حركة السلم الاجتماعي

"مبادئ أولية للحوار"

تتوقف قدرة الإنسان على التفكير السليم والإنتاج والإبداع على مدى توفر الشروط النفسية والصحية المناسبة، بعيداً عن الخوف من الحاضر والقلق على المستقبل، بعيداً عن الفقر والجوع، بعيداً عن الكره والضغينة، بعيداً عن الإحباط والشعور بالظلم، ليتمتع بالرضى والقناعة، وتغمر السعادة جو الأسرة، والألفة جو العمل، في مجتمع يكفل له حقوقه ويبادله الاحترام، ودولة تحميه من تعديات الآخرين وتخفف عنه نازلات القدر. هذا هو الإنسان المواطن الذي يشكل خلية سليمة في جسم المجتمع... المجتمع القادر على بناء الدولة العصرية القوية والمزدهرة. أي أن كل شيء في الوطن يجب أن يكون مسخراً لهذا الإنسان- المواطن كي ينمو نمواً حراً، تتفتح فيه ملكاته وتتفجر إبداعاته. فحق الإنسان على وطنه أن يوفر له كل ما يحقق إنسانيته ويعبر عن خصوصيته من خلال منافسة حرة ونزيهة مبنية على تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.

فعلى مدى أكثر من أربعين عاماً شهدت بلادنا الكثير من التطورات التي أفضت بصورة متدرجة إلى غياب أشكال التعبير الحر الديمقراطي لأغلبية المواطنين، وإلى انفراد مجموعة محدودة جداً بالقرار السياسي ما لبثت أن احتكرت كل النشاطات الأخرى الاقتصـادية والاجتماعية والثقـافية والإعـلامية، فاختل التوازن في المجتمع الذي أصابه العقم، وأصبح عاجزاً عن تجديد نفسه، وتوقف عن النمو الطبيعي وباتت الأكثرية المهمشة تعيش حالة من الإحباط والفقر، وانتشر الفساد والبيروقراطية، وضاعت الحقوق وغابت الحياة عن بهجتها. وإن تفاقم هذه المشاكل بات يهدد بنية المجتمع السوري مما يستدعي إيجاد حلول سياسية واجتماعية واقتصادية حتى نتفادى تفجر المتناقضات التي باتت تضغط على كل مفاصل المجتمع.

وفي هذا الإطار تأتي حركة السلم الاجتماعي مستهدفة طرح جملة من المبادئ والأفكار إسهاماً منها في التصدي للمشكلات السياسية والاجتماعية وما يرتبط بها وما يتفرع عنها بقصد استعادة السلم الاجتماعي المبني على إعادة التوازن بين كل فئات المجتمع وتوفير المناخ الذي يحرضها على تحسين أدائها في كل مجالات الحياة.

إن مهمة بناء السلم الاجتماعي تتطلب العمل في المجالات التالية:

السلم الاجتماعي بين الفئات العرقية والدينية:

يمتاز الشعب السوري بتعددية عرقية ودينية لكون سورية مهداً للأديان السماوية والحضارات القديمة. كما أنها كانت على مدى التاريخ حضناً وملاذاً لمهاجرين لجئوا إليها هاربين من ظلم لحق بهم في بلدانهم أو طلباً للعيش الهانئ والرزق الوفير لكثرة خيراتها ورحابة صدر أهلها. فنتج عن ذلك لوحة فسيفسائية جميلة تنوعت ثقافاتها وأنتجت أجيالاً متآلفة تمتعت بالإبداع والحيوية والتنوع الحضاري. وكي يبقى هذا التنوع ميزة إيجابية ومصدراً من مصادر قوة الشعب السوري يتوجب علينا العمل الدائم للحفاظ على جمالية تلك اللوحة من خلال الحفاظ على علاقات متوازنة توفر لكل فئة المناخ الضروري الذي تتألق فيه خصوصيتها وميزاتها التي هي مبعث افتخارها. فتساهم في إغناء وتطوير الوطن المشترك الذي يشكل الإطار المقدس الذي يحتضن كل الفئات، وأن نتوخى الحذر الشديد من أن يفسد علينا الجهل أو مكائد الأعداء ميزة هذه التعددية ويحولها من نعمة إلى نقمة تثير الفتن وتعكر صفو شعبنا وتضعفه.

ومن أجل قطع الطريق على الجاهلين والأعداء يتوجب علينا بناء سلم اجتماعي على درجة عالية من الوعي الجماعي بين كل فئات المجتمع، أي أن نشر السلم الاجتماعي واجب وطني مقدس.

