من غير الممكن أن تظل سورية مملكة الصمت

 

رياض الترك *

 

في رسالة وجهها فاتسلاف هافل في الثامن من نيسان عام 1975 الى رئيس دولته غوستاف هوساك يوم كان ما يزال مثقفاً منشقاً عن نظام " الديمقراطية الشعبية التشيكوسلوفاكية " طرح الكاتب المسرحي التشيكي على رئيسه السؤال الآتي : لماذا يسلك الناس كما يسلكون ؟ لماذا يعملون كل ما من شأنه أن يوحي اجمالاً بهذا الشعور الغالب بأن مجتمعنا متحد تماماً و يؤيد حكومته تأييداً تاماً ؟ و لم يثبت أن أكد أن الجواب واضح لكل مراقب نزيه : ذلك لما يعتريهم من خوف .

 

بعد عقد و نصف عقد من تاريخ كتابة هذه الرسالة انزاح جدار الخوف الرابض على أفئدة شعوب أوروبا الشرقية ، و سقط معه و بفضله جدار برلين و طويت صفحة الأنظمة الشمولية التي هيمنت على تلك المنطقة من العالم قرابة نصف قرن من الزمن .

 

و اليوم في سورية يعدل الدستور خلال نصف ساعة و باجماع النواب و يخرج الناس فرادة و جماعات في مسيرات التأييد و التبجيل . ثم يرشح مجلس الشعب السوري نجل الرئيس الراحل لرئاسة البلاد . و تبارك أحزاب " الجبهة الوطنية التقدمية " غرف التجارة و الصناعة و النقابات العمالية و المهنية و بعض المثقفين هذا الترشيح . و تقدم فروض الطاعة و الولاء و يجري الاستفتاء و يحظى الرئيس الجديد بنسبة 97.29 % من أصوات المقترعين و هي على الرغم من عدم وصولها الى نسبة الـ 99 % تبقى من النسب الشهيرة و الأثيرة التي كان يحلو لأعلام الأنظمة الشمولية الزائلة أن يرددها .

 

في سورية اليوم لا يزال الخوف الحاضر الأكبر في علاقة الناس بالسلطة ، و في علاقتهم ببعضهم البعض ، قالمسؤول يخاف رئيسه الأعلى و البعثي يخاف رفيقه و الموظف زميله و الطالب صديقه و الأستاذ طالبه و الأخ أخاه . و الجميع يخافون السلطة و أجهزة القمعية التي تتدخل في أدق تفاصيل حياتهم المهنية و الاجتماعية و الشخصية .

 

في سورية اليوم لا يزال الخوف جاثماً على الصدور و لا تزال تتولد عنه طقوس من الطاعة و الاذعان يعرف القيمون عليها و المشاركون فيها زيفها و بطلانها . فكيف يمكن للمواطن أن يصدق عفوية مسيرات البيعة ، و هو نفسه يشارك فيها مرغماً و مذعناً لأوامر منظمته النقابية أو مؤسسته التي يعمل فيها ؟ و كيف له أن يتجنب المشاركة فيها و هو مهدد بلقمة عيشه و وظيفته و مستقبله إن هو فعل ؟

لا أحد في سورية يصدق هذه المسرحية التي عنوانها تركيع الوطن غير أن القيمين عليها يريدون للجميع بمن فيهم أنفسهم الاستمرار في لعب أدوار تخطاها الزمن و لهم أن يرددوا ما طاب لهم شعارات من مثل ... الى الأبد . فسرعان ما يفرض التاريخ منطقه و تتجلى حقيقة الحياة التي لا خالد فيها إلا الله .

