الإمعان في حقوق الانسان

الموسوعة العالمية المختصرة

 

                       جهاد بطرس – الولايات المتحدة

 

 

 

المؤلف : هيثم مناع و 22 باحث من مختلف القارات

الناشر: دار الأهالي ودار بيسان دمشق-بيروت

الجزء الأول، 670 صفحة، عام 2000  

السريالية في العالم العربي لا تحتاج إلى اندريه بروتون أو غيره من الفنانين فهي في الحياة وفي الثقافة وفي الشارع. وآخر معالم السريالية العربية صدور أول موسوعة لحقوق الإنسان في العالم باللغة العربية، رغم كل المآسي والانتهاكات وأشكال القمع التي يعاني منها الإنسان في الوطن العربي، ورغم كل التراجع الثقافي العربي، عدد من الباحثين العرب مع باحثين من 10 دول غير عربية يشاركون في هذا العمل الذي يصدر أولا باللغة العربية.

ثاني معالم السريالية في الموضوع أن هذه الموسوعة يشرف عليها باحث من سورية ويصدرها ناشر سوري.

هذا الكلام قد لا يصدقه القارئ إلا إذا أضفنا إليه أن الباحث المذكور يعيش في المنفى منذ 22 عاما وأن الناشر قد اضطر لطبع الموسوعة في بيروت وقد رفضت الرقابة دخول الموسوعة لسورية لصدور قرار بمنع كل مؤلفات هيثم مناع في بلده.

يقول صاحب مشروع أول موسوعة عالمية لحقوق الإنسان صدرت في بيروت:

"خلال جولاتي واحتكاكي بالعديد من الزملاء والقياديين العرب في عالم حقوق الإنسان، لاحظت أن ثقافة حقوق الإنسان العامة مازالت ضعيفة، وهناك كلمات أو إجراءات عالمية أو مصطلحات تستعمل دون وعي معناها. ومن جهة ثانية، لاحظت أن التقنية العالمية لخطاب حقوق الإنسان تغيب العطاء غير الغربي في هذا المجال. فلا نجد إلا نادرا رأيا لكونفشيوس في مفهوم الحق أو مفهوم الدافع الحقوقي عند عمر بن الخطاب أو مفهوم المساواة عند مزدك الفارسي أو تعريف الإنسان الكامل عند ابن عربي الخ وغيره من التراث الإنساني الذي اسهم في رفد ثقافة حقوق الإنسان بالمعنى الواسع للكلمة. وبالتالي اصبح لدي رغبة اكبر في ضم قسم تعريفي عالمي الطابع ولو أنه سيغطي بشكل أكبر، كونه موجه للقارئ العربي، الحاجيات المباشرة للعالم العربي بمعنى:

1- الحاجيات العربية الأساسية من قاموس الأمم المتحدة والمفوضية العليا لحقوق الإنسان ( مثال: الجريمة ضد الإنسانية، المجزرة الجماعية، الإجراء 1503، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، التصديق على عهد أو اتفاقية، الحقوق الخمسة، المحكمة الجنائية الدولية…

2- الحاجيات العربية من الثقافة العالمية شرقية وغربية ( مثال: فلسفة اللاعنف عند غاندي، ماركس وحقوق الإنسان، إعلان حقوق الإنسان والمواطن، إعلان حقوق المرأة والمواطنة، مخاضات إعلان حقوق الطفل، فصل السلطات في الديانة البوذية، شخصيات هامة في تاريخ حقوق الإنسان والحريات الاساسية مثل جان جاك روسو وكانت وسان جوست وابوبكر الرازي وابن ميمون والحسن البصري  وشخصيات معاصرة مثل شارل مالك ومحمد مندور ومنذر عنبتاوي وكلمات تستعمل كل يوم مثل المنظمات غير الحكومية، الهيئات بين الحكومية، المجتمع المدني، دولة القانون، الديمقراطية، الديكتاتورية، الشورى، الاستفتاءالخ.

3- الحاجيات العربية من الثقافة العربية الاسلامية ( مثال: حقوق الانسان والمتصوفة، مفهوم الحرية في الاسلام، مفهوم الحقوق في المدارس الفقهية، مفهوم المسؤولية عند المعتزلة، الاجتهاد وتأثيره على حركة حقوق الانسان، حقوق الانسان والاصلاح الديني، العرب وحكم الاعدام، العقوبات الجسدية في الاسلام، الاسماعيلية وحقوق الانسان، التكوينات غير الحكومية في التاريخ العربي، القاضي في الاسلام، الحسبة، التكافل الاجتماعي".

