من يصحح " التصحيح "؟

 

 

صبحي حديدي *

 

1

 

بعد مرور أشهر قليلة على استلامه السلطة في تشرين الأول (أكتوبر) 1970 ، دشّن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد سلسلة سياسات " تصحيحية " ( و منها استمدّ تسمية " الحركة التصحيحية " في وصف انقلابه العسكري على رفاقه ) ، استهدفت تدعيم أركان حكمه ليس على نحو وقائي مرحلي كما خُيّل للبعض أنذاك ، بل على نحو منهجي طويل نلمس آثاره اليوم في عمليات تنصيب نجله بشار ملكاً على الجمهورية .

بعض تلك التصحيحات شمل إعادة بناء الأجهزة الأمنية و تبديل بنية الجيش السوري القيادية و تأسيس وحدات عسكرية مستقلة أشبه بجيوش داخل الجيوش ( سرايا الدفاع ، الوحدات الخاصة ، الحرس الجمهوري ، سرايا الصراع ) ، و بعضها الآخر شمل الحياة السياسية و موقع حزب البعث في المجتمع . و السطور التالية تتناول هذا الجانب الثاني .

فمنذ أسابيع اختتم حزب البعث الحاكم مؤتمره القطري التاسع ، و كأنه يختتم فصلاً إضافياً في كتاب " الحركة التصحيحية " ، و ليس أي فصل جديد في كتاب بشار الأسد ، الذي لم يهتدي بعد الى تسمية فنية تصف الانقلاب الخاطف الذي أسفر عن تنصيبه . و هذا المؤتمر كان أشبه بترجيع مكرور لصدى المؤتمرات الحزبية السابقة التي عقدت بعهد الأسد : تصفيق و تهليل و عبادة فرد ، و تقارير زائفة عن الأوضاع التنظيمية و السياسية و الاقتصادية ، و اعلان العزم على الاصلاح و التجديد و تقديم الدماء الشابة ، ثم انتخاب قيادة جديدة ذات دماء شابة بالفعل ، و لكنها ذات عقول مكبلة طائعة مطيعة ، و أيدي مغلولة الى الأعناق ، و حناجر لا تتقن سوى الهتاف بحياة القائد .

و الحق أن أبرز تصحيحات حافظ الأسد السياسية كانت مقاربته الجديدة لمفهوم و طبيعة و دور حزب البعث الحاكم . ذلك لأن هذا الحزب لم يكن جماهيرياً في أي يوم ، ليس بمعنى افتقاره الى التأييد الشعبي فحسب ، بل بمعنى بنيته النخبوية و نظامه الداخلي الذي يجعل التنسيب و الانتساب عملية معقدة أقرب الى اختبار السحرة . و في أيام " المجموعة القومية " – أيام ميشيل عفلق و صلاح البيطار و أمين الحافظ – كما في أيام " المجموعة القطرية " – أيام حركة 23 شباط و مجموعة صلاح جديد – ساد اليقين بأن التنسيب الواسع للأعضاء الجدد يؤذي جسم الحزب ويتسبب في تمييع خطه السياسي وتركيبه الطبقي . ولهذا كان التركيز شديداً على ما عرف آنذاك بـ " المنبت الطبقي " للمرشح ، و جرى تفضيل أبناء الطبقات الكادحة على أبناء الأغنياء من الاقطاعيين و البرجوازيين .

تصحيح الأسد تمثل في فتح باب الحزب على مصراعيه أمام المنتسبين الجدد أي كان منبتهم الطبقي ، بل وجعل الانتساب الى الحزب أمراً لا غنى عنه من أجل ضمان دخول المعاهد و الجامعات ، و ضمان الحصول على الوظيفة . و كان الغرض الضمني هو بالضبط ما سعى القوميون و القطريون الى تفاديه : تمييع الخط السياسي و التركيب الطبقي . و بالفعل لم يمضي وقت طويل حتى انقلب الحزب الى مؤسسة انتهازية نفعية خاضعة للأجهزة الأمنية ، و سرعان ما انخرط أعضاء الحزب في تعامل مباشر أو غير مباشر مع الأجهزة الأمنية ، و أخذوا يعتبرون كتابة التقارير الأمنية واجباً تنظيمياً ، فدانوا بالطاعة الى رئيس فرع المخابرات أكثر بكثير من طاعتهم لأمين فرع الحزب .

التصحيح الثاني المتمم لهذا التصحيح الحزبي تمثل في تضخيم دور " المنظمات الشعبية " ، و منحها ميزانيات و صلاحيات و اطارات عمل كفيلة بضمان استقلالها عن الحزب من جهة ، و سهولة خضوعها تالياً لتوجيه الأجهزة الأمنية و العسكرية . و هذه المنظمات كانت تعمل في قطاع العمال و الفلاحين و الحرفيين و المعلمين و الطلبة و الشبيبة و الرياضة ، الى جانب الاتحادات المهنية التي تضم المحامين و الأطباء و المهندسين و الأدباء و الفنانين . و كان من الطبيعي تماماً أن تشرف الأجهزة الأمنية على انتخابات هذه المنظمات ، و أن يكون " التقييم الأمني " هو المعيار الأساسي في اختيار المرشحين لقيادة العمل .

