الخارج وفق محددات الداخل المثال السوري  

  راتب شعبو

  كلمة أولى:

الحديث عن خارج وداخل يحيل مباشرة إلى الحديث عن مفهومي الوطنية والديموقراطية، وفي عالم اليوم الممعن في التداخل وتجاوز الحدود ما تزال القيمة الوطنية أعلى من القيمة الديموقراطية، أي ما يزال الإنسان أقل أهمية. فالمعتقل في سجون السلطة الفلسطينية يحسد نظيره في السجون الإسرائيلية ليس فقط من ناحية شروط الحياة في السجن بل أيضاً من ناحية نظرة المجتمع الفلسطيني إليه. سجين الاحتلال بطل وطني وسجين السلطة مجرم يهدد ((الوحدة الوطنية)). كذا الحال بالنسبة إلى سجين غوانتانامو قياساً على السجين السياسي في سجن تدمر العسكري مثلاً، وقس على ذلك. ولم يتحول سجن أبو غريب الذي التهم أعمار الآلاف في ظل نظام صدام حسين، إلى رمز عالمي للقمع إلا حين صار سجناً للاحتلال الأمريكي. السجين في معارك التحرير الوطني أرفع مكانة من سجين الرأي، كما في الثقافة الشعبية كذلك في الثقافة العالمية وهذا دليل بين على ضعف حضور القيم الديموقراطية في الوعي السياسي عندنا.

خلفية:

بعد أن وصلت التجربة السوفييتية إلى الحائط وتفككت المنظومة الاشتراكية وقدم التاريخ جوابه على السؤال التاريخي الشهير من سيدفن من، وتفردت الولايات المتحدة الأمريكية تالياً بزعامة العالم اقتصادياً وعسكرياً ومن ثم سياسياً، تعيد الولايات المتحدة النظر في أسس التوازن العالمي الذي ساد خلال الحرب الباردة، والذي قام على مبدأ الاستقطاب الثنائي وتقاسم مناطق النفوذ، بكل ما تعنيه كلمة تقاسم من تحول التجربة السوفييتية إلى واقع إمبراطوري بعد أن خبت نار الثورة في جنبات هذه التجربة منذ أن احتلت نظرية الاشتراكية في بلد واحد مكان الصدارة في سياسة الاتحاد السوفييتي السابق. نقول تعيد الولايات المتحدة الآن النظر في أسس التوازن العالمي وتقع منطقة الشرق الأوسط في اللب من إعادة النظر هذه.

ومن الطبيعي أن تنصب استراتيجية الولايات المتحدة تجاه المنطقة، كما كان الحال دائماً، على تأمين حصولها الدائم والميسّر على موارد الطاقة المتوفرة فيها، وعلى ضبط تطور الصراع السياسي في منطقة تنطوي على طاقة سياسية كامنة تتمثل في حجمها البشري وتاريخها الإمبراطوري الغابر المدعوم بدين يمتلك قدرة كبيرة على التعبئة والحشد. وفي هذا السياق تتم إعادة النظر في أشكال الحكم التي سادت خلال مرحلة الحرب الباردة، هذه المرحلة التي كانت بحق ربيع الأنظمة الديكتاتورية، ديكتاتوريات ((تقدمية)) مدعومة من السوفييت تحقق مصالح الشعب بميزة امتلاكها الوعي الثوري، وديكتاتوريات ((رجعية)) مدعومة من أمريكا تحمي حرية السوق وتحارب الخطر الشيوعي. وتكشف الإدارة الأمريكية عن فحوى إعادة النظر هذه بأنها تقوم على تفكيك الأنظمة الاستبدادية ودعم نشوء أشكال حكم ديموقراطية، بعد أن تكشف لها أن النظم الاستبدادية جهاز لتفريخ الإرهابيين.

ومن الطبيعي أيضاً أن ما يهم الإدارة الأمريكية ليس الديموقراطية بما هي قيمة حضارية، بل الوظيفة التي تؤديها من حيث أنها شكل من الحكم يشف عن القوى والتيارات السياسية التي تعتمل في المجتمع وبالتالي يمكّن من إدارة صراع هذه القوى والتنبؤ باتجاهات حركتها والسيطرة عليها. وعلى هذا فإن من الطبيعي أيضاً أن ترتد أمريكا على شكل الحكم الديموقراطي أو على بعض جوانبه حين يفضي إلى ما يعرقل سياساتها. على أن هذا لا ينفي أن التوجه الأمريكي العام في مرحلة ما بعد الحرب الباردة هو تحرير نسبي للصراع السياسي كتتويج لانتصارها التاريخي فيما عرف بالحرب الباردة، وهو في الواقع ولا شك تحرير بهدف الضبط في المحصلة.

