مشهد من وراء القضبان

نزار نيوف

 

في التاسع عشر من شهر كانون الثاني 1992 تم نقلي الى فرع التحقيق العسكري (248) ، و لتبدأ حملة إجرامية جديدة من التعذيب بالوسائل المذكورة جميعها ( عدا الكهرباء ، التي على ما يبدو كانت مقطوعة بسبب التقنين أو لأن هذه الوسيلة الحضارية لم تصل بعد الى هذا الفرع !!) . و في هذا الفرع ، الذي يمثل عملياً جهة " الادعاء العام العسكري " و بالتالي " أكاديمية " شعبة المخابرات في الفقه الحقوقي الدستوري و المدني و الجزائي ...، جرت أيضاً " حوارات " إن نمّت عن شيء فلا تنم إلا عن مدى الانحطاط المركب الذي وصلت الأجهزة عندنا : انحطاط أخلاقي و انحطاط ثقافي و انحطاط معرفي .. و انحطاط حتى في الاختصاص . و إليكم نموذجاً من الحوار الذي كان يديره معي كل من اللواء كمال يوسف رئيس الفرع ( الذي حذاؤه أشرف من رأسي على حد تعبير زميله اللواء التاجر ) و معاونه العميد نصر الجرف الذي أفادني بمعلومة صاعقة و هي أن بلدة " السلمية " الأم الروحية لقاهرة المعز لدين الله الفاطمي ( على حد تعبير طه حسين ) .. و بلدة الفكر و الشعر و الثقافة و الأدب / بلدة محمد الماغوط و فايز خضور و عارف تامر و علي الجندي و أحمد الجندي و أنور الجندي و عبد الكريم الجندي ( المنتحر شرفاً و غسلاً لعارنا في 1967 ) ... يمكن أن يخرج منها جاهل و متخلف لا يزال يناقش فيما إذا كنا أحفاداً لسارة أم لهاجر ( استنكاراً منه لتسمية ابنتي باسم سارة و اعتباره ذلك غزلاً مع اليهود )!! . على أي حال سوف أشير لهما بصيغة الجمع خشية أن أنسب لأحدهما قولاً ليس له ، ذلك لأنهما كانا يشتركان في ادارة " الحوار " معاً :

هم : إذا كنت تريد تأسيس جمعية لحقوق الانسان و تريد حقاً الدفاع عن الدستور و القانون ، لماذا لم تتقدم بطلب ترخيص الى وزارة الشؤون الاجتماعية و العمل ؟

أنا : هل السؤال جاد أن أن ذلك من باب التهكم ؟

هم : نحن لسنا هنا للتنكيت !

أنا : إذا كان الأمر كذلك سوف أناقش الموضوع من زاويتين ، حقوقية و اجرائية ، و أرجو أن تتيحا لي فرصة ذلك لأن الموضوع مفصلي و جوهري و له جوانب دستورية و حقوقية معقدة .

هم : خذ راحتك .. معك من الآن حتى الغد .

أنا :

أ‌-     يجمع فقهاء القانون الدستوري على أنه حتى أحزاب " الجبهة الوطنية " ربما في ذلك حزب البعث ذاته ، و إذا استثنينا الاشارة إليه في مقدمة الدستور و المادة الثامنة منه ، ليست أحزاباً شرعية ( و أنا أتحدث هنا من زاوية الشرعية الدستورية / الحقوقية و ليس الشرعية الثورية التي لا مجال لنقاشها هنا ) . و بافتراض حدوث انقلاب في البلاد يمكن أن تحظر جميعها مثلما حظر بوريس يلتسين الحزب الشيوعي السوفييتي ( و هو عضو المكتب السياسي السابق فيه ) بمرسوم لا يتجاوز عدد كلماته الثلاث عشرة كلمة (!) رغم أن تاريخ الاتحاد السوفييتي منذ العام 1917 هو عملياً تاريخ الحزب ذاته ، مثلما أن تاريخ سورية منذ العام 1963 هو عملياً تاريخ حزب البعث أيضاً ، و لم يعد الحزب الى العمل " شرعياً " إلا بعد سن قانون للأحزاب استندت إليه المحكمة الدستورية العليا في رفع الحظر عن الحزب المذكور ، و لعل هذا الواقع هو ما كان عبّر عنه العلامة و عالم القانون الشهيد محمد الفاضل في مطلع مقدمة كتابه " الجرائم الواقعة على أمن الدولة ..." حين أشار ، و بما معناه ، الى أنه الفرق بين البطل القومي و الخائن يتوقف على نجاح البيان رقم واحد ، فإذا نجح الانقلاب يتحول قائده أتوماتيكياً الى بطل قومي مخلّص و منقذ ، و إذا فشل يذهب الى حقل الاعدام ، و في أفضل الأحوال الى السجن بتهمة التآمر على أمن الدولة !