ولقد تمت عمليات " عسكرة " مباشرة لبعض هذه المنظمات ، كما جرى في مطلع الثمانينيات حين تولى رفعت الأسد و مفارز " سرايا الدفاع " تدريب الشبيبة على القفز المظلي مقابل اعفائهم من معدل الدرجات المطلوبة للانتساب الى كليات الطب و الهندسة (وذات يوم نشر فنان الكاريكاتور السوري علي فرزات رسماً لطالبة تهبط بالمظلة من السماء الى كلية الطب ، فلقي جزاءه " علقة " ساخنة من أمن سرايا الدفاع ) . كذلك تمت عسكرة اتحاد الطلبة عن طريق الزام الطلاب الجامعيين بأداء التدريب العسكري المستمر .

التصحيح الثالث كان الأكثر ذكاءً ربما ، و تمثل في استحداث منظمة شعبية جديدة باسم " طلائع البعث " تشرف على التربية السياسية للأطفال في سن 6-11 سنة ، و لأن الانتساب الى هذه المنظمة كان اجبارياً و جزءاً لا يتجزأ من مناهج التعليم في المرحلة الابتدائية ، فقد شبّت أجيال كاملة على العبارة الكليشية : " بالروح ، بالدم ، نفديك يا حافظ " ! و كان الأطفال يكبرون و هم يستدخلون مبدأ عبادة الفرد و كأنه مبدأ وطني و تربوي طبيعي تماماً ، و مبدأ قيادة الأسد بوصفه " الأب القائد " و الوحيد القادر على حكم الأهل و المجتمع و الوطن .

و لأن 49% من سكان سورية كانوا فتياناً أقل من 15 ، فإن منظمة " طلائع البعث " لعبت دوراً حاسماً في تنشئة الأجيال الجديدة على قائد واحد و سياسة واحدة ، و زرعت في نفوس الصغار حس الطاعة العسكرية و الولاء الأعمى للقائد ، و جهدت لكي تكون هذه التربية بمثابة لقاح مبكر يحول بينهم و بين إلتقاط مرض السياسة حين ينتقلون من مرحلة الى أخرى في الدراسة و العمر و الوعي . و بهذا المعنى يمكن فهم النظرية التي تقول أن شرائح عديدة شابة في المجتمع السوري أصيبت بصدمة حقيقية حين رحل الأسد ، لا لشيء إلا لأنها لم تعرف رئيساً سواه ، و لم تمتلك فرصة ممارسة أي سياسة أخرى سوى سياسته .

هذه التصحيحات ساهمت في توطيد ثقافة الطاعة و تشكيل شبكات الولاء الفردي . و هكذا أخذت قوى الحزب الحاكم و المنظمات الشعبية تعتمد على مقدار ما تستطيع تأمينه من منافع و مزايا الأعضاء – الزبائن . و حين يهتز المعيار بين الولاء و الفائدة ، فإن العضو – الزبون سيختار واحداً من اثنين : إمّا البقاء في المنظمة مع فقدان الثقة بها ، أو الانصراف عنها الى ولاء آخر يستجيب لنزوعات أخرى . و في أواخر السبعينات و مطلع الثمانينيات ، حين أخذت ممارسات السلطة ترتدي تمييزاً صريحاً – طائفياً و عشائرياً و منطقياً – اكتشفت السلطة أن أعداداً كبيرة من المشاركين في تظاهرات الاحتجاج الشعبي في حماه و اللاذقية و حلب و دير الزور كانوا أعضاء في منظمة " اتحاد شبيبة الثورة " . كذلك اكتشفت أن الكثير من مقاتلي " الاخوان المسلمين " كانوا أعضاء في اتحاد الطلبة أو حزب البعث الحاكم .

و هكذا فإن " جيل الأسد " لم يكن محصناً تماماً ضد هذا النوع من " الشروخات التربوية " ، خصوصاً في المنعطفات الحاسمة (التدخل العسكري في لبنان ، الانفراد عن الصف العربي في تأييد ايران ، مجزرة حماه سنة 1982 ، المشاركة في " عاصفة الصحراء " ، وما الى ذلك ) . حيث كانت بعض الشرائح في هذا الجيل تغرد خارج السرب . و في عقد الثمانينيات كانت الأوضاع الاقتصادية و المعاشية المتردية قد مارست أقصى الضغوط على أبناء هذا الجيل ، إذ كان المواطن السوري يضطر الى الوقوف في الطابور ساعات معدودة من أجل الحصول على علبة واحدة من المناديل الصحية " الكلينيكس" ، أو علبة واحدة من السمن النباتي الرديء ، أو كيلوغرام واحد من البطاطا أو البندورة أو الخيار . و كان عضو الحزب أو المنظمة الشعبية جزءاً من هذا الشعب الذي يعاني ، و كان في الآن ذاته مطالباً بالدفاع عن النظام على نحو ببغائي بليد .