 

إن تاريخ سورية الحديث لم يبتدأ مع عهد الرئيس حافظ الأسد و لن ينتهي برحيله و لكن القائمين على شؤون الحكم و حرصاً منهم على مصالحهم و امتيازاتهم يفرطون بأحد أهم منجزات شعبنا السوري فالنظام الجمهوري لم يكن يوماً ملكاً لأحد . لقد جاء ثمرة نضالات مديدة كلفت شعبنا ثمناً باهظاً امتدت من مقاومة الاحتلال الفرنسي عام 1920 الى الظفر بالاستقلال عام 1946 . الى مواجهة الانقلابات العسكرية و التخلات الأجنبية و مقارعة الأحلاف و المشاريع المشبوهة . لقد رفض الرعيل الأول من رجالات الجمهورية السورية الذين قدموا الغالي و النفيس في سبيل القضية العربية أن يفرطوا بالجمهورية . فتوطدت ديمقراطياً مبادئ النظام الجمهوري البرلماني في أعقاب اسقاط دكتاتورية أديب الشيشكلي و اجراء الانتخابات البرلمانية عام 1954 وصولاً الى الوحدة مع مصر .

 

و إذا كان مجيء حزب البعث الى السلطة عام 1963 قد أدخل مبدأ حكم الحزب الواحد الى نظامنا الجمهوري ، فإن عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد حول هذا النظام تدريجياً نظاماً فردياً مشخصاً لكنه أبقى من حيث الشكل على النظام الجمهوري ، أما اليوم فإن أسس هذا النظام أضحت مهددة بالكامل بل هي مهيئة لأن يتحول الحكم فيها الى حكم أسرة بسبب عملية التوريث .

 

إن من حق شعبنا اليوم أن يناضل للحفاظ على مبادئ الجمهورية و أن يتمتع بحياة ديمقراطية حقيقية بدلاً من " ديمقراطية " رفع الأيدي و التصويت بالاجماع و المبايعة إنه شعب قادر مثله مثل بقية الشعوب على استعادة ماضيه و صون ذاكرته و أن يحي حياة حرة كريمة .

 

و ليتذكر من يحلو لهم شعارات " الحزب القائد للدولة و المجتمع " كيف كان حزب البعث في الخمسينات من القرن الماضي حيث بلغ ذروة قوته و توحدت تياراته و أوصل سبع عشر نائباً من أعضائه الى البرلمان و انتخب النواب أحد قادته المناضل الكبير المرحوم أكرم الحوراني رئيساً للبرلمان . يوم كان في سورية حياة ديمقراطية و تعددية سياسية و صحافة حرة و لينظروا الآن كيف فقد هذا الحزب الذي يبلغ عدد أعضائه مليون و نصف مليون أي دور قيادي في حياة سورية السياسية . إن هذا العدد الضخم لم تعد له علاقة فعلية مع التنظيم عدا دفع الاشتراكات و تلبية الدعوات حين تدعو الحاجة اليه . لقد تحول هذا الحزب أداة في يد السلطة . يأتمر بمشيئتها و ينفذ ما تريد . إن هذا العدد الضخم من المنتسبين يذكرنا بالملايين الثمانية التي كان يزخر بها الحزي الشيوعي السوفياتي . و التي تبعثرت أيما تبعثر حين بدأ النظام السوفياتي يترنح قبيل سقوطه . فلم تكن لها أي فاعلية للدفاع عن هذا النظام . أليست حال أحزاب " الجبهة الوطنية التقدمية " شبيهة كذلك بحال البعث مع الحفاظ على فارق الأرقام ؟

 

إن أحزاب المعارضة الممنوعة فهي الأخرى ضعفت فاعليتها السياسية و الاجتماعية . بسبب سياسة القمع و الاقصاء و الملاحقة . مع الحفاظ على فارق المعاملة . لقد استطاعت السلطة في المحصلة أن تحقق هدفها في ابعاد المجتمع و قواه الحية عن الحياة السياسية .

 

إن مشكلتنا ليست مع الدكتور بشار الأسد . فالرجل لم يتبوأ في الماضي أي منصب رسمي قبل ترشيحه للرئاسة و فوزه في الاستفتاء . بل كان يزاول مهنته كطبيب و يمارس نشاطه الاجتماعي و الثقافي و هواياته كباقي الشباب . أما اليوم فالمشكلة آتية من آلية وصوله الى السلطة من طريق الوراثة . إنها سابقة خطيرة يمكن أن تتكرر مع أخوته و أبناءه . هذا عدا عن انتقال عدواها الى الأنظمة العربية الشبيهة بنظامنا الحالي . فمن غير المعقول في ظرفنا الراهن . و الجميع يتحدث في سورية عن التغيير و التحديث و ضرورتها . أن يستمر اختصار المجتمع السوري بكل مشاربه و تنوعاته في كلمتي " موافق " " غير موافق " يدلي بإحداهما المواطن المكبل يداه بالخوف . لاختيار مرشح وحيد لم يتضح بعد برنامجه السياسي.

