"مفكرة سفر :مشهد يومي من الجولان"

تخيل وادياً، أنت في جوف الوادي وتشاهد على بعد 500م منك قرية معلقة على منحدر الجبل، قرية مثل عشرات القرى التي اجتازتها للتو،بينك وبين القرية مركز مراقبة، مرقب تشغله قبعتان زرقاوان للأمم المتحدة، منظار مشدود على العينيين، رقعة أرض بلا زرع، ثم سياج يتعرج على مد النظر.

أنت هناك صامت، ترى مجموعة من أربع أو خمس نساء على بعد 100-500 متر من السياج "الشريط", وفجأه يمزق الصمت صوت منقول بمكبر...صوت فتاة :

مرحباً ياخالي...، أهذا أنت؟ كيف حالك، كيف حال العائلة؟ يتناول رجل ناقل صوت ويجيب،...

وتبدأ محاورة حميمة، عائلية، تكاد تخجل لسماعها لكونها شخصية إلى درجة كبيرة، ومؤثرة جداً –يقطعها البكاء من الجهتين.

هكذا يتحادث فيما بينهم أفراد عائلة واحدة، شعب واحد، جزء من العائلة موجود معنا على الأرض السورية أما النساء فهن موجودات على أرض الجولان السورية المحتلة من قبل الجيش الإسرائيلي، منذ الاحتلال لم يتمكن أفراد العائلة من الإلتقاء أبداً .

شاهدنا خلال تلك المحاورة التي استمرت ما يقرب ثلاثين دقيقة رجالاً ينزلون من القرية،من ثمانية إلى عشرة رجال تقريباً،يصلون إلى جوار النساء ثم يتدخلون في المحاورة:"نحن معلمين من هذه القرية،اليوم 5 حزيران.

القرية كلها مضربة بمـناسبة الغزو الإسـرائيلي عام 1967، المدارس مغلقة، المحلات مغلقة، المدينة قاحلة، إننا مستمرون في نضالنا..."، وتستمر المحاورة في جو غير طبيعي البتة، وتضعف ناقلات الصوت، ومخاطبونا يؤكدون تضامنهم مع الانتفاضة،ويعلمونا بأن وفداً من القرية سيشارك في مأتم-مانديلا فلسطين- الذي استشهد قبل 48 ساعة،بعد 21 عاماً من الاعتقال في السجون الصهيونية (عمر قاسم). ثم إنه الوداع المؤثر، المؤلم، وداع بين العائلات تلفه الثقة بعودة الجولان إلى الوطن السوري.

نعود إلى باصاتنا، نراهم يعودون إلى قريتهم في زمر من ثلاث فروع، تغرق العيون بالدمع، يخنقنا الغضب، يسود الصمت التام بيننا نحن المجموعة المؤلفة من 70 شخصاً،فكرة تثير خواطرنا، نحن نرحل...أما هم فيبقون. ماذا سيحصل؟ كيف سيكون رد فعل جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يظهر نفسه خلال كل المحاورة؟

-الجواب عرفناه صباح في اليوم التالي ،أثناء تناول الإفطار في الفندق، بعد ساعتين من رحيلنا،قام الجيش باعتقال حوالي 20 شخصياً معظمهم من المعلمين. وغالبية هؤلاء اللواتي والذي تحادثوا معنا.

نظم السكان مظاهرة احتجاج للاعتراض على هذه الاعتقالات،فتح الجيش.     

النتيجة:

طفل قتل وأخر أصيب بجروح بليغة.

كي لا تعود فنرى من جديد مشاهد مثل هذه، علينا أن ندافع عن أهالي الجولان المحتل.

        جيرار مونتال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مقال للسيد جيرار مونتال الأمين العام للاتحاد الدولي لنقابات المعلمين، كتب في مجلة ريفو الصادرة عن الاتحاد النقابي الدولي للمعلمين – العدد رقم 1 لعام 1990 ،وذلك بعد أن زار منطقة الشريط الحدودي مقابل مجدل شمس وذلك يوم 5/6/1989 .