و في غياب الحياة الحزبية و التنظيمية الفعلية ، و استمرار " جيل الأسد " يتراخى أكثر فأكثر ، و يغرق في ثلاثة أنواع من " الحداثة " : حداثة الدولة التي تنطلق من أفكار جوفاء حول "التقدم"و"التنمية"و"التطوير التكنولوجي". وحداثة الاستهلاك التي تنطلق من الصراعات الأوروبية و الحياة البوهيمية؛ و حداثة المزج بين فكرة التقدم و الاستهلاك، الانتماء الى المجتمع و الانعزال في آن معاً .

مشكلة هذه الحداثات الثلاث أنها كانت ترتطم دائماً بآلة القمع، و بالمركزة الشديدة للسلطات، و بالهوة الشاسعة بين النظام و المجتمع. في عبارة أخرى، كان "جيل الأسد" ينتمي الى سياسة بالمعنى السطحي – القسري فقط، وليس بمعنى الاشتراك الديناميكي المباشر الذي يمكن الاعتداد به عند الملمات أو الأزمات. إنه جيل أشبه بالقطيع الهائم على غير هدى تارة، وأشبه بالحمل الذي قد يضلّ الدرب في أية منعطف تارة أخرى. وهو ، استطراداً ، ليس الجيل القادر على حمل أمانة القائد ، لأن تربيته لم تنهض في الأساس على حس الالتزام و الطواعية بقدر ما نهضت على الالزام و القسر .

هذا هو الجيل الذي ينبغي أن يسير اليوم مع بشار الأسد ؛

غير أن الجانب الآخر من المعضلة يكمن في حقيقة أن التصحيحات التي أدخلها حافظ الأسد على الحياة السياسية في سورية منذ عام 1970 كانت تستهدف عزل المجتمع عن السياسة في جانب أول ، و العهدة بادراة سياسة النظام الى حلقة ضيقة للغاية في جانب ثانٍ . هذه الحلقة الضيقة هي اليوم في موقع "الحرس القديم" الذي ينبغي أن يحمل وحده آثام ثلاثة عقود من حكم شمولي عسكري أمني ، و إليه وحده ينبغي أن تنسب أخلاقية الفساد و الإفساد . كيف يمكن ، إذاً ، تحقيق هذه المعادلة الصعبة بين إبادة القديم الذي كان وحده سيّد المشهد ، و إيقاظ الجديد الذي كان نائماً أو غائباً أو مغيباً عن المشهد ؟ و كيف يمكن رسم صورة "العهد البائد" إذا كان العهد الذي ينبغي أن يصعد ليس سوى أيتام البائدين ؟

و في تقارير المؤتمر التاسع لم تكن اللهجة "وقفة نقدية عارمة لحزب معارض، أكثر منه حزباً حاكماً و مسؤولاً" كما قال مؤخراً المفكر السوري مطاع الصفدي على سبيل التهرب من تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية ، بل كانت لهجة تيه اللغة بين النقد الذاتي و الذات التي تنقد ، لا لشيء إلا لأن الذات هي التي كانت تائهة و ما تزال . و ثلاثة عقود من ممارسة المكيافيلية السوداء من أجل قسر المجتمع السوري داخل هندسة التيه السياسي تحتاج الى ما هو أكثر بكثير من ثلاثة أيام في مسرحة "وقفة نقدية عارمة" .

وهذه ، في المناسبة ، ليست أصعب استحقاقات بشار الأسد ، بل هي الأسهل على الاطلاق . و أما حقول الألغام الحقيقية فإنها تقع على تلك الدروب الأخرى التي لا مناص للوريث من السير إليها ، و عليها .

 

2

 

بدأ بشار الأسد عهده الرئاسي من الخطوة التي تجعل المواطن السوري يردد ، دون كبير تردد : ما أشبه اليوم بالبارحة ؛ ذلك لأن نسبة 97.29% التي تمخض عنها الاستفتاء الرئاسي ليست سوى تذكرة بما كان يتكرر في الماضي من نسب مماثلة عند التجديد لانتخاب الأسد الأب ، الأمر الذي شكل – في كل مرة – مصادرة صريحة للعقل الطبيعي و المنطق السليم ، وإهانة مباشرة للمواطن السوري الذي لم يكن له من حول أو ارادة فيما يزور باسمه من نتائج الـ99% .

و ثمة نكتة سورية شائعة تقول أن أحد المواطنين قرر ذات مرة أن يقول الحقيقة و أن يصوت على النحو الذي يرضي ضميره ، فذهب الى مركز التصويت و وذع ورقة " لا " بدل " نعم " . و حين عاد الى البيت روى لزوجته ما فعل و فاخر بأنه هذه المرة "كسر الجرة " ، فأخذت زوجته تؤنبه و تذكره باللقمة و الوظيفة و مستقبل الأولاد ، و بأن المخابرات قادرة على اكتشاف فعلته الخطيرة تلك . و هكذا انتاب القلق المواطن السوري الصالح فعاد الى مركز التصويت و روى للمسؤول – همساً و على انفراد – أنه ارتكب خطأً مطبعياً و انزلقت يده لتضع علامة على دائرة الـ "لا" بدل الـ "نعم" ، فرد عليه المسؤول : لا تقلق يا أخي المواطن ، لقد انتبهنا الى الخطأ على الفور ، و سارعنا الى تصحيحه .

