ســــوريــــة

مشروع ميثاق شرف وطني للعمل السياسي

"أوراق أوليّة"

"وتعاونوا على البرّ والتقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، واتقوا الله"

هذه الأوراق…

تمثل هذه الأوراق أفكاراً أوليّة، تطرحها جماعة الإخوان المسلمين في سورية، حول قواعد العمل السياسي وضوابطه ( الثوابت ـ الأهداف ـ الأسس والالتزامات.)

وهي أوراقٌ مطروحةٌ للحوار، لإنجاز ميثاق شرفٍ وطنيّ ، ينظّم مسيرةَ العمل السياسيّ ، في مرحلةٍ من أدقّ المراحل؛ في التحوّلات السياسية الدولية والإقليمية والداخلية. فقد ولّى الزمن الذي يدّعي فيه حزبٌ أنه الوطن ، وقُصارى أمرِ أيّ فريقٍ سياسيّ، أن يأخذ مكانه على الخريطة الوطنية، بالحجم الذي تمنحه إيّاه مُرتَسماته الواقعيّة، عَبرَ صناديق اقتراعٍ حرٍّ ونزيه.

المبادرة..

إنّ مبادرتنا بالتقدّم بهذه الأوراق الوطنية، لا تنتقصُ من حقوق الآخرين، في أن تكونَ لهم رؤيتُهم (الكليّة) أو (الجزئيّة) في تطويرِ هذا المشروع، أو تعديلِه، بما يُتيحُ له قبولاً أوسع، عند دوائرَ أكثر، من أبناء شعبنا الحرّ الأبيّ.. من خلال مُعطَيات الحوار الإيجابيّ البنّاء.

ومن هنا تأتي دعوتنا إلى المشاركة في الحوار حولَ مشروع هذا الميثاق، مفتوحةً لجميع القوى السياسية، والشخصيات العامة (الفكرية والثقافية..)، فتَحتَ خيمة الحوار الوطنيّ، ليس أحدٌ بأولى بالوجود من أحد، وليس لأحدٍ أن يفرض الوصايةَ على أحد. وربما وضّح الحوارُ مبهماً، أو رَدَمَ هوّة، أو ضيّق فُرجة، وكلّ هذا مما يوحّد الموقف، ويدفعُ المسيرة، ويُعلي البنيان.

إن المطلب السياسيّ الأول، الذي ينبغي أن تجاهد جميع القوى السياسية من أجله، هو تثبيتُ حـقّها في وجودٍ رسميّ قانـونيّ، تحملُ عبئَها الوطنيّ من خلاله، وربّما من المفيد أن نؤكّد أنّ هذه القوى على اختلاف توجّهاتها، إنما تستمدّ شرعيّتها من وجودها الواقعيّ المتمثّل في جماهيرها، لا من قانونٍ يوقّع عليه قلمٌ رسميّ، و لا من وثيقةٍ يتلوّن حبرُها مع تلوّن الزمان.

أولا ً : في الثوابت

إن الإيمانَ ( بالحوار)، والدعوةَ إليه، لا يمكن أن تكون في (المطلق)، ولا أن تنشأ في (الفراغ)، فلسنا (نحن السوريين) نجماً فَقَدَ موقعَه، أو كوكباً أضـاعَ مدارَه، بل إنّ لنا وجوداً ثابتاً وراسخاً على خريطتي الزمان والمكان. وبالتالي فإنّ دعوتَنا إلى الحوار، ترتكزُ تلقائيّاً على مجموعةٍ من الثوابت يُفقِدُ الأمةَ تجاوزُها، وجودَها وقوّتَها وتَميّزها بين العالمين…

وأول هذه الثوابت أن (الإسلام) بمقاصده السامية، وقِيَمه العليا، وشريعته السمحاء؛ يشكّل مرجعيّةً حضاريّة، وهويّةً ذاتيّةً، لأبناء هذه الأمة، يحفظُ عليها وجودَها، ويُبرز ملامحَ خصوصيّتها، و يشكّل مضمونَ خطابها للناس أجمعين.

والإسلام بالنسبة لأبناء قطرنا العربي السوري، إما مرجعيّةٌ دينية، أو انتماءٌ حضاريّ؛ فهو بالتالي كلّيّ جامعٌ لأبناء الوطن، موحِّدٌ بينهم، حافظٌ لوجودهم..

