معارضة رئيس جديد أم نهج استمر

 

ناصر الغزالي*

شكلت وفاة الرئيس حافظ الأسد صدمة للنظام وللمعارضة معاً ، إذ وضع النظام أمام استحقاقات كان من المنتظر حلها ولو جزئياّ إبان حكم الرئيس حافظ الأسد , هذه الأستحقاقات كانت بحاجة الى زمن كي تنتقل السلطة بشكل مريح الى الرئيس الجديد , لكن الوفاة المفاجأة جعلت النظام يسرع في ترتيب البيت الداخلي بزمن قياسي ( هزلي في إحدى جوانبه ) فتم تغيير مادة الدستور المتعلقة بعمر الرئيس من خلال الإجماع في مجلس الشعب وتنصيب الحزب للرئيس الجديد من خلال المؤتمر المنعقد لحزب البعث العربي الاشتراكي .

 

في حقيقة الأمر لايوجد أحد ضد شخص الرئيس الجديد – بشار الأسد – لأنه غير متورط في كثير من الأمور المتعلقة بخرق ( حقوق الإنسان ) لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا

 

هل قام الرئيس الجديد بتغيير النهج القديم والذي يتوق اليه المواطن السوري ؟

 

بداية إن النظام القديم الجديد هندس المفاهيم الدستورية مطابقة لحكم الفرد و على مقاسه متجاهلاً التطورات الكونية و التي بدونها لا يمكن الدخول في العصر الحديث . إن انتقال العالم الى قرية صغيرة يصبح من المستحيل أن تعيش دولة بمعزل عن العالم علماً أن هذا الانتقال يحمل في طياته العمق و السرعة و التي تتطلب رفد كل الطاقات من أبناء المجتمع للتفاعل مع هذا الانتقال ، ولا يمكن لفرد مهما كانت مقدراته في احداث نقلة نوعية لمجتمع يغوص حتى آذانه بالتحديات – داخلية كانت أم خارجية – لأن معالم الانتقال معقدة و عميقة على كل المستويات ( الاجتماعية ، السياسية ، الاقتصادية و العلمية ) و التي تتطلب مشاركة فعلية للمجتمع في خلق آلية فاعلة للتعامل مع هذه التطورات . مجتمع يشعر بالانتماء الى وطن و وطن يشعره أنه مواطن حقيقي ( مواطنة لا رعية ) مجتمع تتفاعل مكوناته بشكل حيوي و فاعل لتحقيق هذا الهدف.

 

إن الواقع العملي لأغلب دول العالم العصري يأخذ شكل ديناميكي متحرك فاعل على كل المستويات يرتقي من خلالها الى مصاف الأمم ، و مفهوم الاستقرار الذي يتغنى بها كثيراً من الجهات السياسية و الاعلامية في سورية هو في حقيقة الأمر استقرار أمني فرضته أجهزة الأمن و شرائح اجتماعية أخرى لها مصلحة حقيقية في الاستمرار بهذا النهج الذي حوّل المجتمع السوري الى قدرة هامدة مستقرة ، محبطاً أي خطوة صغيرة كانت أو كبيرة للتغيير .

 

إن تغيير الوجوه و تبديلها لا يعني شيئاً و التصريحات المعلنة للتغيير إذ لم يرافقها تغيير عملي و جدي على أرض الواقع ، تعبر عن مأزق حقيقي لهذا النهج ، فالمهم ليس ما يصرح به بل المهم طريقة التعامل و التعاطي مع هذه التصريحات و امكانية ممارستها على أرض الواقع – و هذا الكلام ينطبق على السلطة و المعارضة معاً – و المقولات التي نسمعها عن هذا المسؤول أو ذاك حول التغيير المرتقب نحو تحسين أطر الجبهة الوطنية التقدمية و تحسين أدائها ما هو إلا رشوة للأحزاب المنطوية داخل الجبهة لاستمرار صمتها ، و المتتبع للأحداث في سورية يدرك أن التغييرات التي تمت من خلال إصدار بعض المراسيم أو الوقوف ضد الفساد ما هي إلا احتجاب لنهج ما زال يمارس نفس ممارسات النهج القديم و المتمثل بتصفية الرأي الآخر و تحجيم القوى الحية في المجتمع .