لا أحد من الذين راهنوا على اختلاف عهد الأسد الابن عن عهد الأسد الأب سوف يتجاسر و يقول لنا أن هذه النسبة صحيحة و تمثل ارادة الشعب السوري ، ولا أحد سوف يتفلسف أكثر فيقول أن اختلاف الـ97 عن الـ99 هو مؤشر مبكر على أن الحاضر سوف يختلف عن الماضي ، فكيف باللذين سيعتبرون فارق الـ 2% بمثابة بشارة خير ، فيهتفون : البشرى ! الشرى ! ولكن ، في المقابل ، لا أحد من المراهنين إياهم سوف يتطوع بتفسير السبب الذي جعل بشار الأسد يوافق على اعلان هذه النسبة بالذات ، هو الذي يعرف أكثر من الجميع أنها كاذبة و زائفة و مزورة ، وأنها معيبة أيضاً وأساساً .

بالطبع كان في وسع بشار الأسد أن يختار النسبة التي يشاء ، و أن "يقهر" الارادة الشعبية على نحو معكوس إذا جاز القول ، مثل هذا السيناريو العجائبي كان سيسير على النحو التالي : يهرع المستشارون و الأعوان و المرتزقة الى القصر الجمهوري بعد إقفال صناديق التصويت ، حاملين بشرى فوز المرشح الشاب بنسبة 97.29 ، فيرد الفتى المتطلع الى حاضر مختلف و مستقبل أفضل : أشكر الشعب السوري على ثقته العالية بي ، ولكنني – و باللقياس الى سني البيولوجي و السياسي ، و ما أملك من خبرة وعلاقة مع الشعب – أفضل أن تكون النسبة 65% مثلاً .

أي أثر فوري دراماتيكي كانت ستخلفه في الشارع السوري هذه النقلة الى الحقيقة ، بعض الحقيقة و ليس كل الحقيقة ؟ ولماذا لم يتوفر لبشار الأسد ناصح واحد شجاع – و ذكي أيضاً – يذكره بأن الماضي أكثر قتامة من أن يعاد انتاجه على هذا النحو المبكر ، و أن الشارع السوري ينتظر اشارة واضحة تدل على نوايا طي بعض الماضي و ليس السير الى الوراء نحو أسوأ تقاليد الماضي ؟ وفي الأساس ، لماذا يتوجب على المرشح الشاب أن ينتظر مجيء الناصح الشجاع ، و هو الذي يقدم إلينا في صورة "الشاب العصري الواقعي المعلوماتي" القادر بالتعريف على التمييز بين الصدق و الزيف ؟

من جانبي ، وفي انتظار اجابات المراهنين على الرئيس الشاب ، أعتبر أن بشار الأسد قدم دليلاً مبكراً على أنه ليس ابن الماضي و صنيعته مؤسسة الماضي فحسب ، بل على كونه أول صانعي عمليات جر الماضي الى الحاضر ، و تكبيل المستقبل بمعظم الخصائص البنيوية التي نهضت عليها "الحركة التصحيحية" ، ووضع سورية أمام السنة الأولى في عقود "الحركة التصحيحية – اثنين" ، بأعرافها و تقاليدها و أجهزتها و معظم رجالاتها أيضاً . وإذا كان الوضع يبدو اليوم ، "مستقراً" كما يتغنى البعض ، الأمر عائد الى أنه وضع راكد تماماً في الواقع : لا شيء يتحرك ، لا شيء يتغير ، لا شيء ينطوي ، وما من هجوم على ديناصور ، وبالتالي ما من مقاومة تصدر عن ديناصور .

والسوريون تابعوا العجلة الجهنمية للمتغيرات التي تسارعت منذ العاشر من حزيران الماضي حين غيب الموت الأسد الأب ، بتسليم قلق تارة وسخرية سوداء طوراً ، ببعض الرجاء بأن تكون سنّة الحياة  هيا الغالبة فيتغير بعض الحال ، و بالكثير من الريبة بأن يكون تغيير الحال من المحال . وبالأمس انقضت ثلاث أشهر على رحيل الأسد الأب ، و المشهد تبدل كثيراً من حيث الرجال وبعض الأقوال ، و لكن ليس البتة من حيث الأفعال ، وما قيل – على استيحاء – في أروقة المؤتمر القطري لحزب البعث طوي على عجل في التصريحات العلنية التي عادت الى المعجم القديم ذاته ، حتى في مسائل تجميلية مثل تحديث الارادة ومحاربة الفساد .

وفي خطاب القسم أعلن بشار الأسد أنه لا يملك "عصى سحرية لتحقيق المعجزات" . ولكن ، من يطالب بالمعجزات ؟ وهل يدخل في باب المعجزات اطلاق تعهد أمام المواطنين بإلغاء الأحكام العرفية ، على سبيل المثال ؟ والذي يقبض في يده على السلطات كافة ، كيف يرى في مطلب طبيعي كهذا أمراً أشبه بالمعجزات ؟ وهل إعادة تنظيم الحياة السياسية بما يكفل بعض التعددية و بعض الحريات في التعبير و التجمع و التنظيم (ونكرر من جديد : بعض الحريات وليس الحريات كافة) أمر خارق يحتاج الى ساحر مسلح بعصى سحرية ؟ هل احتاج الأشقاء في الأردن و المغرب الى مثل تلك العصى لكي ترفع الرقابة عن الصحف مثلاً ؟ أو لكي يجاهر المواطن ببعض رأيه دون زعر ؟ أو لكي يذهب الى صندوق الانتخاب تحت سلطة ضميره و ليس تحت سوط السلطة ؟