وثاني هذي الثوابت انتماء قطرنا العربي السوري إلى منظومته العربية، هذا الانتماء الذي ينبغي أن يُعتبَرَ أساساً في بناء أيّ استراتيجيةٍ سياسيةٍ مستقبلية. وإنه لمن الضروريّ أن يعبّر هذا الانتماء عن نفسه، في تجسّدٍ واقعيّ فعّال، يوثّق الروابط، ويؤكّد العلائق، ويسير بالأمة في طريق التوحّد، ضمن سياساتٍ منضبطةٍ ومدروسة، ولا يجوز أن يبقى متمثّلاً في رؤى ذهنية، أوفي مشاعرَ أو أحلامٍ عاطفية.

 ثم إن المواجهةَ بين العروبة والإسلام، كانت عنوانَ مرحلةٍ تاريخيةٍ تصرّمت، ولقد نشأت تلك المواجهةُ عن عواملَ من الانفعال وسوء الفهم، وحمّى الإيديولوجيا التي سادت المناخَ العامّ في فترات ما بعد الاستقلال.

وكما كان انتماء قطرنا إلى إسلامه هويّةً ومرجعية،ً غيَر مُضرٍّ بوحدته الوطنية، فإن انتماءه إلى عروبته، لا يحمل أيّ بُعدٍ عنصريّ أو استعلائيّ، حيث يجد أبناء الوطن أجمـع، سـرّ مواطنتـهم في روح العـدل و التآخي والمسـاواة، والمشاركة التاريخية في سرّاء الوطن و ضرّائه على حدٍّ سواء..

وثالث هذه الثوابت: إنّ تأكيداتنا السابقة على المرجعيّة والهويّة والانتماء؛ لا تحول أبداً بيننا و بين الاستفادة من تجارب الأمم، وخبرات الشعوب، ومُعطَيات العصر الذي نعيش. بل إننا مدعوّون حسب مُرتَكزاتنا الحضارية، إلى أن نخوضَ غِمارَ التنافس إلى أقصى مداه، ليكون لنا فيه فضلُ السبق، وأولويّة التمكين … وتبقى الحكمةُ بكلّ أبعادها، ضالّتَنا، أنّى وجدناها فنحن أحقّ بها و أهلُها…

ثانياً : في الأهداف العامة

يسعى الموقّعون على هذا الميثاق، من خلال جهدهم السياسيّ النظريّ والعمليّ، إلى تحقيق الأهداف العامة التالية:

الهدف الأول: بناء الدولة الحديثة

وللدولة الحديثة تجسّداتها الملموسة في الحياة الواقعية التي تشمل الفردَ والمجتمع…

فالدولة الحديثة، دولةٌ تعاقديّة، ينبثق العقد فيها عن إرادةٍ واعيةٍ حرّةٍ بين الحاكم والمحكوم. والصيغة التعاقديّة للدولة هي إحدى عطاءات الشريعة الإسلامية للحضارة الإنسانية.

والدولةُ الحديثة دولةٌ مؤسّسيّة، تقوم على (المؤسّسة) من قاعدة الهرم إلى قمّته. كما تقوم على الفصل بين السلطات، وتأكيدِ استقلاليّتها. فلا مجالَ في الدولة الحديثة لهيمنة فردٍ أو سلطةٍ أو حزب، على مرافق الدولة، أو ابتلاعها.

وفي الدولة الحديثة، تعلو سيادة القانون، ويتقدّم أمنُ المجتمع على أمنِ السلطة، ولا تحلّ فيها حالةُ الطوارئ مكانَ الأصل الطبيعيّ من سيادة القانون.

والدولة الحديثة، دولةٌ (تداوليّة)، ومن هنا جاء الاشتقاق اللغويّ لكلمة (الدولة)، وتكون صناديقُ الاقتراعِ الحرّ والنزيه، أساساً لتداول السلطة بين أبناء الوطن أجمعين… والدولةُ الحديثة.. دولةٌ تعدّديّة، تتباينُ فيها الرؤى، وتتعدّدُ الاجتهادات، وتختلفُ المواقف، وتقوم فيها قوى المعارضة السياسية، ومؤسّسات المجتمع المدنيّ، بدور المراقب والمسدّد، حتى لا تنجرف الدولة إلى دائرة الاستبداد أو مستنقع الفساد.

ودور الجيش في الدولة الحديثة يتركّز في الدفاع عن الوطن وفي حمايته من أيّ عدوانٍ خارجيّ. ويكون شرفُ الانتماء لهذه المؤسسة الوطنية، حقاً عامّاً لجميع المواطنين، على أسسٍ من المساواة والعدل.

الهدف الثاني: مواجهة تحدّي البناء العام..

بناء الإنسان الفرد تربيةً ووعياً وسلوكاً والتزاماً، في عصرٍ تعصِف فيه

رياحُ العولمة الهوجاء، بروح الإنسان وخصوصيّته وانتمائه…

وبناء المجتمع… المتكافل المتضامن، الذي تسوده المحبّة والإخاء، وروحُ العـدالة الاجتمـاعية في صـورتَيها: (الأصيلة) وما فيـها من تلاحـمٍ وتعـاون، و(المعاصِرة ) وما فيها من تنظيمٍ ومؤسّساتية..