السلم الاجتماعي بين المواطنين ومؤسسات الدولة:

لقد تعرضت العلاقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة السلطوية إلى تشوهات خطيرة نتجت عن استئثار فئات ضيقة بالسلطة احتكرت لنفسها المكاسب والمغانم على حساب الأكثرية، مستخدمة كل أنواع القمع والتخويف لكبت نقمة الفئات المهمشة والمتضررة وضمان استمرار احتكارها ومغانمها. فسنت الكثير من القوانين المفصلة على قياس مصالحها لتخدم أهدافها من جهة وتجعلها سيفاً مسلطاً على رقاب كل من يعترض على سياستها الاحتكارية وممارستها المشينة من جهة أخرى. وأصبح كل مواطن مداناً بجرم أو أكثر كلما حلا للسلطة ذلك، فتنازل المواطن عن حقوقه المشروعة برضى ظاهر يكمن خلفه نقمة واستياء شديدين. وإن هذا الجو من انعدام الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة يجعل الأكثرية تعيش حالة من الإحباط فتتلاشى قواها ويتدهور أداؤها، فيختل توازن المجتمع وتنكفئ قيمه النبيلة وتنتشر الأنانية وتختل الموازين. لأن شعباً خائفاً يعيش فوضى اجتماعية واقتصادية لايمكن أن يعمل أو يبدع بشكل طبيعي لينتج حضارة ودولة عصرية، والتي لا يمكن تحقيقها إلا بإقامة السلم الاجتماعي بين مؤسسات الدولة وأجهزتها من ناحية وبين مواطنيها من ناحية أخرى، وذلك من خلال علاقة شفافة عادلة تحترم فيها وتصان كل حقوق المواطنة، وتبنى على قاعدة من تكافؤ الفرص والمنافسة النزيهة التي يضبطها القانون.

السلم الاجتماعي في علاقات الحياة اليومية:

يتشكل المجتمع من مجموعة فئات يمكن تصنيفها حسب المهنة التي تمارسها أو الفئة العمرية أو غيرها من العوامل المشتركة، وكل هذه الفئات أطراف أساسية في المجتمع تشكل بمجموعها شركاء في تبادل المصالح الاقتصادية والاجتماعية. ويهدف السلم الاجتماعي إلى تحويل مفهوم هذه العلاقات من علاقات صراع متشنجة بين المصالح إلى علاقات متوازنة يسودها الاحترام المتبادل انطلاقا من أن كرامة كل فرد مقدسة لاإنتقاص منها.

ولا بد من التأكيد هنا على ضرورة التخلص من الهيمنة الأبوية في العمل السياسي وفسح المجال للأجيال الشابة لتأخذ دورها كاملاً في صنع حاضرها ومستقبلها وتوظيف إمكاناتها العلمية والعملية للمساهمة في إدارة الدولة وتحديثها والاشتراك الفاعل في النشاط الاقتصادي والاجتماعي للتخلص مما تراكم من سلبيات خلال العقود الماضية والذي كان من أسبابه تهميش دور الشباب في عملية البناء.

أما الحقوق المتبادلة فتنظمها بكل وضوح وشفافية قوانين تحدد الحقوق والواجبات فلا تدع منه لطرف على آخر ولا مجال لانتقاص طرف من حقوق الآخر وتعمل على خلق جو محبب من التسامح والكرم المتبادل بدلاً من التناحر والكراهية وتراكم الأحقاد كما تخلق مجتمعاً يشعر كل مواطن فيه بالمسؤولية تجاه أطفاله، ومسنيه، ومرضاه، وأصحاب الحاجات الخاصة من أبنائه، كما يشعر بالفخر والاعتزاز بالمتفوقين من أبنائه ومؤسساته الاقتصادية والاجتماعية ويساهم بدعمهم المادي والمعنوي لتطوير مواهبهم وتوظيفها بالشكل الأمثل كما يفتخر بكل سبق يحققوه على الصعيد الدولي. ويبني جسور المحبة والتواصل مع أبنائه المهاجرين في الخارج لتشجيعهم على المساهمة في عملية بناء وتحديث الدولة.