 

يخطأ من يظن أن الذين يعارضون هذا النهج هو من أجل المعارضة أو اكتساب بعض المكتسبات – رغم وجود أقلية منهم – إن الذين يعارضون هذا النهج يدركون مدى المأزق الذي يعشه الوطن ، و مدى التحديات التي تواجهه للوصول الى مستقبل يليق بالعصر.

 

لست أبالغ إذ قلت أن الواقع السوري في تلك المرحلة هو من أصعبها و أخطرها منذ الاستقلال حتى الآن و لكي أكون منصفاً – هذا الواقع لم يصنعه الرئيس الجديد بل وقع على كاهله التعامل مع هذه الصعوبات و التحديات التي تواجه المجتمع السوري – إذ أن التحديات و الصعوبات التي تواجه المجتمع السوري بلغت حداً لا يمكن للرئيس الجديد و النظام مواجهتها بل تحتاج كما قلنا في البداية الى طاقة المجتمع في الممكن الأقصى لمواجهتها ، إذ تعيش سورية أزمة اقتصادية حادة متمثلة بالركود الاقتصادي و زيادة البطالة و صلت الى معدلات مخيفة (26 %) و الفساد الاقتصادي و الاداري من خلال النهب المنظم للدخل العام .

 

إن تغيير القوانين و الليبرالية الاقتصادية المعلنة لا تعني شيئاً على أرض الواقع و لا تحل هذه الأزمة إذ لم يرافقها تحديث البنية السياسية و الاجتماعية ، و حاجة ماسة الى دراسة واضحة لانعاش الاقتصاد ضمن آليات تتناسب مع الواقع الاقتصادي و المالي و لا تتعارض مع العدالة الاجتماعية ، آليات تدرك أن أي انتقال من مرحلة الى مرحلة أخرى بحاجة الى معرفة دقيقة و صحيحة للوضع الذي من خلاله يتم هذا الانتقال . انتقال يشارك فيه المجتمع بكل قواه و هذا يتطلب انفتاح على المستوى السياسي الداخلي لكي تشعر هذه القوى أنها معنية بشكل مباشر في هذا التغيير .

 

و لا تتوقف الصعوبات على الأزمة الاقتصادية إذ تمثل الأزمة الاجتماعية عائقاً قوياً لنمو المجتمع و المتمثلة بزيادة الأمية – الأمية هنا لا تعني عدم معرفة القراءة و الكتابة فقط بل الأمية بمعناه الحديث و التي تعني عدم المعرفة بتقنيات العصر – ناتج عن خلل في البنية التعليمية و التي تعتمد على أسس تلقينية تهدد طاقات الابداع البشري ، إننا في عصر يتسابق فيه العالم من خلال حوزته على أكثر قدر ممكن من المعلومات الناتجة عن الثورة المعلوماتية الحديثة . و ليست الأمية فقط بل تفشي الرشوة و الجريمة بكل أشكالها ، و زيادة في عدد السكان إذ تعتبر سورية من الدول الأكثر زيادة في العالم في عدد السكان .

 

علاوة على ذلك الأزمة السياسية المستعصية و المتمثلة بغياب المجتمع المدني بكل فعالياته من ( أحزاب و منظمات أهلية و نقابات) فاعلة و التي بفضلها يمكن أن يتحرك المجتمع السوري نحو الأفضل ، إن المقولات التي نسمعها من بعض الأطراف المتنفذة في سورية أن هذه المفاهيم ما هي إلا مفاهيم غربية لا تنطبق على مجتمعاتنا ، إلا أن هذا الادعاء مفضوح تدحضه النتائج العملية للمجتمعات الغيرغربية و التي أخذت هذا الطريق . إن المفاهيم ما هي إلا مفاهيم عالمية انسانية شاركت بها كل شعوب العالم بما فيها مجتمعاتنا في فترة زمنية ما ، و إن القارئ للتاريخ يدرك ذلك .

 

إن استمرار قانون الطوارئ و عدم استقلال السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية هو النهج الذي نعارضه ، النهج المستمر حتى الآن . و هو النهج الذي نطالب بتغييره و وضع أسس واضحة و فاعلة من أجل الارتقاء بالمجتمع نحو المستقبل الأفضل .