وبناء مؤسّسات المجتمع المدني بوحداتها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والمهنية، لتأخذَ دَورَها في حماية المجتمع وترشيده..

وبناء روح (الإنجاز) وقبولِ التحدّي، ومقاومةِ كلّ أشكال الاسترخاء، والتواكل، والأنماط الاستهلاكية المدمّرة والكَسلى…

وبناء النظم والآليات التي تُعين على استغلال ثروات الوطن، وتوظيفها في تطويره ونمائه، والحفاظ على كرامة أبنائه..

وبناء الضوابط والقواعد التي تحول دون انتشـار الفسـاد بأشكاله وألـوانه، وحياطة المال العام، وصَون ثروات الوطن…

وبناء خطط التنمية العامة، لإخراج القطر من رهق المديونية، وأسر صندوق النقد الدولي واشتراطات النظام العالميّ الجديد.

الهدف الثالث : التصدّي للمشروع الصهيونيّ

يشكّل المشروعُ الصهيونيّ، بأبعاده العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية، الخطرَ الأكبرَ الذي يهدّد أمتنا وقطرنا، ويستدعي جَمعَ القوى، وحشدَ الطاقات للتصدّي له… وهو مشروعٌ يسعى للسيطرة على الإنسان والأرض والثروة.

يؤكّد الموقّعون على هذا الميثاق، عروبةَ الأرض الفلسطينية، وحقَّ الشعب الفلسطينيّ في العودة الكريمة إلى أرضه ودياره، وتقرير مصيره، وبناء دولته المستقلّة..

يتمسّك الموقّعون على هذا الميثاق، بالأرض السورية المحتلّة، ويتعاونون ويتعاضدون لاستعادتها كاملةَ السيادة.

يضع الموقّعون على هذا البيان، الخططَ والبرامجَ والآلياتِ المناسبة، لمقاومة المشروع الصهيونيّ بأبعادِه كافّة، ولتعزيز سياسات المقاطعة، ووقف عمليّات التطبيع والحديث الملحون عن (سلامٍ) يُمكّن للعدوّ في الأرض، أو في الثروة، أو في إرادة الإنسان..

الهدف الرابع : السعي إلى تحقيق الوحدة العربية

إنّ السعي لتحقيق الوحدة العربية على أسـسٍ متينةٍ من الروابط الاجتـماعية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية.. واجبٌ شرعيّ، وضرورةٌ قومية. وإلى أن تتوفّر الشروط الموضوعيّة لهذه الوحدة ، لا بدّ من العمل على إعادة التضامن العربيّ، وتجاوز كلّ الخلافات البينيّة، وفتح الحدود بين جميع الدول العربية، وإقامة سوقٍ عربيةٍ مشتركة، للارتقاء بالعـلاقات العـربية العربية، إلى مستوى التحدّيات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تواجه الأمة..

ثـالثـاً: أسسٌ والتزامات

يؤكّد الموقّعون على هذا الميثاق…

 

1 - أنّ المواطنَ الحرّ الموفورَ الكرامة، هو أساسُ بناء الدولة الحديثة، وإنّ أيّ إصلاحٍ سياسيّ، أو اقتصاديّ، أو اجتماعيّ.. لا يمكن تحقيقه إلاّ من خلال احترام الإنسان وتكريمه، ورعاية حقوقه الإنسانية، والمدنية، والسياسية.. ومن ذلك حقّه في المشاركة الإيجابيّة في صنع حاضر الوطن ومستقبله.

2   - وأنّ المواطنةَ حقوقٌ وواجبات، وأنّ المشاركةَ الإيجابيّة في القرار الوطني، وفي حماية الوطن، وفي بنائه والارتقاءِ به، واجبٌ وطنيّ، ليس لأحدٍ حقّ الاستقلال به، أو الحجر عليه.

3  - وأنّ الاختلافَ بين الناس في الرؤية والاجتهاد والموقف، سنّةٌ من سنن الخلق، وحقيقةٌ من حقائق الوجود الإنسانيّ العام. وأنّ هذا الاختلافَ مشروعٌ ومُعتبَر، ما دام في إطار الثوابت الوطنية، وفي توجّهات الخير والنفع العام (ولكل وجهة هو مُولّيها، فاستبقوا الخيرات..)

