رد على الدراسة المقدمة من حازم نهار

 منير بيطار

 

بداية أود أن أسجل تقديري العالي للجهد الكبير الذي بذله الدكتور حازم نهار في سبيل إخراج هذا الكتيب القيّم، كما أثمن عالياً الأفكار التي طرحت فيه والتي فتحت باباً واسعاً للنقاش في قضايا ما زالت قوى المعارضة الوطنية تتفاوت نظرتها إليها كالموقف من المقاومة العراقية والفلسطينية، والاستقواء بالخارج، والعولمة وغيرها. من هنا أنطلق لإبداء رأيي في هذه المواضيع الثلاثة، مع عدم إهمال بعض الملاحظات حول بعض النقاط التي وردت في هذه الدراسة.

ورد في الكتيب ((في العراق تعاملت أمريكا مع مكونات وصراعات خفية منذ آلاف السنين، وهي لم تخلقها، بل خلقها بشر المنطقة أي أن أمريكا تعاملت مع واقع موجود، وكانت محكومة به)). وتعليقاً على ذلك أقول: صحيح أن أمريكا تعاملت مع واقع موجود، ولكنها لم تكن محكومة به إذا ما أرادت غير ذلك. والسؤال هل كان الوطنيون الديمقراطيونـ لو أنهم استلموا الحكم عن الطريق الديمقراطي السلمي ـ سيتعاملون مع هذا الواقع الموجود بنفس المعادلة الطائفية والاثنية التي تعاملت بها أمريكا مع المجتمع العراقي؟ لا أظن ذلك، بل أجزم بنفيه، لأنهم، كما هم دائما، حريصون على المصلحة الوطنية التي تتنافى وجوداً مع الطائفية والمذهبية والإثنية وغيرها. أما في حالة أمريكا فإنها كانت ستحاول أن توجد مثل هذه التفرقة حتى لو كانت غير موجودة، وذلك حسب القول المأثور ((فرق تسد)). ولهذا فقد استغلت الولايات المتحدة هذا الواقع السيئ أبشع استغلال لتوظفه لمصلحتها ولإنجاز مخططاتها المرسومة لديمومة هيمنتها على المنطقة والعالم.

كما ورد في الكتيب ((عولمة النظام الرأسمالي أمر محتم...)) وتعليقاً على ذلك أقول: إن عولمة النظام الرأسمالي أمر تسعى إليه الدول ذات النظام الرأسمالي وعلى رأسها الولايات المتحدة لأنها الأكثر قدرة على منافسة الدول المتخلفة اقتصاديا ومن ثم ابتلاعها. إن مثل هذه العولمة المتوحشة لا طاقة لدول العالم الثالث وحتى لبعض دول العالم الرأسمالي الصغيرة على المنافسة معها. لذلك لا بد من العمل على تحصين مثل هذه الدول للتقليل ما أمكن من آثار هذه العولمة المتوحشة. أما العولمة على باقي الصعد الإعلامية والثقافية والعلمية... إلخ فإننا نفتح أبوابنا ونوافذنا لتدخل ديارنا وتنير عقولنا، هذا من جهة. ومن جهة أخرى إذا كانت عولمة النظام الرأسمالي أمر محتم، ولا ينبغي مقاومتها، فهل المطلوب التخلي عن جميع الإجراءات الاشتراكية لصالح الخصخصة والانخراط في النظام الرأسمالي، أم أن الأجدر والأجدى هو المحافظة على المنجزات الاشتراكية ذات الطابع الاستراتيجي مع العمل الجاد على تحسين أدائها وإنتاجها لتشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني المزدهر؟ إن القطاع العام المعافى يضمن وجود كتلة اقتصادية أساسية لحماية المواطن البسيط من السقوط في براثن الرأسمال الجشع. إن عددا من الدول الأوربية الغربية تمكنت من الاحتفاظ بوتيرة تقدمها وازدهارها رغم أنها اشتراكية، والفضل يعود في ذلك إلى الحرية والممارسة الديمقراطية التي يتمتع بها الفرد والمجتمع في هذه الدول. إننا نؤمن بأن المجتمعات المتخلفة التي تبنت الاشتراكية وفشلت فيها تجربتها يعود السبب في فشلها ليس إلى الاشتراكية بل إلى تجريدها من مضمونها الإنساني، وجعلها مقتصرة على معالجة المسائل الاقتصادية، وإهمالها أو حتى محاربتها للجانب الإنساني المعبر عنه بالحرية والديمقراطية. إن المؤسسات والشركات التي لها علاقة مباشرة بحياة المواطن يجب أن تبقى ضمن القطاع العام، ومثالاً عليها: مؤسسة الماء والكهرباء والسكك الحديدية والمطارات والطرقات العامة والثروات الطبيعية... إلخ. وبالإشارة إلى جمهورية روسيا الاتحادية، التي تخلت عن النظام الاشتراكي وتبنت نظام السوق، نرى أن نسبة الفقر فيها قد ازدادت كثيراً عما كانت عليه أيام اشتراكية الاتحاد السوفييتي، رغم نقدنا للتجربة السوفييتية التي حاربت الحرية والديمقراطية مما أدى إلى فشلها وسقوطها.