والحال أن بشار الأسد يعيد انتاج خطاب أبيه بصدد التعددية السياسية حيث يزجي المديح "الجبهة الوطنية التقدمية" بوصفها المثال على نموذج ديمقراطي تم تطويره من خلال تجربتنا الخاصة ، فيتناسى ما يعرفه كل مواطن سوري راشد : أن هذه الجبهة خلقت جثة هامدة منذ البدء ، و هي تعفنت طويلاً و زكمت رائحة موتها الأنوف ، و إن أحزابها ليست سوى حلقات تصفيق و تهليل و مباركة و مبايعة ، و أنها لا تملك من حقوق التعبير عشر ما يملكه فريق كرة قدم ، و إذا كان الأسد الابن قد تحدث عن ضرورة تطوير صيغة عمل الجبهة ، بما يستجيب لحاجات التطوير التي يتطلبه واقعنا المتطور و المتنامي ، فإن الأسد الأب كان قد تحدث هكذا في كل خطاب قسم خلال السنوات الثلاثين ، الجبهة العتيدة بقيت على حالها ، و بقي عجائزها العاجزون المنافقون كل في مكانه و موقعه : لا حياة لمن تنادي ‍‍‍‌!

كذلك يعيد بشار الأسد انتاج خطاب أبية في مسائلة الديمقراطية, مع تغيير وحيد هو اللغة الفلسفية المتحذلقة التي يستخدمها كاتب خطبة, والتي تختلف عن اللغة الرصينة الأستعلائية التي كان يستخدمها كاتب الأسد الأب. وذات يوم, حين أنطلقت عمليات البيريسترويكا في الأتحاد السوفييتي , أعلن الأسد أن سورية سبقت غوبراتشوف الى هذا النوع من العلانية والإصلاح والمحاسبة , وضرب مثلا على ذلك : اللجبهة الوطنية التقدمية , دون سواها!

اليوم يقول بشار الأسد إن "الديموقراطية واجب علينا اتجاه الآخرين قبل أن تكون حق لنا" , أي أن ممارسة الديوقراطية ليست حق المواطن أولاً, بل هي التاليه بعد واجبه اتجاه" الآخرين" , الذين لايمكن أن يكونوا سوى السلطة ذاتها . يؤدي المواطن واجبه أولا , وبعدها نبحث في حقوقه . هذا جوهر الحذلقة في التهرب من المسائلة الجوهريه التي تقول إن إنفصال الحقوق عن الواجبات , أو تفصيل الحقوق على مقاس الواجبات في عبارة أخرى , هو المدخل الكلاسيكي الذي مكّن أنظمة القمع والإستبداد من تدجين المواطن وتغييب حقوقة تحت مظلة واجبه تجاه "الوطن" , الذي ليس سوى مزرعة القاهر وملعب السلطة .

كذلك يقول إن"الفكر الديمقراطي هو الأساس والممارسات الديمقراطية هي البناء" وبكل تأكيد جميعنا يعلم أن الأساس عندما يكون ضعيفاّ فإن اللبناء يكون مهدد بالتداعي والسقوط (...) الديمقراطيات الغربية على سبيل المثال هي محصلة تاريخ طويل نتج عنه عادات وتقاليد وصلت معها مجتمعاتهم الى ثقافتها الراهنه, ولكي نطبق مالديهم علينا أن نعيش تاريخهم وإسقاطاتهه الإجتماعية وعندها يكون هذا الاحتمال ممكناً " .وكاتب خطبة القسم يتابع خيط الحذلقة الفكرية ويقول: "وبما أن هذا مستحيل فعلينا أن تكون لنل تجربتنا الديموقراطية الخاصة بنا" المنبثقة عن تاريخنا وثقافتنا وشخصيتنا الحضارية, والنابعة من حاجات مجتمعنا ومقتضيات واقعنا. وعندها ستكون النتجة بناء متيناّ قادراّ على الصمود في وجه الهزات" .

خطاب عجيب إذ يصدر عن شاب يقال لنا أنه عصري منفتح معلوماتي, تثقف في الغرب . لماذا يصحّ التخصص في طب العيون على يد الغرب, ولا تصح الإستفاده من تجارب الشعوب في صياغة أشكال العمل الديمقراطي ؟ ومن قال إن صيغة" الديمقراطية الشعبية " التي بشر بها حزب البعث وطبقها –على النحو الكارثي الذي نشهده اليوم في سورية والعراق – كانت من بنات أفكار منظري حزب البعث, أو أنها انبثقت من "تاريخنا وثقافتنا وشخصيتنا الحضارية" ؟

