التغيير الديمقراطي وثنائية الداخل والخارج

 أكرم البني

 

مع تسارع التطورات التي تشهدها الساحة العربية وخصوصاً في العراق وفلسطين، ومع كل مشروع جديد يطرحه الغرب أو أمريكا لإصلاح المنطقة وتنميتها، من الطبيعي أن يحتدم الحوار في صفوف الديمقراطيين حول واقع الإصلاح السياسي ودوافع التغيير أهي داخلية أم خارجية، فتختلط الأوراق وتتجدد عمليات الفرز، بين رافض لأي شكل من أشكال الاستقواء بالأجنبي مؤكداً أن لا خير يأتي من الخارج وأن التغيير إنما ينبع من الذات، وبين واجد، تحت وطأة تباطؤ بل ركود مسار الإصلاحات الداخلية، في الدور الخارجي رديفاً رئيساً وفاعلاً.

إلا أن حدة المواقف ووضوح الاصطفافات، إذا تجاوزنا لغة المصالح وحسابات المنافع الضيقة، لا يحجب كونها لا تزال ترتبط من حيث الجوهر بإشكالية معرفية لتبدو في اتجاهها العام انفعالية ومضطربة أو أشبه بردود أفعال سياسية ظرفية، إما نكاية بالأمريكيين وموقفهم الداعم لإسرائيل وسياساتهم في العراق أو رداً على استهتار السلطات بالوضع الداخلي وتمنعها عن الإصلاح، ولعل من المفيد في حدود هذه المداخلة توضيح بعض أسباب الخلل المعرفي وتراجع الموضوعي أمام حضور الذاتي والانفعالي في رؤية عملية التغيير وشروط إنجازها....

أولاً، لا يزال الفكر الداعي للتغيير والإصلاح عاجزاً عن إحداث قطيعة معرفية مع أفكار الماضي وتصوراته المهزومة، خاصة لجهة قراءة جديد العلاقة بين المحلي والوطني كداخل، وبين العالمي والإقليمي كخارج. فرغم مرور زمن غير قصير على انهيارات الدول الاشتراكية وما خلفته من دروس وعلى ثورة الاتصالات وتعزز مكانة العولمة الاقتصادية وانتشارها في حقول السياسة والثقافة، ثمة من لا يأخذ في الاعتبار المعنى الحقيقي للقول بأن العالم أصبح قرية صغيرة وما يعنيه ذلك من سوية جديدة من التأثر والارتباط بين مكوناته، فيستمر في الترويج لأوهام الماضي عن السيادة والاستقلال كصورة من صور الانعزال التام عن الغرب الرأسمالي، متوهماً أن مثل هذه الرؤية الأيديولوجية وشعاراتها السياسية تمكنه من بناء أسوار حديدية يتحصن خلفها وهي التي انهارت وعجزت عن حماية دول أرسخ أيديولوجياً وأغنى قدرة وإمكانية.

والحقيقة أن العلاقة بين الداخل والخارج أخذت أبعاداً جديدة بعد التحولات الكبرى التي عرفتها البشرية في العقدين المنصرمين فبقدر ما ازداد حجم انتقال السلع والناس والرساميل والتقانة والمعلومات وتحررت الثقافة والأفكار من العبء الأيديولوجي بقدر ما اختصرت المسافات وضعفت الحدود والموانع الذاتية بين الدول، ليتحول العالم من غلبة منطق الخصوصية والسيادة إلى غلبة المنطق الكوني العام وتفاعلاته، ولتحتل العوامل العالمية أسبقية ملموسة في تقرير نتائج الأزمات الإقليمية والصراعات الوطنية، وبات سير الأحداث ونتائجها يتوقف إلى درجة كبيرة على مدى حضور الإرادة العالمية وطابع قراراتها. ثم ذهب البعض بعيداً إلى حد اعتبار ما يحدث من تطور في شبكات الاتصال والتفاعل الكثيف بين المجتمعات يسير بها نحو إلغاء الحدود ويؤدى إلى ظهور مجتمع عالمي واحد، لعل أحد تجلياته بروز تيارات سياسية تنادي بقوانين ومؤسسات دولية توجب التدخل الخارجي لردع أسباب الاضطهاد الداخلي، مستندة في دعوتها إلى نمو أخلاق إنسانية عالمية وقيم ذات معايير مشتركة حول حقوق الانسان وحرياته تؤهل لانبثاق دور مركزي له الحق في التعامل مع أي طرف يهدد المشروع الإنساني العام.