اليوم والأمس:

من المغري مقارنة الحركات الديموقراطية الناشئة اليوم في بلدان العالم الثالث وعلاقتها بالمراكز الرأسمالية ولاسيما الولايات المتحدة، بالحركات الشيوعية واليسارية وعلاقتها بالاتحاد السوفييتي سابقاً. الأحزاب الشيوعية كانت ترى في الاتحاد السوفييتي نموذجاً تطمح إليه بدرجات متفاوتة، والحركات الديموقراطية ترى في الديموقراطية الأمريكية نموذجاً لها أيضاً. الأحزاب الشيوعية بإجمال سعت لنفي الرأسمالية (نموذجها النقيض هو الاتحاد السوفييتي) باعتبارها مصدراً للتخلف الاقتصادي والاجتماعي، والحركات الديموقراطية اليوم ترى أن الاستبداد (نموذجه النقيض هو أمريكا) هو مصدر التخلف وتسعى للتخلص منه. الفصل حاصل دائماً، لا الحركات الشيوعية كانت تلتفت، إلا ما ندر، إلى الطبيعة الاستبدادية لأنظمة الحكم الشيوعية، ولا الحركات الديموقراطية اليوم تنظر إلى البؤس الذي تخلفه علاقات السوق التي تتم من وراء ظهور المتعاملين ومن أمامها.

لكن مشكلة الحركات الديموقراطية تكمن في حساسية علاقتها بالخارج (ولاسيما الولايات المتحدة) الذي يشكل موضوع نقمة شعبية متعددة المصادر (قومية وإسلامية بوجه خاص). هذه المشكلة لم تكن حاضرة فيما يتعلق بالأحزاب الشيوعية أو اليسارية عموماً التي لم تكن صلتها الخارجية ترتب عليها عبئاً سياسياً أو معنوياً نظراً إلى أن الاتحاد السوفييتي لم يكن له تاريخ ولا حاضر استعماري، بل كان نصيراً مهماً لحركات التحرر الوطني، الأمر الذي خفف بشكل واضح من الرفض الشعبي الذي ولده موقفه الطفولي من الدين. وقد انعكس هذا في جاذبية فكرة الاشتراكية حتى لدى الحركات السياسية الإسلامية وزعاماتها أمثال حسن البنا (مصر) ومصطفى السباعي (سورية).

ولئن كانت معظم الأحزاب الشيوعية والحركات اليسارية بمثابة اختراقات وحضور سوفييتي وأحياناً وسائل سوفييتية داخل مناطق النفوذ الأمريكي خلال مرحلة الصراع القطبي ولاسيما بعد الحرب الكونية الثانية، فإن الحركات الديموقراطية اليوم ليست كذلك بالنسبة لأمريكا، بعد أن تغير شكل الصراع من صراع مواجهة على خطوط وجبهات واضحة إلى حرب تخوضها أمريكا ضد عدو غامض لا يتحدد بحدود ولا بدولة. قوام هذا العدو هو رفض الهيمنة الأمريكية والانتقام من سياساتها العدوانية على الشعوب والمنحازة لإسرائيل والتي تنظر إلى الإسلام والى القومية العربية وتتعامل على أنهما عدوان بالقوة وبالفعل. وإذا كانت المواجهة مع الهيمنة الأمريكية تتخذ في جزء منها، وهو الجزء الأبرز، هذا الشكل الإرهابي اللاإنساني (قتل اعتباطي للمدنيين)، فذلك يعود من جهة إلى مدى اللاإنسانية والتعسف الممارس من الجانب الأمريكي بشكل خاص تجاه القضايا العربية والإسلامية، ومن جهة أخرى إلى غياب نظام سياسي بديل أو برنامج سياسي محدد لدى الطرف أو الأطراف التي تتولى هذه المواجهة. وهذا أيضاً على خلاف ما كان عليه حال الأحزاب الشيوعية التي كانت تمتلك بديلاً (برنامجاً) واضحاً وقطعياً.