تطوير الحياة السياسية السورية

ارتبط نشؤ الأحزاب السياسية في تاريخ سورية المعاصرة بهيمنة فئات اجتماعية محددة اعتبرت الحزب السياسي وسيلة لتحقيق مصالحها على حساب الفئات الأخرى. وقد تبنت بعض هذه الأحزاب خطاباً عقائدياً جامداً لم تملك المرونة لتجديده، مما جعل نشاطها يقتصر على فئة اجتماعية محددة ويبقى عاجزاً عن استقطاب الفئات الأخرى ولا يعبر عن مصالح المجتمع ككل الأمر الذي أدى إلى تهميش وإقصاء أغلب فئات المجتمع السوري عن النشاط السياسي. فمنذ أن أقرت الكتلة الوطنية، التي كانت تمثل أعيان دمشق، ما سمته "المبادئ الأساسية" في تشرين الثاني عام 1932، اعتبرت نفسها التيار السياسي الوحيد القادر على التعبير عن تطلعات المجتمع ككل وقيادته. أي أنها بدأت تنطلق من احتكارها للسلطة، الأمر الذي حرض أعيان حلب على تأسيس حزب الشعب مما رسخ تقليد تمثيل الحزب السياسي لفئة أوفئات تنتمي إلى بنية اجتماعية محددة. وأدى إلى بروز الصراع الاجتماعي في الحياة السياسية، حيث نشأت الأحزاب القومية واليسارية والدينية التي اعتبرت كل منها نفسه صاحب الحق الأوحد في قيادة الدولة والمجتمع وعمل على تهميش أو استئصال التيارات السياسية الأخرى.

هذا الصراع الذي أخذ أشكالاً عقائدية أو فئوية جعل النشاط السياسي عاجزاً عن إقامة السلم الاجتماعي المبني على التوافق بين غالبية الفئات والشرائح الاجتماعية، وحرم البلاد من تحقيق تنمية مستدامة، مما أدى إلى هشاشة في مؤسسات الدولة وسهل نجاح الانقلابات العسكرية بعد أن جعل الجيش جزءاً من الحياة السياسية مما قاده إلى الانحراف عن مهماته الأساسية.

وقد ينطبق ذلك بدرجة أقل على فترة الصعود القومي والتي تميزت بظهور الكاريزما الشخصية للزعيم على حساب المشاركة الشعبية في الحياة السياسية والاجتماعية. وأدى إلى استئثار حزب الزعيم بالسلطة كقائد للدولة والمجتمع. الأمر الذي انتهى إلى انفراد حزب البعث العربي الاشتراكي بالسلطة معطياً نفسه حق قيادة الدولة والمجتمع من خلال خطاب قومي يحمل في طياته نزعات يسارية ليقصي عن ساحة العمل السياسي كل التيارات الأخرى مما حجب عامل المنافسة الضرورية لتحريض المجتمع على إعادة بناء نفسه بما ينسجم مع المتغيرات وضرورات المرحلة الجديدة. من كل ما سبق يتولد لدينا الإيمان بضرورة انبثاق خطاب جديد يحول الصراع الاجتماعي بين الفئات المتنافسة والمتناحرة إلى سلم اجتماعي يتيح لجميع هذه الفئات والأحزاب أن تتنافس في إطار الوفاق الوطني بما يخدم تحقيق نموذج التنمية المستدامة ويساعد على بناء مؤسسات الدولة الراسخة القادرة على الاستمرار بمهامها الأساسية رغم تبدل السلطة التي تحكم البلاد والتي يجب أن تأتي من خلال النظام الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة.

يعتمد خطاب حركة السلم الاجتماعي على مفاهيم ثلاثة تشكل مرتكزاته الرئيسية وهي:

1-  مفهوم المواطنة والانتماء الوطني      

2- مفهوم حقوق الإنسان  

3- مفهوم المجتمع المدني

المواطنة والانتماء الوطني:

إن الإنسان المواطن الذي يشكل خلية سليمة في جسم المجتمع لا بد أن تسخر له كل المعطيات الضرورية لينمو نمواً حراً تنفتح فيه ملكاته وتتفجر إبداعاته ويعبر عن خصوصيته في إطار من المساواة بينه وبين بقية المواطنين للانطلاق إلى حياة مشتركة يبني فيها الجميع مجتمعاً يوفر الخير لجميع أفراده.

إن المواطنة تمثل العنصر الجوهري المشترك بين كل الأفراد المنتمين إلى وطن واحد حيث تعبر عن القدر المشترك الذي ينبغي أن يتحكم بسلوك الجميع من حيث هم كائنات سياسية. فهي تعبير عن وعي راق يتجاوز كل أشكال الوعي الطائفي والعشائري والجهوي والقبلي والعائلي والمناطقي. أي أنها التجرمة السياسية والاجتماعية لتمتع الفرد بحقوق مع غيره من المواطنين وتأديته لواجبات متساوية معهم. فتكون المواطنة بذلك هي المفهوم الذي لا نهوض للدولة والمجتمع دونه.