وما يضفي على هذا الخيار مسحة من الواقعية أنه وبخلاف ما عرفناه أبان الحرب الباردة من تراجع الاهتمام بقضايا الحرية والديمقراطية، وسعي كلا قطبي النظام الدولي وقتئذٍ إلى دعم وتعزيز الحكومات الحليفة دون النظر إلى طبيعة السلطات وطرائقها في الحكم، يلعب النظام العالمي الجديد وسيادة ظاهرة العولمة، وبشكل خاص ما يسمى ((العولمة السياسية)) دوراً كبيراً في تمكين حضور الأفكار الليبرالية ومبادىء الديمقراطية وحقوق الإنسان لتغدو أحد عناصر تقويم الأنظمة السياسية ومعايرة شرعيتها وصلاحها، مثلما تساهم الثورة المعلوماتية وسرعة انتشار الخبر ووصوله إلى كل بيت، في تحطيم الأسوار الحديدية التي نأت بالمجتمعات الشمولية عن التأثر والتأثير الخارجي، فتكشفت جوفها على الملأ وتساعد على فضح وتعرية كل أساليب الإرهاب والقمع التي دأبت السلطات السائدة على استخدامها في الخفاء ضد خصومها ومعارضيها، مما يلجم عدوانيتها السياسية ويكف يدها عن ممارسة ما كان يحلو لها من صنوف القهر والاضطهاد بحق شعوبها، ويجبرها على اعتماد أساليب أقل عنفاً وإثارة للرأي العام أو ((أكثر حضارية)) إذا صح التعبير، كي تتجنب ردود الأفعال العالمية وتضمن استمرار هيمنتها وسيادتها على حركة المجتمع وقواه المعارضة بأقل شوشرة أو فضائح.

ثانياً، تبدو إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج وثيقة الصلة بالنتائج الهزيلة التي أفرزتها الفترة القصيرة مما سمي ((عصر النهضة)) في المنطقة وعجز النخب الثقافية وقتئذٍ عن صياغة وإنضاج صورة صحية للعلاقة مع الآخر المختلف حضارياً بقيمه وثقافته وتصوراته السياسية، فكان الاندفاع نحو التطرف هو سيد الموقف، مرة بالدعوة إلى رفض الخارج كلياً والى العزلة والتمحور حول الذات في معركة دفاعية سلبية كان أحد أهم تجلياتها التباهي بعظمة التاريخ والماضي ونشوء تيارات فكرية قومية شوفينية واتجاهات دينية أصولية، ما فتئت تتغنى، لتعويض شعورها بالنقص، بالتراث العربي والفتوحات الإسلامية، بينما تجلى الوجه الأخر للتطرف في الدعوات للتماهي التام مع الغرب حملته مختلف الجماعات الليبرالية التي لم يكتب لها الحظ في التوالد والتكاثر.