ويلاحظ أن قطعية البديل الذي كان ينادي به الشيوعيون والمتمثل في تغيير شكل ملكية وسائل الإنتاج بقرار سياسي، تشكل على غرار غياب بديل ممكن ومعقول لدى الأصوليين الإسلاميين، أساساً للتطرف السياسي. ففي الحالة الأولى يعفي وضوح الحل وقطعيته من البحث في تعقيدات الموضوع، وبالتالي يدفع إلى القفز فوق هذه التعقيدات والشعور بالاستغناء الفكري وبعدم جدوى التدرج وبمؤقتية وقصر نظر كل ما هو دون هذا الحل. ومن ناحية ثانية فإن غياب البديل يجعل من قوة الرفض السياسي الهائلة التي تتميز بها الحركات السياسية الإسلامية عموماً، قوة عدمية تبرع في التخريب والهدم لأنها لا تحسن البناء. ومن هنا نجد ازدهار هذه الحركات الرفضية في مقاومة الاحتلال العسكري الخارجي ((العراق، لبنان، فلسطين)). ونعتقد أن هذا الازدهار مرشح للخفوت عندما تصبح مهمة البناء الداخلي على رأس القائمة، ووضع حزب الله في لبنان اليوم، بعد أن دخل في معمعة السياسة الداخلية، يحمل شيئاً من هذا. وكذلك وضع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعد فوزها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.

الديموقراطية حل ومشكلة:

وإذا كانت الديموقراطية تساهم في ((تجفيف منابع الإرهاب))، كما ترى الإدارة الأمريكية، فإن الديموقراطية (تحرير الصراع السياسي) تحمل أيضاً إمكانية ظهور تيارات شعبية كاسحة معادية للهيمنة الأمريكية وإمكانية وصول هذه التيارات إلى سدة الحكم، كما تظهر تجارب بلدان أمريكا اللاتينية. لا يوجد مخرج نهائي من هذه الإشكالية، ففي السياسة لا يوجد حلول نهائية؛ لكن يمكن التفكير بالحد منها باعتماد شكل حكم ديموقراطي تفتيتي حين يتيح الوضع الداخلي للبلد ذلك. فحين يكون ثمة خطوط انقسام عمودية في المجتمع (انقسامات على أسس عضوية لا مدنية)، قد ترى الولايات المتحدة من مصلحتها تسييس هذه الانتماءات، إذا جاز القول، أو مأسستها في إطار ديموقراطي بحيث تخلق جدران عازلة داخل المجتمع نفسه بشكل يستهلك الطاقة السياسية للمجتمع في صراعات بينية عقيمة ويمنعه من أن يشكل تهديداً ذا قيمة لاحقاً.

يحقق هذا الحل وظيفة الديموقراطية السياسية بكشف التيارات التي تعتمل داخل المجتمع من جهة ووظيفة لجم وحدة المجتمع في وجه السياسات الأمريكية من جهة ثانية. ولكن بالتدقيق يبدو أن هذا الحل أثبت فشله من هذه الناحية في لبنان. فلبنان وهو البلد الوحيد في محيط إسرائيل الذي يقوم دستوره ونظامه السياسي على الكيانات الطائفية، هو البلد الوحيد الذي هزم إسرائيل وأرغم المارينز على الخروج من لبنان صاغرين. والحق أن لهذه الحالة اللبنانية شرطها السياسي والديموغرافي الخاص. ولكن قد يكون الدرس المستفاد أمريكياً من التجربة اللبنانية هو أن التقسيم السياسي الفعلي على أسس شتى أهمها الأساس الديني والطائفي هو ما يضمن شل الفعالية السياسية المعادية لأمريكا وإسرائيل في المنطقة. هذا ما يفسر سبب العداء الأمريكي للفكر القومي العربي وللفكر السياسي الإسلامي الجامع. فهذا الأخير يشكل خطراً على الاستراتيجية الأمريكية بقدر ما يمتلك من قدرة على الامتداد والتوحيد والحشد، ولكنه قد يدخل في عناصر اللعبة الأمريكية بقدر ما يمكن أن ينضوي تحت يافطة طائفية (أي بقدر ما يتخلى عن بعده الإسلامي)، حسب شروط البلد المعني.

المثال السوري:

 تنطوي عملية إعادة النظر في أشكال الحكم الاستبدادية ودعم نشوء أشكال حكم ديموقراطية، على خطورة في المجتمع السوري تتجاوز الخطورة المألوفة في عمليات التغيير. فالاستبداد الذي همش طويلاً فكرة القانون وفكرة المواطن ودأب على تنظيف الساحة السياسية من الرأي الآخر بشتى أصناف القمع، أوصل الوعي العام إما إلى اللامبالاة السياسية وتدني الوعي السياسي أو إلى كبت النقمة غير المؤسسة بدورها على وعي سياسي سليم، وأرسى بالتالي استقراراً قائماً على الخوف والعطالة السياسية وليس على سيادة القانون. وهو بالتالي استقرار قلق يشتري الحاضر بالمستقبل، ولكنه مع ذلك يشكل حاله لها قيمتها غير القليلة لدى السوريين ولاسيما على خلفية المشهد العراقي الراهن وعلى خلفية المشهد السوري أيضاً قبل حوالي ربع قرن والذي ما يزال له حضور طاغ في الوعي السياسي العام في سورية.