 

إننا نعيش اليوم في سورية أزمات عميقة و مستعصية تراكمت خلال الثلاثين السنة الماضية. و يعترف بها القاصي و الداني بما في ذلك بعض أطراف السلطة . و هي أزمات تطاول مختلف جوانب حياتنا . و تهز مجتمعنا هزاً عنيفاً . و تهدد لحمته الوطنية . إنها في الأساس أزمة نظام قاد البلاد و الناس الى هذا الوضع الكارثي . و من غير المعقول تجاوزها باصلاحات فوقية . فهي لا يمكن أن تحل إلا في اطار اصلاح سياسي أولاً . يكون وحده الضامن لكل اصلاح اقتصادي أو اداري أو قانوني . فالاصلاح الاقتصادي ، و في غياب الاصلاح السياسي الحقيقي ، سيبقى محاولة فاشلة لترويج وجوه جديدة في       ستعيد مؤسساته . الباقية على حالها انتاج الفساد و المفسدين . فبدلاً من التغني باقصاء المرحوم محمود الزعبي رئيس الوزراء السابق بتهمة الفساد و احالته على القضاء . علينا أن نسأل أنفسنا كيف وصل هذا الرجل الى أعلى المناصب و بقي متربعاً على كرسي رئاسة الوزراء ثلاثة عشر عاماً . و قبل ذلك رئيساً لمجلس الشعب أكثر من خمسة أعوام من دون أن يحاسبه أحد ؟

 

إن الاصلاح السياسي المنشود ينطلق من اقامة نظام وطني ديمقراطي يقوم على التعددية الحزبية التي تنفي مقولة " الحزب القائد " عدا عن نفيه المقولة الجديدة . مقولة " قائد مسيرة الحزب و الشعب " و التي تخفي وراءها حقيقة حكم الأسرة التي تكرست بوراثة الابن لأبيه . كما أنه يقوم على الغاء أحكام المحاكم الاستثنائية و قانون الطوارئ المطبق منذ أربعين عاماً . و على خضوع الجميع . و أولهم القائمون على شؤون الحكم . لسيادة القانون في ظل استقلال القضاء . كما يستدعي اطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين و عودة المنفيين . و الكشف عن مصير المفقودين . إن إشاعة الديمقراطية كمبدأ ناظم للحياة السياسية و الاجتماعية تسمح بحل تناقضات المجتمع بالوسائل السلمية . و تتيح تداولاً سلمياً للسلطة . و ترسي إستقرار لا تحميه الأجهزة القمعية بل برضى الشعب الذي يجد فيه مصلحة حقيقية تحقق له الأمن و العمل و الحياة الكريمة . هذا الاستقرار هو الذي يعيد الى المجتمع وحدته الوطنية التي بالاستناد إليها نستطيع أن نؤمن لسورية مكانة عربية و دولية لائقة و تضامناً معها في مواجهة التحديات و الاستحقاقات المختلفة . و خصوصاً استحقاق التسوية مع " اسرائيل " . و الانفتاح على العالم الخارجي . و كذلك حل المشكلات الناجمة عن الوجود السوري في لبنان بما فيه مصلحة الشعبين في البلدين الشقيقين .