أما عن ((الاستقواء بالخارج)) فأقول: لقد أحسن الكاتب عندما لم يأخذ ((الخارج)) ككل متماثل بل فرزه إلى دول ومنظمات وهيئات وقوى ومعارضات... إلخ منفصلة الواحدة عن الأخرى. وهذا الفرز يحتم علينا ألا نرفض ((الخارج)) بالمطلق كقوة شريرة، وكذلك ألا نقبل به بالمطلق كقوة خيّرة. إن عملية الفرز هذه تسّهل الاختيار والتعامل مع القوى التي لا تطمع بالمس بسيادتنا الوطنية عند التعاون معها لمساعدتنا في الخلاص من حكم الاستبداد الشمولي الجاثم فوق صدورنا منذ أكثر من أربعين عاماً. أما ((الخارج)) الذي نرفض الاستقواء به هو ((الخارج)) الاستعماري الذي لا يقدم لك شيئاً إلا إذا ضمن مسبقاً أن يحصل على أضعافه منك ومن الوطن. وتاريخه الماضي وحتى اللحظة يشهد بمواقفه المعادية لحرية شعبنا العربي، وارتكابه المجازر البشعة في العراق، حتى تجاوز عدد القتلى المدنيين الأبرياء على أيدي قواته ((المحرّرة)) مائة ألف مواطن. وأحد الشواهد البارزة على وحشية قصفه بالطائرات لعرس كان يقام قرب الحدود السورية مع العراق، فذهب ضحيته المئات من النساء والأطفال الذين لم يكونوا يحملون بأيديهم البضة رشاشات الكلاشينكوف ولا قذائف آر بي جي. ومع ذلك فإن رفضنا لهذا ((الخارج)) الاستعماري يتركز على تدخله عسكرياً وعلى فرضه حصاراً اقتصادياً على بلادنا، لا يضر إلا المواطنين الفقراء ولا يصيب حكامهم بسوء. أما ما لا نرفضه منه فهو فرض عزلة دولية على النظام، وتقييد تحركات دبلوماسييه في الخارج، وفضح أعماله وممارساته الاستبدادية بحق مواطنيه، وإصدار قرارات دولية تحرّم عليه زج الأبرياء في السجون لمجرد أنهم يحملون آراء تخالف آراءهم.

وهناك ملاحظة لا بد من التعريج عليها تتعلق ((بالاستقواء بالخارج)) المتمثل بالأمم المتحدة. فقد ذكر الكاتب ((هناك اليوم جدل واسع داخل الأمم المتحدة حول هذا الشأن، أي بخصوص وضع معايير للتدخل من أجل أسباب إنسانية)). وتعليقاً على ذلك أقول: إن المرء ينتابه الريبة من مثل هكذا قرار إذا صدر، وعلى وجه الخصوص، من مجلس الأمن بصورته الحالية كونه يدار عمليا من قبل وزارة الخارجية الأمريكية. فهل يمكن أن نصدق، في حال اعتماد وإقرار مثل هذه المعايير، بأن أمريكا ستوافق على التدخل لحماية الفلسطينيين من اضطهاد وظلم الإسرائيليين لهم؟ حبذا لو كانت تركيبة مجلس الأمن غير ما هي عليه اليوم، ولا يوجد فيها دول تتمتع بحق النقض الفيتو ـ وهو الحق الذي لا حق لها فيه ـ والذي فرضته على العالم ليس بقوة المنطق بل بمنطق القوة العسكرية الغاشمة. وحق النقض هذا هو رمز الاستبداد العالمي المتحكم بالدول والمجتمعات الضعيفة والتي تستحق الحماية من ظلم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن. إن ما نخشاه هو أن يشكل مثل هذا القرار ذريعة للغول الأمريكي للتدخل في شؤون الدول التي لا تنضوي تحت لوائه ولا تخضع لمشيئته، كفنزويلا مثلاً، بدواعي ((أسباب إنسانية)).