هذه الإشكالية انعكست بتشوش في الرؤية وعدم وضوح الصورة التاريخية الحقيقية عن دور ((الخارج)) في صياغة مجتمعاتنا الحديثة، الأمر الذي ساعد على انتشار اعتقاد واهم بأن بلداننا عاشت فعلاً أو استطاعت النمو والتطور بمنأى عن التأثيرات الخارجية وتداعياتها. رغم أن من المحال استحضار مرحلة خاصة لم يخضع فيها داخلنا العتيد لتأثيرات الخارج وبصورة رئيسة. فالخارج الاستعماري وفق اتفاقية سايكس بيكو هو الذي صاغ باقتسامه تركة ((الرجل المريض)) تركيبة مجتمعاتنا وحدودها ونموذجها السياسي الأول، والخارج الإسرائيلي حضر ولا يزال يحضر بقوة في شروط بناء الداخل ليفرض على مجتمعاتنا سيادة طويلة الأمد لحالة الطوارىء والأحكام العرفية ويرهق مقومات تطورها بحالة شبه دائمة من الاستنفار تحت عناوين الخطر الخارجي وظروف الحرب. وأيضاً لا يغيب عن أذهاننا دور الخارج العربي وخاصة في زمني الوحدة والانفصال وفترة المد والاندفاعات القومية وما خلفه حضور المسألة الفلسطينية من نتائج وآثار، دون أن ننسى أو نتناسى ما رتبه الخارج السوفييتي على مجتمعاتنا وكيف استمدت منه بعض السلطات العربية تلك الصور والأشكال الشمولية في صياغة علاقات السيطرة على الدولة والمجتمع!

 ومن هذه الوجهة ثمة ضرورة للتمييز بين خارج وخارج، فليس لدينا خارج مجرد وصافٍ ولا داخل مجرد ونقي، وتالياً علينا أن نعي أن الخارج الذي نتعامل معه ليس كتلة صوانية وكيان متحد المواقف والسياسات بل هو ظاهرة تعددية ومتنوعة أشبه بمحصلة قوى لأهم المجتمعات الفاعلة عالمياً وتأثيراتها، فهناك خارج يتجلى في الدول والسياسات الرسمية وما تمثله من تحالفات اقتصادية واجتماعية وخطط لتحسين فرصها في السيطرة والهيمنة بما في ذلك حضور أشكال من التنافس والتنازع بينها، وهناك خارج تمثله عديد المنظمات المدنية من أحزاب وجمعيات حقوقية عالمية التي تتشارك معنا قيم الحرية وحقوق الإنسان إلى جانب مؤسسات الأمم المتحدة وهيئات الشرعية الدولية.

 بالمقابل يمكن القول أن الداخل دواخل أيضاً، أهم وجوهه الأنظمة الاستبدادية ومشروع هيمنتها على المجتمع والتي تدافع باستماتة عن مصالحها وامتيازاتها وغالباً ما تقصدت توظيف تحالفاتها مع الخارج أو فزاعة ((التهديد الخارجي)) من أجل إدامة سيطرتها على مجتمعات أمعنت فيها فساداً وقمعاً وتفكيكاً، وفي الطرف الآخر يقف الداخل الآخر وتجسده الشرائح الاجتماعية الشعبية وقواها الحية ومشروعها لبناء مجتمع ديمقراطي معافى. وما سبق يوضح مدى تعقيد العلاقة بين الخارج والداخل بصفتها علاقات متنوعة ومتمايزة بين دواخل وخوارج تتباين مصالحها وتتعارض حساباتها ومواقفها.