ومن قال إن سورية لم تعرف في الماضي تجارب حقيقية في الديمقراطية النيابيه, حتى تحتاج اليوم الى "فكر" ديموقراطي يكون هو الأساس والى ممارسات ديمقراطية تكون هي البناء ؟ و إذا كانت ممارسات البعث ، و منذ عام 1963 دون استثناء أي عهد بعثي بحمد الله ، هي التي أجهزت على الفكر الديمقراطي و الممارسات الديمقراطية التي عرفها المجتمع السوري منذ العشرينات ، فلماذا يتوجب على المجتمع السوري أن ينتظر اهتداء الحزب ذاته الى فكر ديمقراطي جديد و ممارسات ديمقراطية جديدة ؟

و هذا الحزب الذي مارس عبادة الفرد طيلة ثلاث عقود ، ويستعد اليوم لممارستها من جديد مع الأسد الابن بعد الأسد الأب ، كيف يحق له أن يستمهل المجتمع السوري أزمنة جديدة من الاستبداد ذاته ، ريثما تتفرغ قيادات البعث لبناء أساس غير ضعيف يكفل ألا يكون البناء مهدداً بالسقوط و التداعي ؟ ألا يتّضح الأساس منذ الآن ، حين يهتف رئيس مجلس الشعب ممثل الديمقراطية البعثية ، أن "أعظم ما نستطيع به تكريم ذكرى رحيل زعيمنا الراحل حافظ الأسد هو أن نستجيب لنداء رئيسنا المفدى السيد الدكتور بشار الأسد في بناء دولة العلم و التربية و التقانة على أسس راسخة" ، و ذلك "لنصبح شركاء في هذا العالم الذي لن يعيش فيه عيش الكرامة لإلا أصحاب العلم و الكرامة". أي ثقافة استبداد عريقة لصيقة تلك التي جعلت قدورة يتحدث عن العلم و التربية و التقانة ، ولكن ليس عن الحرية و الديمقراطية و القانون مثلاً ؟

غابت عن خطاب القسم الوعود ، إذاً ، و حضرت فيه التحذيرات من الاعتماد على عصى سحرية تحقق المعجزات . ولكن ... كيف تمكن بشار الأسد – دون عصى سحرية – من تحقيق معجزات كبرى من نوع حرق نصف ثلاثة عقود كاملة يحتاجها العسكري العادي لكي ينتقل من رتبة نقيب الى رتبة فريق ، و كيف يبدو بحاجة الى عصى سحرية لكي يتمكن من إلغاء قانون الأحكام العرفية ؟ على من تتلى هذه المزامير ؟ و الى متى ؟

 

3

 

حتى ينجلي المشهد عن معطيات واضحة حول مآل الحكم وتوازنات السلطة وخيارات السياسة (في العلاقة مع المجتمع ،كما في العلاقة مع الخارج ) ، لا نملك اليوم سوى حفنة قليلة من الاشارات المساعدة على فهم ما يجري في دمشق ، بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد ، و مرور أكثر من شهرين على انتخاب ابنه بشار رئيساً للجمهورية .

ولأن انقضاء ثلاثة أشهر ليس بالأمر التافه في حسابات الزمن النوعي السوري الراهن (وهو زمن تغيير و تحول كما يقال لنا و كما يتوجب أن نفترض)، ولأنه أيضاً ليس بالأمر الحاسم تماماً (أن تظل الأشهر الثلاثة فترة زمنية قصيرة نسبياً؛ ولأن البعض مازال يراهن على احتمال أو حتمية مجيء التغييرات ذات يوم قريب ؛ فإنني في هذه الجردة الحسابية سوف أتوقف عند حفنة من الاشارات عن طريق قراءة محتوياتها و ليس تأويلها أو الافراط في تحميلها ما لا تحتمل من استنتاجات ، والوصول بالتالي الى خلاصة مركزية واحدة : لا ئيء يتحرك، لا شيء يتغير، لا شيء ينطوي!

ذلك لا يعني بالطبع أن سورية غارقة في سبات تام ، و أن ادارة بشار الأسد تعيش مرور الزمن وهي مكتوفة الأيدي ، وإن الحركة الاجتماعية جامدة بصفة مطلقة . حال كهذه لا يمكن أن تكون سمة لأي مجتمع في أي حقبة من تاريخه وأي كانت الشروط السياسية – الاجتماعية السائدة . ما أعنيه بخلاصة "لاشيء يتحرك، لا شيء يتغير، لا شيء ينطوي" هو بالضبط ذلك الجمود التام على صعيد التغيير الذي كان الشارع السوري ينتظره من بشار الأسد ،وعلى صعيد تحديث المؤسسات المدنية ، و تطوير العلاقة بين الحاكم و المحكوم ، ومنح المجتمع فرصة أفضل لممارسة السياسة (وبالتالي ممارسة الرقابة) على آلة الدولة ، لكي لا نقول – باختصار شديد – على صعيد احداث نقلة ديمقراطية في حياة البلاد ، وطي مجلد الحركة التصحيحية بدل تكريس صفحة جديدة في الأعراف ذاتها ، ولكن تحت تسمية الحركة التصحيحية – 2 – .

