قوى التغيير بين الداخل والخارج   

 حسين العودات

كان للخارج دور أساس في السنوات الأخيرة في تطور بعض الدول والمجتمعات، وبدا هذا الدور واضحاً بأدواته العسكرية في العراق والبلقان وبعض الدول الأفريقية، وأدواته السياسية في جورجيا وأوكرانيا وغيرهما، وأدواته غير المباشرة في عديد من الدول الأخرى، وما زالت الولايات المتحدة تضغط تحت شعار محاربة الإرهاب لإجراء تغييرات كبيرة في مسار دول ومجتمعات لا ترغب هذه التغييرات، بدءاً من المطالبة بتغيير مناهجها التربوية والتعليمية وصولاً إلى تغيير بنية اقتصادها ومجتمعاتها فضلاً عن مطالبتها باتباع سياسات قد لا يكون لها الأولويات الأولى في برامج أنظمتها السياسية.

إن التأثير الخارجي على الداخل ليس جديد العهد ولا هو من سمات عصرنا الحاضر فحسب، فطالما كانت الإمبراطوريات والدول الكبرى تمارس هذا التأثير على دول المحيط أو على الدول والتشكيلات المجتمعية الصغرى، سواء كان ذلك بالتهديد بالقوة العسكرية وممارستها فعلاً أم بمختلف أنواع الضغوط الأخرى الاقتصادية أو السياسية، وما من قوة كبرى إلا مارسته خلال التاريخ وما من دولة صغرى إلا تعرضت إليه، إلا أن هذا التدخل الذي نسميه هنا العلاقة بين الداخل والخارج أخذ أبعاداً مختلفة في العقدين الماضيين، سواء من حيث شكله أم مضامينه أم وسائله أم أهدافه، في ضوء الشروط الدولية الجديدة لعالم اليوم والتي لم نشهد لها مثيلاً من قبل.

لقد انتهت الحرب الباردة قبل عقد ونصف، واختل مع انتهائها توازن القوى الدولي (سواء كان توازن رعب أم توازن قوى حقيقي) ونتج عن ذلك هيمنة واضحة لقطب واحد هو الولايات المتحدة على العالم كله، معتداً بقدرته العسكرية وقوته الاقتصادية وتواجده السياسي في كل مكان، وسرعان ما ترافق ذلك مع طرح مفاهيم جديدة وسياسات وعقائد جديدة على عالمنا المعاصر تختلف عما كانت عليه سابقاً، فظهرت على التوازي مفاهيم (وشعارات) كصراع الحضارات وخاصة بين العالمين الإسلامي والصيني من جهة والعالم الرأسمالي (الغربي) من جهة أخرى وشعار نهاية التاريخ، أي سيادة النظام الرأسمالي والاحتكاري إلى أبد الآبدين واستحالة تغييره، وشكل المفهومان إطاراً عقائدياً لمرحلة جديدة، في الوقت الذي حقق فيه نظام العولمة (الاقتصادية والثقافية والمفاهيمية) على التوازي انتصارات كبرى، وصارت دول العالم تتسابق للانتساب إليه، وتسعى جاهدة لقبولها فيه، وعبر عن نفسه باقتصاد السوق، وهذا يعني في النهاية في المجال الاقتصادي تحويل العالم إلى منظومة اقتصادية واحدة، بأنماط إنتاج متشابهة، وأسواق تجارية حرة. ورسوم مالية وجمركية متقاربة، وأسعار موحدة أو شبه موحدة، وبالخلاصة إطلاق يد الاحتكارات لتضع السياسة الاقتصادية للعالم كله إنتاجاً وتسويقاً وتسعيراً، ومن البديهي والحالة هذه أن يتحول العالم كله إلى سوق لهذه الاحتكارات، ويصبح متلقياً لنظمها وقراراتها وأوامرها وأولوياتها، مفتقداً في الواقع لأية إرادة ذاتية تمكنه من وضع أولوياته أو البحث عن مصالحه، وفي الجانب الثقافي غدت أنماط الحياة الاستهلاكية التي ترغبها الاحتكارات الرأسمالية وتقاليدها وسلم قيمها ورؤيتها للكون والحياة هي المهيمنة، فتراجعت الثقافات المحلية وقيمها وتم تهيئة المناخ لاستلاب الشعوب الأخرى وإبقائها أطرافاً لا دور لها في الثقافة الإنسانية حاضراً ومستقبلاً. وتعمقت عقدة النقص والشعور بالدونية لدى الشعوب والبلدان الفقيرة تجاه القوى الرأسمالية، وأصبحت أو كادت أن تصبح تابعاً لهذه القوى. كما ترافق انتهاء الحرب الباردة مع ثورة الاتصال والتقانية والمعلوماتية (وربما كانت هذه من أسباب انتهاء تلك) وغدا العالم صغيراً، وتسلمت وسائل الاتصال بل أوكل إليها عملية تشكيل وعي المتلقي، واستطاعت بالفعل بسبب سعة انتشارها وقوة تقانيتها واعتمادها على كم هائل متراكم من المعلومات أن تغير وعي أفراد وشعوب، وتخلخل مواقع نظريات وأنظمة، وأن تقلب الطاولة على تاريخ طويل متراكم من الجهد البشري والثقافة الإنسانية فتعولم العالم ثقافة وأنماط حياة وتقاليداً وربما قيماً مما سهل انتشار نظام العولمة وتفكيك مجتمعات بشرية وزيادة تفكك دول كانت مفككة في الأصل.