ثالثاً، حساسية المسألة الوطنية شعبياً وخصوصية القضية الفلسطينية وبدرجة ثانية الوضع العراقي وقوة حضورهما في وعي النخبة المثقفة ووجدانها، والانجرار تالياً إلى توظيف ((الخارج)) توظيفاً تعبوياً سياسياً بعيداً عن كونه إطاراً أو واقعاً موضوعياً لا يمكن إهماله أو إغفال تأثيراته، سلبية كانت أم ايجابية، ما أظهر حالة من التناقض في الموقف من دور الخارج وانعكاساته، فبينما ترفض فئة، مشروع الإصلاح الأمريكي، بسبب العداء لمواقف واشنطن الداعمة لإسرائيل واحتلالها للعراق، ثمة حماس عندها لدور أوروبي مثلاً ودعوة إلى تشديد ضغوط الاتحاد الأوروبي من أجل الحريات وضمان حقوق الإنسان، ربما لأن الاستقواء بالخارج الأوروبي هو الخيار الأقل سوءاً ((بفضيلة)) أن الأوربيين هم أقل انكشافاً في دعمهم للكيان الصهيوني، أو لعل ثمة اعتبار يقول بأن دور أوروبة هو دور داخلي كأنه من ((عظام الرقبة)) بحكم العيش المشترك على ضفاف المتوسط!!. ثم يغالي البعض في نشر أوهامه حول ((الآثار الخطيرة)) الناجمة اليوم عن إشهار أولوية المهام الديمقراطية لأن في ذلك ما يصب الماء في طاحونة واشنطن، ويضيف البعض الآخر أن ما تحمله أمريكا من وعود لنشر الديمقراطية هو كذبة كبيرة مستقوياً بالمحنة العراقية وما آلت إليه أحوالها!!.

صار من تبسيط الأمور أن نعتبر كل من يعمل لنصرة الحرية والديمقراطية ويناضل ضد أنظمة الاستبداد هو بالضرورة مع أمريكا ومخططها في المنطقة، ليس لشيء سوى لأن شعارات واشنطن الداعية للحرية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان تقاطعت موضوعياً مع شعاراته، وانتشار مثل هذه الرؤية المسطحة يقدم أفضل خدمة مجانية للنخب العربية الحاكمة في تعميم رؤيتها عن علاقة مشوهة تاريخياً بين ((وطن مقدس)) و((ديمقراطية مستوردة)) واستسهال إلصاق تهم الخيانة والعمالة بحق كل من يرنو إلى تطلعات شعبه نحو الحرية والتعددية.

فيما مضى نجحت الأنظمة العربية التي نصبّت من نفسها وصياً على مصالح الوطن ووكيلاً حصرياً على حاضره ومستقبله في صوغ وتعميم حالة تعارض أو تناقض بين النضالين الوطني والديمقراطي، وتمكنت من سحق وتفتيت بذور الحرية والتعددية السياسية بدعوى أنها تهدد أمن المجتمع واستقراره وتضعف دوره في مواجهة المطامع الإمبريالية والصهيونية!!

 والحقيقة أن تمظهر الأنظمة العربية بالمظهر الوطني الحريص والمتشدد، وما رفعته من شعارات مثل ((مصلحة الوطن هي العليا)) و((لا صوت يعلو فوق صوت المعركة)) شكّلا سلاحاً ناجعاً لضبط الأوضاع الداخلية أكثر مما استخدما في الخنادق وساحات القتال، وكانا بمثابة حصان رابح امتطته السلطات الشمولية لتصل إلى مآربها في حماية ما جنته من مكاسب ومغانم وتعزيز أسباب استقرار سلطانها. والنتيجة نبذ أشكال الحياة الديمقراطية كافة وتشديد القبضة القمعية على شعوبها، وشن حملات مستمرة من الإقصاء والتصفية طاولت معظم القوى الديمقراطية دون أن يشفع لهذه الأخيرة الدم الغزير الذي سفكته دفاعاً عن حرية أوطانها أو التضحيات الجسام التي قدمتها على مذبح الصراع مع العدو الصهيوني وفي مواجهة الأخطار الخارجية المحدقة. وبالمقابل، عندما تطلبت مصلحة الوطن في غير لحظة تاريخية، إعادة النظر بطابع وكفاءة القوى التي تستأثر بالقرار السياسي بعد فشلها وعجزها البين عن تحمل مسؤولياتها الوطنية، لم تجد الأنظمة ((الوطنية جداً)) نفسها معنية بهذا الأمر واستبسلت لحماية مواقعها وامتيازاتها، لتبقى استقالة الرئيس جمال عبد الناصر بعد هزيمة حزيران عام 1967 بادرة فريدة في التاريخ العربي الحديث!!..