أما فيما يتعلق بالمقاومة، والعراقية منها على وجه الخصوص فقد لفت نظري، عند حديثه عنها، قوله ((أو ما يسمى بالمقاومة العراقية)). هذا التعبير يحمل في طياته من دلالات التقليل من شأن المقاومة الشيء الكثير، أو ربما يعني رفضها وإدانتها. كنت أتمنى ألا يرفض الكاتب العزيز المقاومة جملة وتفصيلاً، كما يمكن أن يفهم من تعبيره، بل كان الأجدر به أن يؤكد على أحقية أي شعب تحتل أرضه بمقاومة المحتل، تماما كما يفعل الجسم عندما تدخله أجسام غريبة، فيهب للدفاع الطبيعي عن نفسه. وإذا كان يأخذ على المقاومة بعض التفجيرات التي تقتل المدنيين الأبرياء ـ والتي لا نرضاها نحن أيضاً ـ كان بإمكانه أن يحث المقاومة الشريفة، التي تواجه يومياً جنود الاحتلال، على التصدي لمن يقوم بهذه التفجيرات العشوائية، وعلى العمل على تنقية صفوفها من العناصر المندسة فيها والتي تشوه صورة المقاومة الوطنية. أنا لا أعتقد ولا أحب أن يجول بخاطري بأن الكاتب العزيز يدعو للركون إلى السكينة والاستقرار ونبذ أعمال المقاومة لتمكين المحتل من إرساء دعائم حكومة عميلة له باسم أو بحجة ترسيخ العملية الديمقراطية في العراق، لينساح من العراق بعد ذلك شرقاً وغرباً وفي كل الاتجاهات ليقوم بعمليات مماثلة لما قام به في العراق من قتل للبشر وتدمير للبنى التحتية وإثارة للنعرات الدينية والمذهبية والعرقية بين أبناء الشعب الواحد. إن للولايات المتحدة مخططها الذي تعمل على تنفيذه في المنطقة، والذي من أجله تم غزو العراق، وهو إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس جديدة تخدم مصالحها ومصالح ربيبتها إسرائيل على المدى القريب والمتوسط والبعيد، بصرف النظر عن الأضرار والدمار الذي ستلحقه بدول المنطقة وشعوبها.

وأخيراً إنني أرجو ألا يفهم من كلامي أنني أرضى باستمرار الاستبداد والتحكم والتسلط الفردي والحكم الشمولي الذي يمارسه حكامنا باسم الوطنية والوقوف بوجه المخططات الاستعمارية، كما أرجو ألا يفهم أنني ضد الديمقراطية لأن أمريكا ((تحمل لواءها الآن)). إنني على يقين بأن السلطة تحاول أن تضع الديمقراطية، التي نطالب بها، في مواجهة الوطنية التي نحرص عليها. فالسلطة لن تتوانى عن إلصاق تهم الخيانة والعمالة للأجنبي بكل من يطالب بالديمقراطية لمجرد أن أمريكا أصبحت تقول بها الآن، كما أنها ستنعته باللاوطنية إذا طالب بإنهاء الاستبداد والحكم الشمولي. ونحن نرى بأن الوطنية تفقد مضمونها الإنساني في ظل الاستبداد، كما تفقد الديمقراطية محتواها الوطني مع وجود الاحتلال. فالوطنية والديمقراطية لا ينفصلان بل يشكلان معا ركنيّ السيادة الوطنية.