4 - وأنّ تعبيَر (الناسُ سواسيةٌ كأسنان المشط) تجسيدٌ حسّيّ لواقع المساواة بين الناس، التي كان لشريعتنا وحضارتنا شرف التقدّم بها إلى العالمين، وأنّ المساواة، وتكافؤ الفرص، يثمران الوحدة الوطنية، التي هي القاعدةُ  الأمكنُ للبناء الوطنيّ المنشود.

5 - وأنّ الاعترافَ بالآخر الوطنيّ (العقائديّ والسياسيّ والفكريّ والثقافيّ..) ركيزةٌ أساسيّةٌ من ركائز التفكير والحركة. ولقد أثبتت الأيامُ فشلَ سياسات الاستئصال أو التشويه أو تجفيف المنابع.. فليس في وسع أحدٍ أن يمحوَ الآخرَ أو ينفيَه.

6- وأنّ الحوارَ البنّاء، والجدالَ بالتي هي أحسن، هما الوسيلةُ الأقربُ والأرقى للتعامل مع الآخر وفهمه، وبناء جسور التعارف والتقارب والتواصل معه، وإنّ من شأن الحوار الإيجابيّ أن يؤكّدَ على( المشترك) وأن يحدّدَ ويُضيّقَ مساحات الاختلاف.

7 - وأنّ أيّ اختلافٍ في الرؤى العامة والسياسات العليا والقرارات المصيرية، تحكمه صناديق الاقتراع الحرّ والنزيه، أو مؤسّسات الدولة المنبثقة عن صناديق الاقتراع الحرّ والنزيه، أو القضاء العادل المستقل…

8 - كما يؤكّد الموقّعون على هذا الميثاق، على التمييز المطلق  بين مصطلح الدولة ( أرض ـ شعب ـ سلطات ـ قانون) وبين مصطلح الحكومة (السلطة التنفيذية) ويحذّرون من تغوّل السلطة (التنفيذية) أو (الأمنية) على مقدّرات الدولة ( إنسانها ـ ومرافقها) 

  يلتزم الموقّعون على هذا الميثاق…

1-            واجهة التحدّيات الخارجية المفروضة على الوطن، مهما كان مصدرها وصبغتها، بروح البنيان المرصوص، مُعلين من شأن التضحية في سبيل حماية الوطن وأمنه وعزّته..

2-            تقديم مصلحة الوطن العليا على المصالح الذاتية والخاصة، في كلّ الموازنات السياسيّة، مهما كان في التنازل عن المصلحة الذاتية من ألمٍ أو تضحيةٍ أو شعورٍ بالغبن.

3-            مارسة دَورِهم في الحياة العامة، بشفافيةٍ مطلقة، وتحتَ الشمس، بعيداً عن جميع أشكال التعتيم أو السرّية. ويقاومون كلّ الأسباب والمدخلات التي تؤدّي إلى إحراج العمل الوطني، أو دفعه للتستّر والاختباء. ويشمل هذا الوضوحُ والنقاء: المبادئَ والبرامجَ والسياساتِ والأنشطةَ والعلاقات..

4-            آليّات العمل السياسيّ الديمقراطيّ ووسائله، مؤكّدين الحقّ المتكافئ للجميع، في الاستفادة من إمكانات الدولة في توضيح مواقفهم، والانتصار لرؤاهم، وطرح برامجهم..

5-            نبذِ ( العنف) من وسائلهم، ويرَون في الحلول الأمنية لمشكلات (الدولة والمجتمع)، وفي عنف السلطة التنفيذية، مدخلاً من مداخل الفساد. ويميّز الموقّعون على هذا الميثاق، بين الإرهاب الدوليّ كوسيلةٍ من وسائل بثّ الذعر، والابتزاز السياسي، وبين أشكال المقاومات الوطنية، التي تلجأ إليها الشعوب في الدفاع عن حقوقها والانتصار لقضاياها.

6-            التعاضد على حماية حقوق الإنسان، والمواطن الفرد، والانتصار للمظلوم والمستضعف، وصَون المرأة والدفاع عن حقوقها، والتأكيد على مساواتها مع شقيقها الرجل في اعتبارات الأهلية الإنسانية والمدنية..

7-            ما يُبدي الموقّعون على هذا الميثاق، تفهّمَهم للتدرّج في تحقيق الأهداف العامة لهذا الميثاق، في ظلال الشعور بالمسؤولية الوطنية، وتقديرَهم لظروف الواقع ومتطلّباته، مؤكّدين في الوقت نفسه على ضرورة معالجة الملفّ الإنسانيّ بكلّ أبعاده، معالجةً سريعةً وشاملة.

( وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملَكم ورسولُه والمؤمنون ، ثم تُرَدّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)

لندن في العاشر من صفر 1422 الموافق للثالث من أيار 2001

   جماعة الإخوان المسلمين في سورية