لقد تراخى مع هذه التطورات الالتزام بالإيديولوجيات وتحولت إلى عقيدة ثم إلى مواقف سياسية، وطرحت بكثافة وقوة واتساع مفاهيم كان التاريخ الإنساني والنضال الإنساني توصل إليها منذ زمن طويل ولكن ليس كبديل عن الإيديولوجيا والعقائد وإنما كتطبيق لنضال الأفراد والشعوب خلال التاريخ، وأعني بها مفاهيم حقوق الإنسان والحرية والتعددية والديموقراطية، والتذكير من جديد بأهمية تحديث الدول والتمسك بالمواطنة كمرجعية وحيدة، والعودة للدولة الديمقراطية وفصل السلطات وقبول حكم صندوق الاقتراع وغيرها، وغدت هذه المفاهيم ـ التي هي نتاج للنضال الإنساني خلال قرون عديدة ـ شعارات جديدة ومتجددة تحل محل الإيديولوجيات من جهة وتتيح للشعوب تقرير مصيرها من جهة أخرى، ولكن في إطار العولمة ونهاية التاريخ وصراع الحضارات، ونمط الحياة الاستهلاكي، أي بما يجردها من أهميتها في نهاية المطاف ويلغي دورها الفعال الذي توصلت إليه الشعوب في مسيرتها التاريخية.