حقوق الإنسان:

تنضوي تحت مفهوم حقوق الإنسان علاقة المواطن الفرد بالدولة ويتأسس وفقه خطاب المساواة للجميع أمام القانون ويفسح المجال لجميع المواطنين كي يضمن تحقيق حرياتهم وممارسة حقوقهم بما يقتضيه مفهوم حقوق الإنسان بمعناه العام والشامل. وبذلك يكون مفهوم حقوق الإنسان اللبنة الأساسية في عملية التنمية الشاملة، طالما أن التنمية هي عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان والتوزيع العادل للفوائد الناجمة عن التنمية وبالتالي تصبح حقوق الإنسان هي الحقوق والمطالب التي لا يمكن تحقيقها إلا في مجتمع يعيش مخاض عملية تنموية شاملة.

المجتمع المدني:

تشكل مؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية بمختلف نشاطاتها عامل التوازن مع مؤسسات الدولة، حيث تكملها وتحرضها على تحسين أدائها وتشكل الآلية الضرورية لمراقبتها. كما تعتبر مؤسسات المجتمع الأهلي بكل نشاطاتها الخيرية والثقافية جزءاً هاماً من مؤسسات المجتمع المدني مؤهلة لتوسيع مجال خدماتها من فئة معينة لتشمل باقي فئات المجتمع.

وعلى ضوء هذه المفاهيم الأساسية يمكن قراءة البرنامج التفصيلي لحركة السلم الاجتماعي الذي يشكل برنامج عمل متكامل يتحقق بكوادر بنّاءة طموحة تسعى لخدمة هذا الوطن وتحقيق رفعته ومناعته لذلك يمكن تقسيم البرنامج المذكور وفق المجالات العامة التي نسعى لبلورة الجهود وفقها.

البرنامج السياسي:

ويشكل الفضاء السياسي الأعم الذي نرغب بتحقيقه من خلال عدد من الضمانات أهمها:

1-      انتخاب سلطة تشريعية تمثل كل فئات المجتمع من خلال انتخابات حرة وفرص متساوية لجميع الأحزاب والقوى السياسية، تجري تحت إشارف السلطة القضائية.

2-      استقلال السلطة القضائية التي تكفل بنزاهتها واستقلالها الأمن والعدل لجميع المواطنين.

3-      اعتبار حرية الرأي والتعبير والتظاهر والتنظيم والتجمع السلمي من المقدسات التي لا يجوز مسها أو انتقاصها.

4-      الفصل بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، بما يكفل لكل سلطة ممارسة دورها وفق الإطار المحدد لها مسبقاً دون تجاوز أو خروقات تؤدي إلى تعطيل وظائفها أو عرقلة نشاطات غيرها.

ومن أجل تحقيق الضمانات الأربعة المذكورة لابد من توفير المتطلبات المرحلية التالية:

-         إلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية وجميع المحاكم الاستثنائية.

-         تشكيل جمعية تأسيسية تعمل على صياغة دستور جديد للبلاد ينسجم مع الاحتياجات الراهنة والمستقبل المنظور، يطرح على استفتاء شعبي.

-         يشكل الحكومة الطرف السياسي الذي يملك الأكثرية في مجلس الشعب.

-         انتخاب المجالس المحلية بالاقتراع الحر وانتخاب المحافظين بالاقتراع الحر والمباشر، واعتماد مبدأ اللامركزية عبر توسيع صلاحيات مجالس المدن والبلدات.

أما بالنسبة للسياسة الخارجية، فيجب الاستمرار في التأكيد على كون الصراع العربي الإسرائيلي هو قضية مصيرية لسورية يجب أن يسخر لها كل ماهو ضروري من وسائل حتى نصل إلى سلام عادل وشامل يضمن كافة الحقوق السورية والعربية التي أقرتها قرارات الشرعية الدولية والأمم المتحدة مع الأخذ بعين الاعتبار أن بناء الدولة السورية القوية بمشاركة كل أبنائها من خلال نظام ديمقراطي يشكل أحد أهم العوامل التي تساعدنا على استعادة أرضنا وحقوق شعبنا.

