاميذ الأكراد، وقد هرعت فرق الإنقاذ من القامشلي لكنها وصلت متأخرة، وكنت أنا ضمن طلاب الفتوة الذين وصلوا مكان الحادث وساهموا في عمليات رفع الأنقاض.

·        يقول: "سبق وتقدم الحزب السـوري القومي الاجتـماعي كتاباً حول تهجير الأكراد من كردستان العراقية وإسكان عرب أقحاح بدلاً عنهم"...الخ (صفحة 77)، وهذا محض إفتراء إذ أن الحزب السوري القومي الاجتماعي أصلاً إحتضن خلال تاريخه الطويل جميع الأقليات، والحزب اتُّهم من قبل العروبيين بمعاداة العروبة، وهذا الحزب يعتبر كل أبناء سورية الطبيعية من طوروس إلى سيناء ومن زاغروس إلى المتوسط أبناء وطن واحد وقومية واحدة يستمدون هويتهم من الوطن، الذي يحيون فيه وليس من عنصر أو عرق أو سلالة، بل هو الحزب الوحيد ذو الايديولوجية الواقعية "كما يقول الشاعر شوقي بغدادي في مقابلة تلفزيونية على قناة MBC السعودية.

·        يقول: "ويسود التسامح الديني بين الأكراد عموماً" (صفحة 74)، ليناقض ما قاله قبل أسطر أربعة سبقت قوله حيث يؤكد أن "اليهود الأكراد هرب معظمهم (من كردستان) نتيجة للضغوط من الأكثرية المسلمة"، وهذا منتهى التسامح (بدون تعليق).

·        يقول: أن هناك أكراد مسيحيين، يزيديين، ويهود (صفحة74)، أما المسيحيون فهم بعض السريان والأرمن الذين نجوا من المجازر العثمانية لعامي 1914-1915، فلجؤوا إلى بعض القرى الكردية وتعلموا اللغة الكردية، وليس هناك من يقبل الهوية الكردية منهم. واليزيديين أقرب منهم للآشوريين من الأكراد كما يقول الأمير معاوية أحد زعماء اليزيديين في ألمانيا لمجلة حويودو. أخيراً إذا كان اليهودي يرفض أمريكيته وأوروبيته فهل يقبل بكرديته؟.

·        تسمية صاحب المقالة لزيت الزيتون بالكردي، فهل زيت معاصر الجبور هو أورثوذكسي؟ والقطن الذي كان ينتجه أصفر ونجار أخوان في مزارع الجزيرة هل يمكن تسميته بالسرياني؟ وعنب جبل حوران هل نسميه عنباً درزياً؟ فأين روح البحث العلمي في هذه الترهات؟.

·        يسمي مدينة رأس العين بـ"سري كامي" فهو يحاول تكريد الأسماء التي لم تكن ذات يوم كردية، وأنا لا أخفي إمتعاضي من مجرد تغيير أسماء المناطق سواء أكان ذلك تتريكاً أوتعريباً أوتكريداً، لأن هذا يكشف مدى هشاشة حرصنا على التراث والموروث "أنا لاأزال أسمي المالكية بديريك أسمها الأصلي".

2-  هذه القسمة لجغرافية كردستان (صفحة 73):

شمالية 285 ألف كيلومتر مربع، شرقية 125 ألف كيلومتر مربع، جنوبية 72 ألف كيلومتر مربع، غربية 18 ألف كيلومتر مربع، إضافة إلى نتوءات في جورجيا وأرمينيا، أتساءل من أين لصاحب المقالة هذه الأرقام والتسميات، ومن هم الجغرافيين والطبوغرافيون الذين قاموا بعمليات المسح، ووضعوا بين يديه هذه "الحقائق"؟ وما المراجع التي إعتمدها؟ أم أن كل هذا جزء من برنامج أحد الأحزاب الكردستانية؟ وإذا كان الأمر كذلك فهذا يثبت قولي في المقدمة أن المقالة مجرد كلام إدعائي "Propaganda" مما لايجوز نشره في مطبوعتكم.

3-  في منطقتنا ثلاث لغات كردية رئيسية هي السورانية، الكرمنجية، الفيلية، يكاد الناطق بإحداها لايفهم ما يقوله الناطق بالأخرى. وبعضها أقرب إلى الفارسية من قربها لشقيقتها الأخرى، فهل نسمي الفرس أيضاً أكراد؟ ومتى كانت اللغة تحدد قومية الشعوب؟ وهل البلجيكيون والسويسريون يقبلون لأنفسهم القومية الفرنسية؟...الخ

4-  تقول الموسوعة البريطانية المجلد السابع صفحة 948 عن الأكراد:

أنهم شعب لجبال زاغروس وللامتداد الشرقي لسلسة جبل طوروس...، وأن لغتهم إيرانية بشكل قاطع للجدل.

أخيراً لقد قال المناضل الكبير عبد الله أوجلان مراراً أنه: لاوجود لكردستان في الجمهورية العربية السورية، بل هناك أكراداً نزحوا إلى سورية من مظالم العثمانيين ومن ثم الأتراك. أرجو ألا أكون قد خدجت أو أثرت مشاعر الأخ ربحان رمضان صاحب المقالة، بل أن يدفعه ذلك للتحلي بروح البحث العلمي خاصة إذا تطرق لمواضيع تاريخية، وشائكة كالمسألة الكردية ومسائل الأقليات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

·        سياسي وباحث سوري مقيم في السويد

ملاحظة من التحرير:

نشكر السيد مراد على مقالته التعقيبية ولكن نأسف لأن نرفض الاستجابة لمنطق المنع أو الرقابة باسم الموضوعية. فليس من الدقيق على سبيل المثال لا الحصر اعتبار تصريح السيد أوجلان يتسم بالموضوعية والتحليل العلمي ومعروفة دوافعه وأسبابه. ومع هذا نشرنا تعيقب السيد مراد كحق طبيعي في فتح الحوار النقدي بين أطراف مختلفة في التقييم والرؤى. وإن كان من مصدر اعتزاز لهيئة التحرير، فهو قدرة "مقاربات" على جمع كل الأطراف الموجودة في الساحة الأممي منها والقومي، العلماني والديني، الليبرالي والاشتراكي. وأملنا أن لا يكون الجمع بالتكديس بل بالمناظرة والنقد والحوار البناء ورفض فكرة الاستقصاء.