في مواجهة الأفكار المشوهة التي دأب الخطاب الرسمي على نشرها في الوعي الجمعي العربي، يجب الاعتراف أن الرغبة الأمريكية في إجراء انفتاح ديمقراطي وتغيير طرائق الحياة السياسية في بلدان المنطقة تحمل هذه المرة قسطاً من الجدية والعزم، هذه الجدية، قبل أن يتسرع البعض في استنتاجاته ويحاول الاصطياد في الماء العكر لا تعود إلى جذر مبدئي بل إلى الأساس ذاته الذي حكم ولا يزال يحكم السياسات الأميركية، حسابات المصالح والمنافع، كونها تلتقي في العمق مع أهداف واشنطن الحيوية في تعزيز سيطرتها وهيمنتها على العالم وفي إتمام حملتها المحمومة ضد التطرف والأصولية. إذ تستند واشنطن في عزفها على هذا الوتر إلى عاملين: أولاً، ضرورة بناء علاقات سيطرة بعيدة المدى تتجاوز ما درجت عليه العادة من تدابير سياسية ظرفية أو تفاهمات مؤقتة مع الحكام أياً كان نوعهم وأياً كان شكل الحكم القائم ونمط المجتمع الذي يحكم، فالتدابير القديمة كانت تترك الأوضاع عرضة للقلاقل والانتكاس لارتهانها بدرجة ثبات النخب الحاكمة واحتمالات تطور لعبة المصالح والنفوذ، الأمر الذي شجع صناع السياسة الأمريكية على توظيف جهد خاص لتغيير البنى التحتية ومحاولة خلق مجتمعات جديدة تستند إلى علاقات مؤسساتية أكثر استقراراً والى نمط حياة يستمد الكثير من قيم النموذج الليبرالي الأمريكي ومعاييره، ويمكن أن يغدو عند القائمين على سياسات البيت الأبيض أقل قابلية للارتكاس والارتداد ضد مصالحهم. ثانياً، أن الديمقراطية هي أفضل المناخات المساعدة على تجفيف منابع الإرهاب وسحب البساط من تحت أقدام قوى التعصب والتطرف، وأن تنمية المنطقة اقتصادياً وتعليمياً ودعم الحريات السياسية فيها يمكن أن يخفف إلى حد كبير من عداء المجتمعات العربية لأمريكا ومن نمو ردود أفعال حادة وعنيفة ضدها، تجلت في أعنف صورها بتدمير برجي التجارة العالمية في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن.

 رابعاً، واقع توازن القوى الراهن والمناخات السياسية السائدة، فالقوى الديمقراطية لا تزال ضعيفة وعاجزة عن انتزاع دور متميز لها في عملية التغيير، وتالياً لا تزال أسيرة الخوف والتحسب من طرح جديد أفكارها واجتهاداتها السياسية، وبالتالي فهي تقف مكرهة أمام خياري قوة، الاستبداد أو أمريكا، وطالما من الصعب عليها الاستقواء بمشاريع واشنطن للإصلاح في ظل السياسات الأمريكية المنحازة ضد الحقوق العربية المشروعة فخيار مناشدة السلطات وحثها على السير في عملية الإصلاح السياسي وتكرار المناشدة هو الحال القائمة، وربما على طريقة ((جود بالموجود)) يحاول الديمقراطيون التهويل من خطر المشاريع الخارجية بصفتها ضرر عام سيلحق بالجميع لإقناع السلطات بخيار التغيير الديمقراطي. الأمر الذي يطرح سؤالين مهمين أولهما عن مستقبل المعارضة الديمقراطية في عملية الإصلاح السياسي إذا كانت السلطات العربية تعرف هذه الحقيقة وهي تعرفها جيداً، وثانيهما عن احتمال بقاء موقف الديمقراطيين على حاله لو حازوا ما يمكنّهم دخول لعبة توازن القوى وملكوا بعض القدرة على تعديلها في صالح مشروع التغيير الديمقراطي؟!.