 إن هذا ((الاستقرار)) معرض للانفجار ما أن يزول صمام أمانه، وصمام أمانه هو قوة السلطة الأمنية الحالية في سورية، وهذه حقيقة تستقوي السلطة بها ويحاجج بها أنصار الواقع القائم ولها صداها لدى أبناء الشعب. الأمر الذي يجعل الشعب السوري قلقاً بين شرين، شر البقاء في الوضع الراهن يعاني القمع والفقر والتهميش مع تلاشي الأمل بالإصلاحات الموعودة، وشر الفوضى التي يمكن أن تنجم عن انحلال السلطة الذي يبدو أن العامل الخارجي سيكون أساسياً فيه إذا استمرت السلطة السياسية السورية في نهجها الحالي إزاء الداخل. إن عملية إعادة صياغة المنطقة تنطوي إذن على خطر نشوب الفوضى لأن الاستقرار السوري لا يقوم على أسس مجتمعية راسخة بل على أسس سلطوية تتحلل بتحللها.

بالنسبة للمثال السوري نحن أمام لوحة يمكن تكثيف عناصرها بما يلي:

بروز الانتماءات الجزئية (نسبة إلى الكل الذي هو الوطن) وأهمها الطائفية، كتعبير عن التهميش السياسي المديد وتراجع الوعي السياسي العام.

 انعدام الفاعلية السياسية لدى الشعب السوري كتعبير عن هزيمة مزمنة للمجتمع أمام السلطة السياسية وعن أزمة سياسية لدى المعارضة تعكس بدورها أزمة فكرية.

 ارتهان السلطة السياسية إلى نهج وصائي وإقصائي وخشيتها، حتى الآن، من الإقدام على أي إصلاح سياسي جدي.

تزايد الضغط الخارجي على النظام السوري من أجل دفعه إلى المزيد من الانسجام مع سياسة الدولة العظمى الساعية إلى تحويله إلى مجرد أداة لهذه السياسة.

ونظراً إلى أن الأنظمة الشمولية تتسم بأنها تحول المجتمع إلى كتلة صماء مرهونة لسياساتها، وهذا ما يمدها بالقوة إزاء الخارج، ويجعلها من ناحية أخرى قادرة على تبديل سياساتها بقرار أو بمرسوم (المثال الليبي). هذه السمة تحمل بالنسبة للدولة العظمى خطر تقلب السياسات من جهة وصعوبة التدخل والتأثير الخارجيين من جهة ثانية. كل وسائل الضغط الخارجي على نظام صدام حسين لم تغن عن التدخل العسكري الذي تدفع الولايات المتحدة فاتورته السياسية والمالية الباهظة اليوم. فقد تكتشف أمريكا أن الحليف الأفضل والأكثر ديمومة هو بنية الدولة وهيكليتها وليس السلطة السياسية. فالدولة الديموقراطية التعددية هي بالنسبة لأمريكا في هذا العصر حليف أفضل من الدولة الشمولية، والدولة الديموقراطية القائمة على مأسسة الانتماءات دون الوطنية حيث يتاح ذلك هي الحليف الأفضل.

على هذا فإن التجاوب السافر للنظام السوري مع السياسات الأمريكية في المنطقة سوف يجرده من ورقة ((وطنية)) طالما رفعها في وجه المعارضة الداخلية والخارجية وسيدفعه إلى التخلي عن كافة أوراقه الإقليمية سعياً وراء الرضى الأمريكي صعب المنال، وهو إلى ذلك لن يغني عن الغاية الأمريكية في تبديل هيكلية الدولة السورية، والتي سوف تسعى السياسة الأمريكية، بقدر ما يسمح لها الواقع السوري، إلى بنائها على أسس طائفية محاكاة للحالة العراقية.

الديموقراطية تحتاج، عكس الاستبداد، إلى ثقافة ديموقراطية والى شد الشارع إلى الفعالية السياسية. هذه مهمة مركزية ملقاة على عاتق الديموقراطيين السوريين. فالسياسة الأمريكية لا تستطيع أن تفرض هيكلية ما للدولة السورية إذا كان الواقع السياسي السوري لا يتقبل أو لا يستدعي هذه الهيكلية.