ولعل أبرز الاشارات (لأنها الأهم على المستوى الأمني – العسكري) تأتي من حقيقة عدم صعود فريق بشار الأسد ، أو عدم اتضاح خطوات ملموسة على طريق تصعيد أفراد هذا الفريق و ترقيتهم الى المواقع التي يتوجب أن يسارعوا الى شغلها في سياق الحرص (العاجل تماماً) على ملء فراغ القوة . لا نملك اليوم معطيات ملموسة تشير الى صعود دراماتيكي لمهام و مسؤليات أناس من أمثال آصف شوكت و بهجت سليمان ، ونملك في المقابل معلومات عن تجميد أو تقييد أو تأطير للصلاحيات التي كانوا يشغلونها ساعة استلام بشار الأسد دفة الحكم .

في المقابل لا بد لهذه الاشارة الأولى أن تتكامل جدلياً مع اشارة ثانية تخص الفريق الذي خدم مع الأسد الأب ، إذ أن ما لا يكسبه الحرس الفتي لا يخسره الحرس القديم . وفي انتظار بروز معطيات أخرى ملموسة ، لا يلوح البتة أن رجالات الحرس القديم في الحزب و الدولة (عبد الحليم خدام بصفة خاصة) فقدوا أية أرض في المساحة الواسعة التي كانت حصتهم من آلة الحكم أيام الأسد الأب ، بل لعلهم كسبوا – أو منحوا في عهد الأسد الابن – المزيد من صلاحيات البت في الشؤون الحزبية والسياسية والاقتصادية .

وإذا وضعنا جانباً أهمية عودة رئيس الأركان السابق حكمت الشهابي الى البلاد ، والطريقة الاحتفالية التي خصه بها بشار الأسد عند استقباله في القصر الجمهوري ، وإذا خففنا في السياق ذاته من دلالات إعادة تثبيت خدام ومحمد زهير مشارقة في منصب نيابة الرئيس ، فإن الانتخابات اللبنانية (في الجبل بصفة خاصة ، ولكن في بيروت أيضاً) كانت دليلاً على تشرزم الملف اللبناني بين أكثر من يد سورية واحدة (الرئيس نفسه ، خدام ، ادارة المخابرات العامة ، غازي كنعان منفرداً ...) ، وكانت مؤشراً على عودة عبد الحليم خدام الى الملف اللبناني ... مظفراً ! ولم يكن بغير حساب سياسي سليم (وربما استثماري ذكي) أن رفيق الحريري كان الى جانب خدام في وداع حكمت الشهابي من مطار بيروت ، قبل ساعات معدودات من وفاة حافظ الأسد .

الاشارة الثالثة هي التجميد العملي لحكاية محاربة الفساد ، و التي كانت البيرق الأهم الذي رفعه فريق بشار الأسد ، سواء بفرض كسب تعاطف الشارع و شحذ الآمال و خلق حال من الترقب الايجابي في صفوف المواطنين ، أو بغرض رفع الهراوة الغليظة في وجوه رجالات السلطة ممن يزمعون القيام بأي نوع من أنواع التغريد خارج السرب . لكننا اليوم نشهد سكوتاً مدهشاً على هذه الحكاية ، وكأن الأمر بأسره بدأ مع الثلاثي – محمود الزعبي ، سليم ياسين ، مفيد عبد الكريم – و انتهى مع انتحار الأول والحجز على أموال الثاني والثالث ، وإلهاء العباد بهذا الخبر أوذاك عن إحالة هذا المدير العام أوذاك الى القضاء . ليس هذا ما كان الشارع السوري ينتظره بالطبع ، وليس هذا الشارع على درجة من الغفلى تجعله لا يحسن قراءة الأسباب الحقيقية وراء اطلاق حملة محاربة الفساد بزخم إعلامي صاخب ، ثم وأد الحملة في المهد أو حين توجّب أن تصعد الى أعلى في هرم الفاسدين الكبار .

الاشارة الرابعة تأتي من بشار الأسد نفسه ، على صعيد ما أصدر من مراسيم جمهورية حتى الآن . وإذا كان مرسوم زيادة الرواتب بنسبة 25% هو الأكثر أهمية و جدوى بالنسبة الى المواطن السوري ، فإن المواطن نفسه ما أدرك – كما فعل من قبل مع مثل هذه المراسيم – أن الزيادة أتت من الباب وخرجت سريعاً من النافذة ! المراسيم الأخرى كانت تجميلية تارة ، أو قاصرة طوراً عن خدمة الجمهور الشعبي العريق (كما في مرسوم دفع البدل العسكري بالنسبة للمغتربين ، والذي لا يخدم سوى الأثرياء وميسوري الحال) ، أو مأساوية حقاً رغم غرضها الانساني (كما في المرسوم الذي يطلب من شركات الطيران السورية تأمين النقل المجاني للمغترب السوري الذي يموت في الخارج!) ، وما إليها . هذه بالطبع ليست مراسيم إصلاحية ، ولا يمكن أن تكون جزءاً من سياسة تغيير جوهري في حياة سورية ، حتى إذا شاء البعض الافراط في تضخيمها ونفخها والاتكاء عليها .