 صحيح أن التغيير ينهض على قاعدة الحاجة الموضوعية الحافزة له لكن ما يفرضه على أرض الواقع هو منطق القوة، ومدى تهيئة الأدوات القادرة على تلبية هذه الحاجة، وفي هذا الإهاب يمكن القول إن تأثير الخارج على الداخل أو العكس يتعلق أساساً بمدى قوة الداخل ونضجه أو منعته وتالياً قدرته الذكية على التكيف مع المناخات العالمية الجديدة بأقل كلفة ممكنة وبضمان الخصوصية والقدرة على التطور والنمو والتقدم، مثل هذه القدرة لن يوفرها إلا المجتمع الحر الذي يثق بنفسه وبإنسانه، ما يشجع على القول مجازاً أن مجتمعاتنا العربية لم تعرف داخلاً حقيقياً لأنها غير ديمقراطية، الأمر الذي يجعلها، بعكس ما تظهره الرؤية السطحية، مفتوحة الأبواب على دور كبير للخارج وتأثيراته.

ونعترف أن الولايات المتحدة هي اليوم الخارج الأكثر فاعلية في الشرق الأوسط بالمعنى السياسي والعملي للكلمة بما يعني أن مشروع التغيير الديمقراطي العربي لن يتقدم بمعزل عن أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار وضرورة رؤية التقاطعات وأيضاً إبراز نقاط التمايز والتفارق بين المشروع الأمريكي ومراميه الخاصة وبين ما تطمح إليه الشعوب العربية وقواها الحية في معركتها ضد قوى الاستبداد بغية بناء مجتمع ديمقراطي يحقق لها حريتها وكرامتها وسيادتها الوطنية ويكسبها فرصتها الحقيقية لانتزاع حقوقها المسلوبة ودفع عملية التنمية والتحرر الاجتماعي والاقتصادي إلى الأمام.

إن احتمال التغيير الداخلي الصرف في الشروط الملموسة للدول العربية يبدو احتمالاً ضعيفاً طالما استمرت ممانعة الأنظمة ومعاندتها للإصلاح السياسي، السبب ذاته التي يسمح للفعل الخارجي أن يتقدم بقوة وثبات في مسارات التغيير، شهدنا نموذجه الأسوأ في أفغانستان والعراق عندما استخدمت القوى العسكرية والحرب لتحطيم الشمولية والديكتاتورية من الخارج، لكن ربما صار لدينا هذه الأيام مثال عياني ملموس ومختلف، وهو الحال اللبنانية التي بشرت بعلاقة أفضل بين الداخل والخارج بما يخدم مصالح المجتمع دون كسر أو تدمير بل بالإفادة موضوعياً من مساحة التقاطع بين المبادرة الداخلية ودور خارجي متنوع المصادر والتأثير، هذه التجربة ما كان لها أن تتفاعل وتنجح نسبياً لوما قوة حضور الداخل ودينامية دوره في تطوير الأحداث ومساراتها. ما يدل على أن ثمة إمكانية قائمة على طول الخط لبناء علاقة صحية مع الأخر الخارجي خالية من عقدة النقص والاحراجات الإيديولوجية والابتزاز الذي تمارسه أنظمة الاستبداد، وتالياً عدم التردد في تفعيل الحوار معه بكافة مستوياته وعناصره، مع منظماته وجمعياته وحكوماته وهيئاته الدولية، حوار وتفاهم ينطلق من الثقة بالذات ومن ما ينفع ويفيد لتطوير خطوات الإصلاح وموجبات التنمية السياسية والاقتصادية.