 

و على المجال الخارجي لا تختلف الصعوبات و المعوقات في حدتها على الداخلية . هذه الصعوبات و المعوقات الناتجة عن موقع سورية الجغرافي و سياسة الحكومة السابقة ،  هذا الموقع الذي يشكل من الأهمية بمكان بحيث تتداخل تفاعلاته مع أغلب دول العالم . إن هذه الصعوبات و المعوقات التي ورثها الرئيس الجديد دون ذنب و مطلوب منه مواجهتها بشكل حكيم و هذا لا يتم إلا بادراك مسبق لحجمها و يتطلب جهد كل فرد من أفراد المجتمع السوري ، هذه الصعوبات التي إن استمر الواقع السوري عما عليه ستكون نتائجه وخيمة على كل المستويات بالمدى المنظور ، إننا أمام ملفات عدة بحاجة الى التعامل معها كمجتمع يتحمل نتائج تناقضاته و تفاعلاته ، إننا أمام تسوية فرضت علينا بسبب الخلل الناتج عن التغيير في موازين القوى عالمية كانت و عربية ، إن هذا الملف ربما يكون من أخطر هذه الملفات تأثيراً على الواقع السوري و التي تتداخل به معادلات دولية و اقليمية عدة ، نعم لعب الرئيس حافظ الأسد دوراً مهماً في ادارته في الفترة السابقة ، دوراً صلباً بالتمسك بالقرارات الدولية و المتمثلة بعودة اسرائيل الى خط الرابع من حزيران عام 1967 إن لم يكن هناك أشياء تحت الطاولة لم نسمع عنها و لا نعرفها ، لكن المأخذ الكبير على هذه السياسة أنه بحجة هذا الملف فرضت على المستوى الداخلي سياسة أمنية أوصلت المجتمع الى كارثة تمثلت بالعنف و العنف المضاد من قبل بعض أطراف المعارضة في مرحلة من المراحل ، إذ استمرت هذه السياسة فيما بعد بكم الأفواه و إلغاء دور المجتمع بكافة الأشكال بالرغم أن هذا الموقف يحتاج الى قوة تحميه ، قوة مجتمعية تأخذ مسؤوليتها في أي حل مستقبلي قوة يدرك فيها الطرف الآخر أن التنازل عن أي شيء يؤدي الى انهيار التسوية ، إن التمسك بعودة الأرض و المياه الى الوطن الأم لا يحتاج الى قرار من قبل السلطة فقط بل أن يكون هذا القرار مرفق بعوامل القوة التي تحميه و التي يشعر بها الطرف الآخر . هذه القوة لا يمكن أن تكون إلا بارادة حقيقية لمجتمع حر .

 

و ليست عملية التسوية فقط التي تواجه المجتمع السوري إذ أن الملف اللبناني يشكل مأزق حقيقي من خلال التواجد السوري هناك إذ أن هذا التواجد إن كان شرعياً أو غير شرعي فهذا ليس مهم ، المهم في الأمر أن يكون الشعب اللبناني و السوري متوافقاً على هذا التواجد و أن يشعر كليهما أن له مصالح مشتركة على كل المستويات لأن التحديات للطرفين ربما تكون واحدة على أكثر من مستوى و هذه المصالح تحتاج الى آليات تحدد دور كل منهما و القاسم المشترك لهما ، يتطلب قبولاً مجتمعياً جماهيرياً لا حكومياً ، لأن الاتفاقات الفوقية و الموقعة من قبل الحكومات تخضع الى معادلات في بعض الأحيان تتناقض مع المعادلات المجتمعية و إن تجارب الشعوب أثبتت ذلك ، من هنا ندرك مدى حاجة كل من المجتمعين على ايجاد علاقات على أسس واضحة و سليمة . طبعاً نحن لا ننكر الدور السوري المؤثر و الفاعل لدعم المقاومة اللبنانية التي شكلت نقلة نوعية على المستوى الداخلي و العربي من خلال فرض ارادتها لطرد الاحتلال لكن السؤال المطروح الآن بعد طرد الاحتلال كيف نستطيع معاً اقامة علاقات نستطيع من خلالها عدم الشعور أن طرف من الأطراف مغبون .