صحيح أن دستورنا ينص على أن حزب البعث هو الحزب القائد للدولة و المجتمع ( المادة الثامنة ) ، و لكن أي قاضٍ متخصص في المسائل الدستورية و الحزبية ، مستقل و غير مسيّس ، سيكون مضطراً – حين تعرض عليه هكذا قضية – الى التساؤل عمّن يمثل الحزب ، هذا بالنظر لأن قيادات حزب البعث التي تعاقبت عليه منذ العام 1947 ، جميعها ، بإمكان كل منها الادعاء – و بالقوة القانونية ذاتها التي لدى القيادات الأخريات – أنها هي التي تمثل الحزب ، ذلك لأن التغييرات التي حدثت في قيادته غالباً ما كانت تتم كنتيجة لإنقلاب أو حركة ، و في " أضعف الايمان " نتيجة لصراع غير ديمقراطي . و يكفي تدليلاً على ذلك كل من 1963 ، 1966 ، 1970 ؛ و أن الحزب لم يعقد مؤتمراً له منذ حوالي خمسة عشر عاماً . يضاف الى ذلك أن الحزب ، أي حزب ، لا يختلف وضعه الدستوري و الحقوقي عموماً عن أي مؤسسة أو شركة ذات شخصية اعتبارية يمثلها مجلس ادارة و رئيس هذا المجلس . و عندما لا يكون في وزارة الداخلية ( أو غيرها ) قانون للأحزاب و محكمة حزبية متخصصة بالبت في الشقاقات الحزبية و الحكم بشرعية هذه " الادارة " أو تلك ، استناداً الى لائحة الحزب ذاتها المتفق عليها من قبل أعضائه ...، تصبح شرعيته مثل شرعية أي حزب آخر ، و يصبح لجميع أعضائه قوة قانونية متكافئة على صعيد تمثيل الحزب .

ب‌-هذا بالنسبة لحزب البعث ، فكم بالأولى لأحزاب " الجبهة الوطنية " الأخرى التي ليس ثمة اشارة لها ، يعتد بها حقوقياً ، في الدستور ؟!.. إن هذه الأحزاب جميعاً ليست من وجهة نظر دستورية سوى " هيئات فكرية " ، ذلك لأنه حتى أسماؤها غير منصوص عليها في الدستور مثل حزب البعث ، و بالتالي ليست معرّفة ، اللهم إلا إذا استثنينا جملة ضبابية مطاطة في الدستور ليس لها أي قيمة قانونية ، و أعني الاشارة الواردة في المادة الثامنة و القائلة بأن حزب البعث يقود " جبهة وطنية تقدمية " .