-         الاستمرار في تطوير وتوثيق العلاقات مع الدول العربية الشقيقة باعتبارها المجال الحيوي الأهم بالنسبة لسورية والعمل على بناء علاقات ودية مع الدول المجاورة والصديقة مثل تركيا وإيران ودول الاتحاد الأوروبي بما ينسجم مع تحقيق مصالحنا المشتركة مع تلك الدول متجاوزين تأثير السلبيات التي حصلت في الماضي عبر فتح صفحة جديدة تعتمد على الاحترام المتبادل والمعاملة بالمثل. بالإضافة إلى إقامة علاقات ودية مع بقية دول العالم بما يخدم مصالحنا الاقتصادية والسياسية.

البرنامج الاجتماعي:

إن أي برنامج اجتماعي يجب أن يبدأ من إعادة الاعتبار والحقوق المدنية للسجناء السياسيين وتعويضهم بشكل عادل عما لحق بهم من أضرار مادية كخطوة ضرورية وهامة على طريق السلم الاجتماعي. وإعادة النظر في كل أنواع الغبن التي مارستها مؤسسات الدولة مع المواطنين من مصادرة للأراضي والعقارات وغيرها، والتعويض لمالكي الأسهم في الشركات التي تم تأميمها بما يعادل القيمة الحقيقية للسهم عند المصادرة، وذلك بغية طي صفحة الماضي والانطلاق نحو مستقبل على قاعدة متينة من السلم الاجتماعي.

إن تحقيق برنامج متكامل للتنمية الاجتماعية يتطلب إعادة هيكلة موازنة الدولة كي تأخذ بعين الاعتبار رصد المبالغ اللازمة للنهوض بكل متطلبات التنمية البشرية في التعليم والتأهيل في كل مرحلة وخدمات الرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية وخاصة متطلبات رعاية المعاقين مع التركيز على الاهتمام بالأسرة والحفاظ على تماسكها وإعطاء المرأة بما يتناسب مع أهمية دورها في المجتمع سواء في بناء الأسرة أو في عملية التنمية.

وفي الجانب الثقافي:

تمثل الثقافة العربية الإسلامية المعين الرئيسي الذي ينهل منه جميع مواطني الشعب السوري مما يجعل الحفاظ عليها يمثل جزءاً من المحافظة على هوية المجتمع وأصالته. كما أن إتاحة المجال لازدهار ثقافات الأقليات القومية والدينية تدي أهمية كبيرة في إغناء الحياة الثقافية السورية وتلوينها باعتبار أن ذلك يمثل ميزة قلما تتوفر لدى الشعوب الأخرى. يضاف إلى ذلك ضرورة الانفتاح والتواصل مع ثقافات المجتمع الأخرى حيث أن الثقافة ملك البشرية جمعاء تغتني وتتطور بها. ولذلك نسعى إلى الحفاظ على القيم الروحية التي يجب أن تحظى بكل الاحترام والتقدير كونها تمثل جزءاً رئيسياً من ثقافة الفرد والمجتمع، وتعزيز دور الفنون بكل أشكالها، والاهتمام بالآثار والأوابد التاريخية بما يتناسب مع قيمتها الحضارية والسياحية.

البرنامج الاقتصادي:

تعرض الاقتصاد السوري منذ التأميم إلى تشوهات أصابت بنيته الأساسية وبتنا نواجه اليوم اقتصاداً عاجزاً تماماً عن المنافسة يسر نحو كارثة اقتصادية إذا لم تتخذ الإجراءات السريعة لاعادة بناءه بالشكل الذي يتماشى وينسجم مع الاقتصاد العالمي، آخذين بعين الاعتبار كل التحديات القائمة التي تجبرنا على دخول المنافسة، ليس فقط في الأسواق العربية والأجنبية، ولكن دفاعاً عن أسواقنا المحلية أيضاً.

يرجع ضعف الاقتصاد السوري إلى العديد من الأسباب أهمها:

   1-            الانخفاض الشديد في إنتاجية الفرد العامل في كل القطاعات الاقتصادية والخدمية والإدارية.

   2-            عشوائية النشاطات الاقتصادية في القطاع الخاص نتيجة قصور الأنظمة والقوانين.

   3-            تحول القطاع العام الاقتصادي إلى عبئ على خزينة الدولة إذا استثنينا عائدات النفط.

   4-            تخلف الأساليب المتبعة في الزراعة والري مما يؤدي إلى هدر شديد في الموارد ويلحق أضراراً خطيرة في البيئة.

   5-            عدم استثمار الميزات السياحية التي تملكها سورية.

   6-            إهمال احتياجات التنمية البشرية في التعليم وتأهيل الكوادر والصحة والرعاية الاجتماعية.