 

إن الانتخابات الأخيرة في لبنان و التململ لدى بعض الأطراف اللبنانية بالرغم على عدم تأييدنا الكامل لهذا التململ أثبت أن هناك خللاً في هذه العلاقات ، خلل بحاجة الى حل موضوعي ندرك فيه نحن الشعبين أننا بحاجة الى بعضنا مخيرين لا مسيرين ، حلاً تشارك فيه كل القوى الحية للوصول الى علاقات أكثر تماسكاً للوصول الى الأهداف المرجوة على كل المستويات ( الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية و الثقافية).

 

ليس هذا وحسب بل هناك الحصار المفروض على العراق وأزمة المياه في المنطقة , والتي تشكل تهديداً حقيقياً للمجتمع السوري من خلال تأثيرهما بشكل مباشر على الواقع السوري .

 

كل هذه الأسباب تدفعنا كي نؤكد على عملية التغيير المنشودة من خلال رفع الأحكام العرفية , وفصل السلطات (التشريعية , القضائية, التنفيذية ) وحرية الرأي والتعبير والتي كفلها الدستور , واخراج كافة المعتقلين من السجون , هذه المسلمات هي الركيزة الأساسية لأي مجتمع حر , بهذه المسلمات لا نبغي قلب الطاولة كما يدعي أحد المدافعين عن النهج الجديد في احدى البرامج التلفزيونية** – هنا أريد أن أوضح أن هذه العبارة تستخدم بكلام عامي للتعبير عن تخريب اللعبة وإنهائها من قبل أحد الأطراف – حسنا لو قبلنا أن الوطن لعبة كما يريد هذا المتحدث ( بالرغم أنه لا يمكن أن تكون كذلك ) , إننا في الواقع كل ما نحاول فعله هو تغييروتحسين شروط اللعبة , فلا يمكن أن يلعب أحد مع نفسه , وإن لاعب أحداً آخر قال له ألعب كما أريد , في هذه الحالة تصبح اللعبة مهزلة للآخر ولهذا اللاعب المتفرد والذي يعتقد نفسه الغالب على الدوام .

 

وتحسين شروطها تحتاج الى إمتلاك الآخر إمكانية مؤثرة وفاعلة على الطرف الغالب , من خلال إقناعه أو فرضها سلمياً ضمن امكانياته . وأول شروط هذه الإمكانيات هو التخلص من الخوف الذي فرضه الغالب عنوة عبر 30 سنة مضت على الطرف المغلوب (المجتمع المدني بكافة أشكاله) , وقوى المعارضة معنية بامتلاك أدوات التأثير لتحسين شروطها أمام النظام , إن الحالة التي تعيشها المعارضة والتي مازالت في حالة الصدمة من الوضع الجديد هي بحاجة أيضاً الى تغيير آلية عملها , إن والحالة هكذا لا يمكن تحسين وضعها أمام النظام , والسؤال المطروح كيف نطالب النظام بتغيير منهجه والمعارضة ما زالت على نفس النهج القديم رغم التغييرات التي تمت في العالم ؟

 

من اليسار الى اليمين مازالت المعارضة على نفس برامجها رغم التغيرات الطفيفةعليها, هذه البرامج التي تم وضعها قبل عقدين من الزمن , والتي لا تشكل تأثيراً فاعلاً على مجرى الأحداث , طبعا لا أنكر مدى العنف الذي طبق عليها وجعلها كما هي الآن , لكن المهم الآن كيف تخرج من هذه الأزمة وما هي الاستعدادات الواجبة لمواجهة هذه المرحلة وما هي استعدادها لتوحيد صفوفها ؟

 

حقيقة لا أملك الاجابة على هذه الأسئلة , لأن المعارضة هي الوحيدة القادرة على ذلك , إلا أنه مطلوب منا جميعاً التكاتف والتعاون منظمات وأحزاب ونقابات وكل المتضررين من هذا الوضع للوصول الى ما ننشده من أجل مستقبل واعد للّحاق بالعصر , والوقوف أمام التحديات التي تواجه مجتمعنا , وتغيير النهج القديم الجديد القائم سلمياً .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* رئيس مركز دمشق للدراسات الفكرية و الحقوق المدنية .

** مقابلة تلفزيونية أجرتها الجزيرة في برنامج الرأي و الرأي الآخر حول الأوضاع في سورية .