الإشارة الخامسة تأتي من مؤسسات الحكم أو المنظمات الشعبية التابعة لحزب البعث الحاكم . مثال أول طلع به رئيس الوزراء محمد مصطفى ميرو (الذي قيل لنا أنه جاء لكي يقلب تراث الزعبي رأساً على عقب !). في اجتماعه مع السينمائيين السوريين و تلويحه بإعادة المؤسسة العامة للسينما 37 سنة الى الوراء ! ففي هذا الاجتماع اعتبر ميرو أن المؤسسة ليست مكلفة بانتاج أفلام روائية ، بل بإنتاج أفلام سياحية و دعائية تخدم الثورة فقط ، تماماً كما نص على ذلك مرسوم إحداثها ! وبدل تطمين السينمائيين الى أن سنوات التغيير سوف تحسن فرص العمل و الإنتاج في مؤسسة لعلها بين أفضل المرايا التي تعكس صورة حضارية عن سورية ، أغلق ميرو الباب في وجه السينمائيين وقرأ القانون بمفعول إرتجاعي ورجعي أيضاً !

مثال ثان صنعته وزيرة الثقافة مهى قنوت ، وذلك حين مارست سياسة الاستئصال الفوري ضد المفكر السوري الكبير أنطون مقدسي ، فأجبرته على الاستقالة من منصبه (الذي كان يشغله بالتعاقد فقط) في مديرية التأليف و الترجمة ، لأنه تجاسر و كتب رسالة مفتوحة الى رئيس الجمهورية ، يحثه فيها على تحويل شعب سورية "من وضع الرعية الى وضع المواطنة" .وفي عهد يسعى الى التغيير الحق والحقيقي كان مكافأة هذا الشيخ الجليل واجبة على أهل التغيير ، لا طرده شر طردة من الموقع الوحيد الذي يتيح له تقديم خدمة حضارية للشعب السوري .

الاشارة الأخيرة يوفرها المجتمع السوري ، الذي أخذ يتململ بعد ترقب ، وأخذ يتلفت جهة اليمين وجهة اليسار فلا يبصر أي تغيير ، وفي الآن ذاته يبصر ما يجري من تغييرات كبرى في العالم ، وفي ديكتاتوريات كانت أكثر عراقة و بطشاً وجبروتاً . ففي أواخر آب الماضي أصدرت مجموعة من المثقفين والمهنيين ورجال الأعمال السوريين المقيمين في سورية بيناً في صيغة مشروع لتأسيس "جمعية أصدقاء المجتمع المدني في سورية" . والمشروع يشدد على الحاجة الى "إحياء مؤسسات المجتمع المدني وتحقيق التوازن بين دورها ودور الدولة في إطار شراكة حقيقية بينهما ، في سبيل المصلحة الوطنية الكبرى ، فالتأكيد على أهمية حرية الرأي والتعبير واحترام الرأي الآخر وتفعيل مشاركة الفرد الايجابية في حياة الجماعة واعتماد مبدأ الحوار والنقد الايجابي والتطور السلمي وصولاً الى حل الخلافات بالتسوية والتفاهم ، تعتبر من أهم مقومات المجتمع المدني ، كما أن سيادة القانون واستقلال القضاء وإلغاء المحاكم الاستثنائية والأحكام العرفية وإيقاف العمل بقانون الطوارئ تمثل بمجموعها أساساً راسخاً في بنيان المجتمع المدني".

وفي أواخر أيلول أصدر 99 مثقفاً سورياً (يقيمون في الداخل أو يزورون سورية دون عوائق) بياناً يطالب بإلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية ، و"إصدار عفو عام عن جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والضمير والملاحقين لأسباب سياسية ، والسماح بعودة المشردين والمنفيين السياسيين جميعاً" . وإرساء دولة القانون ، وإطلاق الحريات العامة ، والاعتراف بالتعددية السياسية والفكرية وحرية الاجتماع والصحافة والتعبير عن الرأي ، وقالوا بصريح العبارة إن "أي اصلاح ، سواء كان اقتصادياً أم ادارياً أم قانونياً ، لن يحقق الطمأنينة والاستقرار في البلاد ، ما لم يواكبه بشكل كامل ، وجنباً الى جنب ، الاصلاح السياسي المنشود".

وفي خطاب القسم أعلن بشار الأسد أنه لا يملك عصى سحرية . وقد تكون دلالات الاشارات الخمس الأولى ذات صلة – كبيرة أو صغيرة – بأسباب استمرار غياب تلك العصى السحرية ، وغياب أو تغييب التغيير . ولكن الموقعين على مشروع تأسيس "جمعية أصدقاء المجتمع المدني في سورية" تقدموا ، بالفعل ، بطلب منحهم رخصة قانونية لإشهار الجمعية . أفهل تحتاج الموافقة على طلبهم هذا الى عصى سحرية ؟ ثم هل يحتاج الرئيس الشاب الى العصى السحرية ذاتها لكي ينبه وزير إعلامه (الذي يقال لنا أنه من طينة مختلفة عن وزير الاعلام الأسبق محمد سلمان) الى منع الصحف العربية التي نشرت "بيات الـ99" من دخول القطر يعد أمراً معيباً عجيباً ، يجر الماضي الى الحاضر و يبرهن أن سورية تعيش في "الحركة التصحيحية –2" ليس أكثر وليس أقل ؟

ومن يصحح التصحيح ، إذاً ؟

ـــــــــــــــــــــــــ

* كاتب وصحفي سوري .