   7-            غياب مناخ الاستثمار وبرامج تشجيع الادخار.

   8-            استفحال ظاهرة الفساد والبيروقراطية.

   9-            عشوائية التحصيل الضريبي والسياسة المالية للدولة.

10-            تراجع الصادرات بسبب ضعف القدرة على المنافسة.

11-            التشوهات التي لحقت بالرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية والتي أدت إلى فقدان توازنها مع متطلبات المعيشة.

12-            غياب النظام المالي والمصرفي القادر على احتضان وخدمة النشاط الاقتصادي.

ورغم كل النداءات بضرورة الإصلاح الاقتصادي السوري فإن ما يقدم من مقترحات يبقى متهيباً من مواجهة جذور مشاكلنا الاقتصادية وينطلق من مبدأ إصلاح ما هو قائم بينما تدعو الحاجة إلى بناء اقتصاد جديد يعتمد على مفاهيم علمية موضوعية لا بد منها لرفع كفاءة أداء الاقتصاد السوري.

إن بناء اقتصاد سوري جديد يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الطبائع البشرية ومكونات ثقافة المجتمع والحالة النفسية لكل القادرين على الإنتاج لنكوّن في سورية مناخاً محبباً ومريحاً للإنتاج ومشجعاً على الادخار والاستثمار من خلال علاقات عادلة ومتوازنة بين كل أطراف الإنتاج مبنية على تكافؤ الفرص ويحكمها مبدأ المنافسة النزيهة. أي إننا بحاجة إلى سلم اجتماعي بين كل الفئات التي تساهم في بناء الاقتصاد الوطني لنتمكن من تفجير الطاقات الكامنة عند كل مواطن وتوظيفها في خدمته وخدمة الدولة والمجتمع.

وإن تحقيق هذا الهدف يتطلب برنامجاً محدداً تتوقف فيه الدولة عن لعب دور التاجر أو الصناعي في مؤسسات الدولة الاقتصادية وتعيد تأهيل العاملين في المجال الإداري والخدمي وتدخل الوسائل الحديثة والمعلوماتية في الإدارة والخدمات وتحول العمالة الزائدة بعد تأهيلها إلى القطاعات الإنتاجية في القطاع الخاص الذي يعاد تأهيله لاستيعابها على مراحل.

إن الخطوات العملية الضرورية للوصول إلى ذلك الهدف تتطلب تقديم إجابات وحلول عيانية للمشاكل المذكورة أعلاه.

خاتمة:

على الرغم من أن ورقة المبادئ هي نتاج عملي الشخصي مع الاستعانة بآراء بعض الأصدقاء وانطلاقا من تجربتي الشخصية في المجالين الصناعي والسياسي، فإنني أعتبر هذه الورقة بمثابة حجر الأساس لبناء عمل جماعي بكل ما في الكلمة من معنى انطلاقا من إيماني بأن أي عمل سياسي يقوم على احتكار فرد أو مجموعة محددة من الأفراد سيظل عاجزاً عن تحقيق أهدافه مالم يفسح المجال للمشاركة الحقيقية لكل الأطراف والفئات التي تلتقي حول أهدافه من خلال الحوار الديمقراطي المنظم والهادف.

لذا أرجو من كل من يهمه الأمر من المواطنين السوريين إبداء رأيه بما ورد في هذه الورقة وتقديم اقتراحات مكتوبة تسهم في تصويب الأفكار وإغنائها لنصل في النهاية إلى الصيغة النهائية لبرنامج حزبي يقترب ما أمكن من الحقيقة والاحتياجات الأساسية للمواطنين انطلاقا من أنه لا أحد يملك الحقيقة وحده.

كما أرجو المعذرة ممن تسببت لهم بالإساءة دون قصد فيما طرحت إيمانا مني بأن من يريد أن يعمل من أجل تحقيق المجتمع الديمقراطي يجب أن يكون ديمقراطياً طالما أن اللغة الوحيدة بيننا هي لغة الحوار السلمي والعلني المترافقة مع حسن النوايا من أجل تحقيق هدف مشترك يتمثل ببناء دولة عصرية قوية وشعب ينعم بالرفاه.

ملاحظة:

يمكن تلقي المساهمات المكتوبة على العناوين التالية:

ص.ب: 5137 فاكس مكتب: 2231859  فاكس منزل: 6712649

بريد الكتروني:  rms@net.sy

           رياض سيف

دمشق، في 31/1/2001