 

إن أزمة النظام لا يمكن أن تحل بمعزل عن ايجاد مخارج حقيقية لأزمات البلاد . و إذا كان الاصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يأتي دفعة واحدة بل بالتدريج . فإنه لا بد أن يترافق و يتوازن مع الاصلاح السياسي هذا اذا كان لدى السلطة الجديدة نيات صادقة في هذا المجال . فتحريك دولاب العمل و رفع الأجور و القضاء على البطالة و جذب رؤوس الأموال . لا يمكن أن تتحقق في غياب الحرية و الشفافية و مع استمرار الاحتقان و الخوف من المجهول . إن جسّر الهوة بين السلطة و المجتمع مهمة صعبة للغاية . و لن تتحقق إلا في إطار حل سياسي        السلطة من عليائها و ينزع عن رموزها صفة القداسة . و يعيد الدولة الى المجتمع و المجتمع الى السياسة .

 

لكن الحامل السياسي لمشروع كهذا في ظل الوضع الراهن . يبقى ضعيف بسبب الاجهاض المنظم لكل تعبيرات المجتمع المدني و تشكيلاته . و مع ذلك يظل من الملح أن يكسر حاجز الخوف . و أن يفتح باب الحوار داخل المجتمع و أن تتضامن الجهود لاخراج الناس من حالات الاحباط و الامتثال التي يعيشونها . و يخطئ من يتوهم أن المبادرة في هذا الاتجاه تهبط من السماء .       بها السلطة على الشعب . إن مهمة كل سياسي و نقابي و مثقف و كاتب . بما يملكه في مجاله من رأس مال رمزي و ثقل معنوي . هي المساهمة في اخراج شعبنا من بحر الأكاذيب الى بر الحقيقة . و ذلك بشتى الطرق السلمية كالنضال العلني و البيانات الموقعة و الرأي الحر الفردي و الجماعي . الواضح و الصريح . من غير الممكن أن تبقى سورية مملكة الصمت . في وقت أصبح من المستحيل في عالمنا اليوم كم الأفواه و خنق الكلمة الحرة . و قد يتصور البعض النضال من أجل اقامة نظام وطني ديمقراطي بديل هو في ظل الأوضاع و التوازنات الراهنة . نوع من أنواع التطرف . أو شكل من أشكال محاربة طواحين هواء . لكن الوطن لم يكن قط طاحونة هواء . و نحن لسنا انتحاريين و عاشقي سجون . و قد علمتنا السنوات الطويلة المديدة . معنى الحياة و الحرية . و معنى التمتع بها و الحفاظ عليها . لكنها علمتنا أيضاً أن حرية الشعوب لا تستجدى . و لكنها تنتزع انتزاعاً .

إن الأحداث التي أعقبت وفاة الرئيس السابق وصولاً الى تنصيب ابنه رئيساً . ذكرتنا بحادثة من التراث العربي شبيهة بحال بلدنا اليوم . و إن اختلفت عنها  في النتائج . لما مات يزيد ابن معاوية أراد بنو أمية مبايعة ابنه معاوية الثاني وارث لأبيه وفقاً للتقليد الذي وضعه جده معاوية الأول ، استشار معاوية الثاني أستاذه عمر المقصوص صاحب المذهب القدري المناهض للحكم الأموي القائم باسم الحق الالهي و المستند الى المذهب الجبري . فقال له : إما أن تعدل ، و إما أن تعتزل ، فنظر في أمره كيف يختار ، و كيف يمكن أن يكون عادلاً إذا اختار البقاء في منصب الخلافة . فما كان منه أن اعتلى منبر المسجد و خاطب أهل دمشق قائلاً : أنا قد بليت بكم و ابتليتم بنا . لا أحب أن ألقى الله بتبعاتكم .         أترك لكم أمر الخلافة . فتصرفوا فيه كما تريدون .         لإن كانت الخلافة مغنماً لقد أصبنا منها حقنا و إن كانت شراً فحسب آل أبا سفيان ما أصابوا منها .

 

لسنا ندري إن كان وجد من حول الدكتور بشار الأسد من نصحه بنصيحة عمر المقصوص . لكننا اليوم و قد أصبح نجل الرئيس رئيساً بدوره . لم يبقى لنا حالياً إلا أن نطالبه بأن يعدل . و أول العدل رد المظالم الى أهلها .

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الأمين العام للحزب الشيوعي السوري " المكتب السياسي "