إن أي قارئ لهذه المادة لا بد أن يتساءل تلقائياً ( من الزاوية الحقوقية ) : هل هذه جبهة أفراد أم أحزاب أم منظمات أم جمعيات ؟!.. و لو فرضنا أنها جبهة أحزاب ( كما هي في واقع الحال ) فما أسماء هذه الأحزاب و من يمثلها ؟!.. في الواقع إن الدستور لا يقول حرفاً واحداً في هذا المجال ، مما يفتح المجال بشكل مطلق أمام طرد هذا الحزب أو ذاك من الجبهة ، أو لانضمام هذه المنظمة أو تلك إليها . ليس هذا و حسب ، بل و ملاحقة هذا الحزب أو ذاك ، أو كفّ الملاحقة عن هذه المنظمة أو تلك .. استناداً ، و فقط استناداً ، الى الموقف من سياسا الحكومة ( كي لا أقول من النظام السياسي !) . و يكفي للتدليل على ذلك أن نشير الى واقعتين :

 

* واقعة خروج ( أو إخراج ؟!) الحزب الشيوعي السوري / المكتب السياسي ( رياض الترك ) من الجبهة نهاية السبعينيات [ استناداً الى الموقف من الأحداث الداخلية آنذاك على خلفية الارهاب " الاسلامي " المسلح ، و بغض النظر عن موقفنا من هذا الموقف الذي سنعود إليه في سياق نقاشنا للأكاذيب التي روجها أجهزة المخابرات عنه ، بل و أعطتكم أنتم بالذات معلومات كاذبة و مشوهة بصدده ، الأمر الذي سأحاول برهنته بالوقائع الموثقة ] ؛

 

* واقعة الحزب الشيوعي السوري / منظمات القاعدة ( مراد يوسف ) : ففي مطلع التسعينيات ( 1991 ؟ ) ، و على أبواب انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي ( يوسف فيصل ) ، التقى نائب رئيس الجمهورية السيد محمد زهير مشارقة بمراد يوسف لقاء " سرياً " ( نملك وثائق حوله ) و " فرض " عليه بالتهديد المبطن الانضمام الى حزب يوسف فيصل ، و بالتالي الجبهة الوطنية ، و إلا فإنه سيتعرض للملاحقة [ فقد كان نصف سري / نصف علني ] مثله في ذلك مثل حزب العمل الشيوعي و البعث الديمقراطي و " رياض الترك " ؛ الأمر الذي حدث بالفعل و قد كان انضمام " منظمات القاعدة " الى " فيصل " مفاجأة لجميع من يعمل في المجال السياسي ، ذلك لأنه كان قد قطع شوطاً في التوحيد مع " بكداش " الذي هو أقرب إليه فكرياً و سياسياً ، الى حد بعيد ، من قربه لبرنامج و فكر حزب " فيصل " !!

أكثر من ذلك ؛ إن هذا الوضع المبهم قانونياً و دستورياً يصل أحياناً الى حد السخرية ، حيث يعرّف الحزب عندنا ، حتى في الصحف الرسمية و عندما يكون هناك انشقاق في صفوفه ، بأمينه العام ( أو بتعبير أدق : بـ " صاحبه "!) ؛ فيقال : الحزب الشيوعي السوري / يوسف فيصل ، و الحزب الشيوعي السوري / بكداش . بل إن المواطنين يصابون بالدهشة و البلبلة حين يسمعون بنشرة أخبار التلفزيون مثلاً و هي تذكر " ... و قد حضر المهرجان كل من السيد يوسف فيصل الأمين العام للحزب الشيوعي السوري و السيدة وصال فرحة الأمين العام للحزب الشيوعي السوري " و يتساءلون ( و قد تعرضت فعلاً الى سؤال من هذا النوع ) : هل يوجد أمينان عامان للحزب المذكور ، أم أن السيدة وصال فرحة هي " زوجة " يوسف فيصل ، و بالتالي يسمونها أميناً عاماً للحزب قرناً لذلك بمركز " زوجها " ، كما نقول : جلالة الملك و جلالة الملكة ؟!..

في الواقع ليس هذا كله إلا نتيجة مباشرة لانعدام وجود " قانون أحزاب " و محكمة حزبية " تنظمان عمل الأحزاب و تبتان في حالات من هذا القبيل ، لجهة تحديد من هي الجهة التي يحق لها حمل اسم الحزب ، و من هي الجهة التي يجب عليها تغيير اسم حزبها .