هذه الأفكار التي كتبها هيثم مناع في 1995 عندما باشر العمل في مشروع الموسوعة بصمت وهدوء تترجم اليوم في 670 صفحة هي المجلد الأول لموسوعة حقوق الإنسان التي يشارك بها انتوني شاس وجيمس بول من الولايات المتحدة الأمريكية، بوني كامبل من كندا، فيوليت داغر وشفيق المصري من لبنان، محمد حافظ يعقوب من فلسطين, جمال البنا ومحمد فائق وهاني نسيره وصابر نايل من مصر، منصف المرزوقي والهاشمي جغام ونجيب القصيبي وأحمد خالد من تونس وإلوا ميتسي ميتوغو من الكاميرون وحسين العودات من سورية وعبد الحسين شعبان وكاظم حبيب من العراق وفرانسيسك بالومارس من اسبانيا وموريس بارت وبرنار ري وميشيل فوبريه وهيلين جافيه من فرنسا.

وتضم الموسوعة 235 مقالة في التاريخ والقانون وتاريخ الحضارات والأشخاص والأفكار والمفاهيم الحقوقية إضافة إلى قاموس عربي فرنسي انجليزي وعددا من النصوص الأساسية المرجعية لحقوق الإنسان.

وهناك دون شك عملية بناء لتصور جديد معمق وعالمي لحقوق الإنسان يرفض الصورة الاختزالية إلى حضارة واحدة غربية كانت أم شرقية ويرفض أيضا القراءة التقليدية التي تكاد تحول حقوق الإنسان إلى إيديولوجيا جديدة. فبالنسبة للمشرف مناع هذا المشروع يمتلك التعددية في صلبه ويعتبر حقوق الإنسان مشروعا غير منجز. ففيه نجد الشيخ المصلح عبد الله العلايلي وثلاثة من رجال الدين المسيحي المعروفين بتأثرهم بلاهوت التحرير وأسماء علمانية معروفة. كذلك تجمع الموسوعة أكثر من قلم ليبرالي مع أقلام ديمقراطية اشتراكية. وبهذا المعنى، تتحول حقوق الإنسان من دعوى العالمية إلى ممارسة العالمية ومن إدعاء احترام حق الاختلاف إلى جمع المختلفين على مبادئ حقوقية وفلسفية وأخلاقية مشتركة.

كيف تم انجاز هذا العمل رغم النشاطات المتعددة للمشرف في الكتابة والطب وحقوق الإنسان؟ يجيب هيثم مناع على هذا السؤال بالقول: "هذا العمل لم يكن ممكنا بحال من الأحوال دون وجود نواة صلبة تبنته ودفعت به للتحقق. هذه النواة الصلبة مكونة من الباحثين والمناضلين محمد حافظ يعقوب (فلسطين) وفاتح عزام (فلسطين) وفيوليت داغر (لبنان) ومنصف المرزوقي (تونس). بفضلهم تم هذا النصف الأول من هذا العمل وبفضلهم كانت لدي القوة على العمل 18 ساعة في اليوم خلال العامين الماضيين. وبفضلهم وبمساعدة باحثين ممتازين عرب وغير عرب سنكمل المشوار إلى نهايته".

جاء في مقدمة الموسوعة:

"هل يمكننا تأسيس فكر حقوق إنسان في غياب التاريخية ودون الاعتماد على روحية فكرية تعتبر المسائلة من مقوماتها الأساسية: مسائلة الذات والمحيط، الاستفسار الدائم عن الأصل والجذر والمبدأ، قراءة الأفكار والأوضاع والمؤسسات والأشخاص بعين نقدية، المتابعة الدقيقة لمختلف مراحل النمو والانتكاس، التقدم والدوران؟

إن أية عملية تأسيس تتضمن التدرج والتراكم، فكرة البناء وعملية البناء، ضرورة امتلاك البعد الضروري اللازم من الوضع البشري والتمتع بتصور متعدد الميادين متفتح على تعددية المواقع. من هنا، وفي كل تساؤل يتعلق بالإنسان والسياسة والفلسفة والتاريخ والمجتمع الخ، هناك محاولة بحث عن المقدمات، رفض للوضعانية وتأكيد على الديالكتيك. تساؤل دائم عن إمكانية إغناء البناء غير المنجز للمبادئ والقيم العالمية المستنبطة من خبرة وعقول الأشخاص والثقافات، باعتبار أن المعطيات البشرية بالضرورة جزئية وغير كاملة.

وراء هذا الجهد الجماعي كان هناك هاجس الفكر النقدي وهاجس التأكيد على التعددية في التصور الذهني للعالم كشرط لبقاء حقوق الإنسان خارج الإيديولوجيا وخارج الانغلاق الدوغمائي. رغبة الجمع بين تراكمات المعرفة والتناول النقدي للمعارف، وأخيرا فرصة تعايش الاختلاف في مشروع واحد في مرحلة تاريخية صعبة ورديئة يعيش فيها المجتمع البشري ليومه وبأحسن الأحوال، لاجترار تصورات الأمس، في شبه غياب للمشروع والمستقبل وساحرية فكرة الدور التاريخي.