عندما انتهت الحرب الباردة كانت معظم شعوب (العالم الثالث) ترزح تحت نير أنظمة شمولية استبدادية فاسدة، بعضها مستمر بفضل تعاونه مع السياسة الأمريكية (القطب الأول) والبعض الآخر بفضل تعاونه مع السياسة السوفييتية (القطب الثاني) ولم تكن هذه الأنظمة جادة بالفعل في تحالفاتها، فقد كان همها الرئيس الاستمرار بالسلطة. وعلى أية حال ما أن انتهت الحرب الباردة وبدأ نظام العولمة يفرض نفسه، وانتشر الاتصال والمعلوماتية، وانتهت الأخطار الكبرى على النظام الرأسمالي، حتى أخذت هذه الأنظمة تفقد فعاليتها، خاصة بعد زوال الدعم السوفييتي وتضاؤل دورها الذي كانت تحتاجه الإمبريالية الأمريكية، فأخذت تنهار أمام عزوف الخارج عن دعمها ونمو الداخل المتأثر بشعارات العصر، شعارات الحرية والتعددية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وأحياناً أمام الحراك المدعوم من الخارج، ولم يبق في عالمنا المعاصر من الأنظمة الشمولية التي لم تغير أو تتغير إلا عدد قليل يبدو أنه في طريق الزوال. إلا أن الخيبات المتلاحقة في البلدان النامية التي عجزت عن تحقيق مشروعها الوطني أو القومي أو بناء اقتصادها أو تحقيق أهدافها الداخلية، أدت إلى نشوء تيارات متطرفة فيها، دينية أو قومية ترفض الواقع الذي وصلت إليه هذه البلدان رفضاً مطلقاً ساذجاً أحياناً وقصير النظر أحياناً أخرى، ويستخدم مختلف الأساليب للتعبير عن رفضه، مما أدى ببعض هذه الأساليب أن ترتد على بعض هذه التيارات سلباً، وأحياناً على المجتمع كله.

إن الحال العالمي الآن فيه شيء من التعقيد والبلبلة الناجمة عن مجمل هذه التطورات، فلم يعد مفهوم السيادة الوطنية كما كان، فالسيادة منقوصة في معظم المجتمعات، منقوصة عسكرياً حيث الاتفاقات العسكرية والقواعد العسكرية في كل مكان ومنقوصة اقتصادياً لأن النظام الاقتصادي العالمي يسحق النظام الاقتصادي المحلي كله ويلزمه تغيير ما فيه ليتواءم معه، وهي منقوصة سياسياً لأن الخارج الأمريكي والأوروبي غالباً مايفرض شروطه على الدول القصيرة ويجبرها على اتخاذ قرارات لا ترغبها ولا تفيدها كأنظمة وتضر أحياناً بمسيرة شعوبها، وهي منقوصة ثقافياً لأن التدفق الثقافي الخارجي والاختراق الثقافي الخارجي كفيلان بالهيمنة على الثقافة المحلية مضموناً ومفاهيماً وقيماً وتقاليداً وأساليب عيش، ومنقوصة اجتماعياً لأن مجتمعات الدول المتقدمة وحراكها أصبحت مثلاً أعلى لشعوب هذه الدول وغدا زعم السيادة في النهاية زعماً ليس إلا، وللخارج دور أساس في تحديد حجم هذه السيادة ودورها ومهماتها ووظيفتها، فأية سيادة هذه بعد أن فتحت الأبواب للخارج ليتدخل في السيادة؟ وعلى أية حال لم يعد هناك من أنظمة تتذكر السيادة سوى تلك الأنظمة الشمولية ولا يأتي تمسكها بها غالباً حفاظاً على موقف وطني بل حماية لاستبدادها وفسادها وهذه من المفارقات الكبرى.

أمر الداخل والخارج يماثل في البلدان العربية ماهو في البلدان الأخرى مع بعض الاختلافات الرئيسية: أولها الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والهزائم المتتالية للأنظمة السياسية العربية يمينها ويسارها أمام هذا الاحتلال والدعم الأمريكي والخارجي عموماً للسياسة الإسرائيلية والممارسات الإسرائيلية دعماً بدون تحفظ غالباً، وثانيها الاحتياطي الكبير للنفط في البلدان العربية، ومن يملك الطاقة إنتاجاً وطرق مرور سيكون له دور كبير في السياسة العالمية في النصف الأول من القرن الحالي على الأقل بعد أن فشلت مشاريع إنتاج الطاقة البديلة، وثالثها الموقع الاستراتيجي في قلب العالم القديم الذي يمكّنه أن يكون قاعدة انطلاق تمتد تأثيراتها من شرق أفريقيا حتى وسط آسيا وجنوبها، ورابعها أن الأنظمة السياسية العربية لم تلتقط تغير الشروط العالمية بعد انتهاء الحرب الباردة ولم تطور نفسها أو تغير بناها ومناهجها وكأنها خارج العالم، وبقيت في الغالب الأعم أنظمة شمولية استبدادية تستقوي بالخارج على حساب الداخل من اجل أن تستمر، وخامسها أن الحركة المتطرفة الإسلامية ردت على الحال المتدهور بعمليات عنف وإرهاب سواء منها عملية الحادي عشر من أيلول 2001 أم غيرها في بلدان العالم المختلفة، وهذا كله يعطي للخارج الأمريكي والأوروبي المبررات للتدخل في شؤون البلدان العربية تدخلاً مباشراً كما حدث في العراق وشبه مباشر كما يحدث في كل مكان من عالمنا العربي، وجعل الدور الخارجي حاضراً في كل تطور داخلي عربي.