و إذا كان من شيء يمكن أن نضيفه الى فقرات هذا " الكرنفال الساخر " فلن يكون إلا تلك الجملة التي كثيراً ما تتردد على لسان المسؤولين الرسميين و في الصحافة و على لسان أعضاء " الجبهة " ، و التي تقول " إن تجربة الجبهة الوطنية التقدمية في سورية هي تجربة فريدة من نوعها في العالم و جديرة بأن تحتذى " !

حقاً إنها فريدةمن نوعها ؛ و لكن الفرادة قد تحمل المعنى السلبي أيضاً . ذلك لأن التاريخ المعاصر ، و منذ أن وجدت الأحزاب و الجبهات ، لم يعرف على الاطلاق ظاهرة أحزاب تتحالف مع نظام سياسي حاكم في بلد ما و تكون في الآن نفسه تحت الأرض أو شبه سرية و ممنوعة حتى من توزيع صحفها و مجلاتها أو نقلها إلا سرياً أو بموافقة مسبقة و خطية من وزارة الاعلام [ لدي صور كثيرة لطلبات كان قد تقدم بها عبد الوهاب رشواني لوزارة الاعلام كي تسمح له بنقل صحيفة حزبه " صوت الشعب " ] ... هذا رغم أن صحف السلطة الرسمية – و هذه حقيقة لا مراء فيها و يجب الاعتراف بها – غالباً ما تكون ، بل في تسعة أعشار الحالات ، أكثر جرأة و شجاعة حينما يتعلق الأمر بالنقد . و عندها لا بد من التساؤل : أليست هذه التجربة الجبهوية فريدة من نوعها فعلاً ؟!

ت‌-ما تقدم كان – يا حضرات الضباط – من الناحية الحقوقية الصرفة تقريباً ، و الآن اسمحوا لي أن أورد المثال التالي الأكثر دلالة فيما يتصل بالناحية الاجرائية :

منذ سنوات طويلة ( لم أعد أذكر ) فكّر عدد من الوجوه العلمية و المسؤولين الرسميين ( معظمهم إن لم يكن كلهم بعثي !) بتأسيس جمعية لرعاية و حماية حقوق المستهلك ، و قد تقدموا فعلاً بطلب ترخيص الى الجهات المختصة ، و لكن و بفعل سطوة تحالف ثالوث المافيا المشار إليه آنفاً ، لم يرخص للجمعية حتى الآن ، لسبب بسيط هو أن وجود جمعية من هذا القبيل ، و أسوة بمعظم بلدان العالم ، سوف يشكل ، أو بالأحرى " قد " يشكل خطراً على الممارسات الاجرامية لهذه العصابة ، لجهة استيراد و تصنيع و توزيع المواد الغذائية الفاسدة و السلع غير المطابقة للمواصفات ، و هو المجال الرحب و الأوسع لثرائها الاجرامي الفاجر . و السؤال – أيها السادة الضباط - : إذا كانت جمعية لرعاية المستهلك ، مسؤولة عن مراقبة " حقوق و سلامة البندورة و الكوسا و الأحذية و المعلبات و القمصان ... لم يسمح بها حتى الآن ، فكيف سيرخصون لي جمعية مسؤولة عن مراقبة حقوق الانسان في مواجهة انتهاكات أجهزتكم لهذه الحقوق ...

عند هذا الحد قطع الضباط المذكورون الحديث و قرعوا الجرس ليكملوا " الحوار " على طريقتهم ، بتوجيه الأمر لجلاديهم " خذوه الى " الكرسي " و علموه كيف تنتهك حقوق الانسان ... ليتعلم أفضل طريقة للدفاع عنها "!.. و كانت جلسات .. و كان " موت " .. و كانت " رقصات ديسكو " [ كما يسمونها رسمياً !] .. و كان تشويه و عاهات لم أبرأ منها حتى لحظة كتابة هذه السطور ، و ربما لن أبرأ منها أبداً !.

 

·        أبرز مؤسسي لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا,حكم علية عام 1992 بالسجن عشر سنوات لنظاله من أجل حقوق الإنسان وهو في سجن صيدنايا