في تقييمه لأفكار حقوق الإنسان التي سبقته وعاصرته، يقول كارل ماركس: " إن ما يسمى حقوق الإنسان ليست سوى حقوق الإنسان الأناني، المفصول عن غيره من البشر وعن الجماعة". الحركة السريالية صدرت عدد مجلتها الأول بالمطالبة في العشرينات بإعلان جديد لحقوق الإنسان. عاد الفكر الاشتراكي النقدي في القرن العشرين إلى ضرورة إشباع فكرة حقوق الإنسان بحقوق اقتصادية واجتماعية أساسية وضرورة إغناء الفكر الاشتراكي بثقافة ديمقراطية تعددية. وقد كان لمختلف الاتجاهات الليبرالية حصتها الكبرى في إغناء ثقافة فصل السلطات، وبالتالي، كسر مبدأ السلطة المطلقة والتعسفية. إلا أنه وخارج هذا الاهتمام النقدي أو المتبني أو المتتبع من دو مابلي إلى هابرماس، لم يتكون منزل متماسك الجدران لفكر وثقافة حقوق إنسانيين جديرين بالتسمية. فقد اعتبر رواد الفكر والسياسة هذه الحقوق جزءا من مشروع سياسي أو حضاري أو ديني أكبر يأخذ بعين الاعتبار هذه الحقوق أو قراءته الخاصة لها.

إن كان من السذاجة التصور أن حقوق الإنسان يمكن أن تنتزع عن السياسة تاجها بسهولة – السياسة بمعنى السيادة والتمثيل، الهيمنة والانقياد الطوعي، الغاية التي تبرر الوسيلة- ، فإن السياسة بالمعنى النبيل للكلمة -كمشاركة عامة في الشأن العام، كتقاسم واسع للمسؤوليات والواجبات- ، تترجم الحاجة الملحة أكثر فأكثر إلى ضوابط ونظم حقوق إنسانية وأخلاقية ترفضها الطبقة السياسية بدرجة أو بأخرى ولكن تؤكد عليها ضرورة البقاء البشري وضرورة تحجيم بربرية أصبحت متغلغلة في كل خلية من خلايا الوجود المادي والمعنوي للبشر.

إن دخول ثقافة حقوق الإنسان بيوت الناس وليس فحسب مكتبة النخبة وأرشيف المحامين يعتبر شرطا أساسيا للخروج من حالة الاستعصاء الفكرية والسياسية التي تهيمن على حقبتنا. هذا الاستعصاء المتسم باغتيال السياسي وانهيار الإيديولوجيات والتغييب المريع للحلم فيما يسمح بتسرب أشكال غير حصرية للتعصب والانغلاق الشوفيني والطائفي مع بروز متسارع للوجه القبيح للعولمة: صيرورة رأس المال السلطة المطلقة التي تسخر الدول والمجتمعات، تجديد أشكال استعمار البشر للبشر، النبذ المتسارع للأضعف، الانشطار غير المتكافئ للعالم، تلوث البيئة، انتشار أسلحة الدمار الشامل والمخدرات والسلع الغذائية السامة

إن تأصل الغنى الفاحش والفقر الكافر، حروب الفقراء بسلاح الأغنياء وانتصار المرض على جميع مشاريع التنمية في الجنوب كلها تشكل همّا بنيويا للعاملين من أجل حقوق الإنسان. إلا أن حقوق الإنسان تتطلب توفير الحد الأدنى من الوعي للدفاع عنها. ونظرا لمحدودية دور حق التضامن بين الجماعات البشرية وبين المدافعين عن الكرامة الإنسانية، فإن توسيع جبهة حقوق الإنسان على الصعيد العالمي يشكل الوسيلة الأهم لتكوين سلطة مضادة قادرة على الفعل في موازين القوى العالمية الجديدة. ولا يمكن لجبهة كهذه أن تتحول إلى قوة فعلية دون تبنيها من أوسع الشرائح المجتمعية ذات المصلحة في فكر وثقافة حقوق إنسانية. إن معرفتنا بالعلاقة الجدلية الحية بين الفكر والفعل هي التي تجعلنا نحذر من التفاؤل المفرط بالجهود النظرية التي نقوم بها، ولكنها بنفس الوقت، هي التي تذكرنا بضرورة التسلح الذهني الدائم في طموح أنسنة الغد.

يقول الشاعر الروسي بوشكين : "رائع ذاك الشخص الذي يحمل الرسائل، والذي يسمى ساعي البريد، أما أنا فدوري في كتابة الرسائل".

كان هذا الطموح الإبداعي هاجس كل قلم شارك في هذه الموسوعة، ولهذا أقف لحظة إجلال وتقدير أمام كل من قاسمني التحرير وشاركني الجهد في هذا العمل الجماعي العالمي."

من الصعب اختصار هذا العمل الموسوعي الذي ضم أسماء من الفيلبين إلى البرازيل وجمع نصوصا للعلايلي وغريغوار حداد وعلي الوردي، إلا أن هذه المحاولة ستترك بالتأكيد بصماتها على ثقافة حقوق الإنسان ليس فقط في العالم العربي بل على الصعيد العالمي.

بقي أن نذكر أن الجزء الثاني سيصدر بعد عام.

                                                                جهاد بطرس – الولايات المتحدة