إن المفارقة صارخة أمام قوى التغيير في الداخل العربي، فهي بحاجة لتبني المفاهيم الجديدة التي توصلت إليها الإنسانية من خلال تاريخها الطويل مفاهيم المواطنة والحرية والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص والتعددية والديموقراطية والالتزام بحقوق الإنسان، وهي في الوقت نفسه عاجزة عن فرض التغيير وحدها على أنظمتها القمعية المستبدة، في الوقت الذي تتهمها هذه الأنظمة بأنها تتبنى شعارات أمريكية ومفاهيم أمريكية وتعتد وتذكّر بالخصوصية وغيرها، وتحاول هذه الأنظمة في الوقت نفسه العمل على مقايضة الخارج الأمريكي والأوروبي عارضة تحقيق مطالبه مقابل السماح لها بالاستمرار في السلطة وقمع شعوبها، وهنا تجد قوى التغيير نفسها للوهلة الأولى أمام أحد خيارين: إما التعاون مع الخارج لتغيير الداخل. أو الاستسلام لأنظمة تقود البلاد إلى الدمار، ولاشك أنهما أمران أحلاهما مر.

إن التجارب التي مرت بها بعض دول العالم في الفترة الأخيرة تؤكد أن الخارج لا يلتقي مع قوى التغيير سوى لتحقيق مصالحه فقط وليس مصالح الطرفين، والأمثلة واضحة في العراق حيث دمر المجتمع والنظام والدولة برمتها، وفي أوكرانيا وجورجيا وغيرها حيث أقيمت أنظمة باهتة لا حلت مشاكل الداخل ولا أتاحت لشعوبها فرص قيادة عملية التغيير، فما العمل إذن؟.

إن الأمر أكثر تعقيداً في الواقع مما نظن، ولاشك أن الموازنة بين الداخل والخارج في ظروف عالمنا وشروطه هي كمن يسير على حد السيف، ومن المهم أن نستذكر المثل العربي: كالمستجير من الرمضاء بالنار. ومهما كانت الظروف صعبة والأنظمة مستبدة يبقى الخارج هو الآخر الذي لايؤتمن في عصر تلعب فيه المصالح الدور الحاسم لكل قرار وتصرف.

يمكن لقوى التغيير أن تنتصر بدون استسلام للخارج من خلال ضغط الظروف القائمة في العالم على الأنظمة الشمولية بما يضعفها يوما ًوراء يوم. ويلزمها بشيء من الانفتاح تنمو من خلاله قوى التغيير بعلاقة جدلية صاعدة لابد أن تصل إلى نهايتها.

بقي من المهم التساؤل وماهي العلاقة مع الخارج فيما إذا حُلت المشاكل الوطنية والقومية وقامت أنظمة ديموقراطية وهل سينتهي دور الخارج وتدخله ومصالحه؟ بالتأكيد لن ينتهي هذا الدور ولكن الأنظمة السياسية الديموقراطية المدعومة من شعوبها والمستقوية بها، قادرة على تخفيف غلواء الخارج أكثر من أية أنظمة أخرى وهذا ما ينبغي الرهان عليه.