أخيراً، لا يختلف اثنان أن التغيير الديمقراطي في مجتمعاتنا هو حاجة قديمة قدم ما تعانيه من أمراض فساد وتخلف وقهر قبل أن تطرح أمريكا مشاريعها عن التنمية والإصلاح، بل ربما يشكل هذا التغيير في حد ذاته، وعند الكثيرين، مطلب وطني في مواجهة مطامع أمريكا ومخططاتها، لكن الإقرار بهذه الحقيقة شيء والتسليم بأن محفزات الإصلاح هي محفزات داخلية شيء آخر، إذ لو ما العامل الخارجي ما كنا لنحلم بأن تفكر السلطات مجرد تفكير بالإصلاح والتغيير، فالخارج هو ما كشف أزمات مجتمعاتنا وسخن مسارات الإصلاح بدءاً من دور النتائج التي خلفها ((الخارج)) السوفييتي وانهيار المنظومة الاشتراكية ومناخات الحرب الباردة، انتهاءاً بالدعوات الخارجية لنشر الديمقراطية في المنطقة وما أحدثه الاحتلال الأمريكي للعراق من جديد في توازن القوى في صالح شروط التغيير؟!.

الاعتراف بهذه الحقائق ليس دعوة للاستقواء بالقوى الخارجية، بل محاولة للوقوف على أرض موضوعية وإعادة بناء وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي حكمت آليات عملنا وتفكيرنا لسنين طويلة خاصة تصويب القراءات الإيديولوجية واللاموضوعية الشائعة حول علاقة الخارج والداخل.

 إن معركة الحريات والانفتاح الديمقراطي تبدو اليوم أشبه بسباق أو عملية شد حبال بين مجتمع يتوق الى التحرر وأخذ مصيره بيده وبين أنظمة عربية تبدي قدرة عجيبة في الدفاع عن مصالحها الضيقة وعن أشكال من السيادة والهيمنة عفا عنها الزمن، والتحدي اليوم لمن يرغب حقاً في اعتراض مشاريع الهيمنة الخارجية ليس في توظيفها كعدو مفترض وكيل اللعنات عليها أو على دعاة الحرية وحقوق الانسان بل في تركيز كل الجهود لإطلاق حركة الإصلاح السياسي على مداها، ففي تنمية قوى مشروع التغيير الديمقراطي خير رد على السياسات الخارجية المعادية، ولا ضير تالياً من الاعتراف دون أن يعترينا وجل أو خوف أو خجل بإن بعض ما تطرحه المشاريع الخارجية من مهام ديمقراطية هو مطلب مجتمعاتنا أيضاً وحاجة حيوية لمعالجة أزماتها.

إن إهمال استحقاق الإصلاح السياسي الديمقراطي أو تأجيله تحت أية ذريعة أو حجة يعتبر أهم موطن خلل أو ثغرة يمكن أن تساعد ((الخارج)) على الفعل والتأثير في شؤون الداخل، فالديمقراطية هي الشرط الحافز لتفعيل الطاقات وتثوير الإبداعات ومقاومة التبعية وسلبيات العولمة ولإنجاح عملية البناء بما يقلص حجم الهوة الاقتصادية والتكنولوجية ويحسن موقع المجتمع وإمكانياته على المنافسة، والديمقراطية هي بالنسبة للمسألة الوطنية وجهها التوأم، فلا أمل أو رجاء من وطن تحول البشر فيه إلى أشباه بشر لاحول لهم ولا قوة، والخانع العاجز عن انتقاد ومحاسبة قادته وحكامه، هو أعجز عن محاربة أعداء وطنه وإبعاد شرهم عنه!!..

إن الشروع في الإصلاح السياسي وتحقيق نتائج مهمة على طريق بناء المواطنة وضمان الحريات وتوسيع فرص التعددية وحقوق الإنسان لا يسبب أية خسارة على صعيد شروط مواجهة الخارج بل على العكس لن تستقيم هذه المواجهة طالما يقهر الإنسان وتدمر روح المبادرة والمساواة لديه، ويفقد إحساسه بأنه يبذل ويضحي من أجل وطن حر كريم لا من أجل دوام حال الفساد والقهر والتمييز.