حول إشكالية العلاقـة بين الداخل والخـارج

أ. حسن إسماعيل عبد العظيم

البحث أو الدراسة التي قدمها الدكتور حازم النهار، بعنوان تجديد الفكر السياسي حول إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج دراسة جادة تكمن أهميتها في توقيت طرحها وراهنية الموضوع المعروض للنقاش على عدد من المهتمين بالسياسـة والفكر، والعمل الجاد من أجل التغيير الديمقراطي في سوريا، ومما يـزيد من أهمية البحث أنه لا يحصر النقاش فـي العنوان أو الموضوع المطروح للنقاش، وإنما يتناول في ثناياه الكثير من القضايا التي تتصل به أو تتفـرع عنه كالتيارات السياسية والفكرية والأحزاب التي تنتمي إليها، ومواقفها، وخطابها السياسي والثقافي والثقافة العربية الإسلامية، وأصولها، والنظرة الثقافية للآخـر. ويتحدث عن الموقف من الولايـات المتحدة الأمريكية، والغرب والنظام العولمي، وعـدم إمكانية تجاهله أو الانفلات من تأثيره بالتجاهل وإدارة الظهر، وينتهي بعد جولة أفق واسـعة إلى النتيجة المطلوبة بعـرض أفكار للخروج من النفق المسدود، لكيلا يبقى البحث نظرياً بحتاً، أو دراسة أكاديمية لمجرد التوعية والتثقيف.

(1)

 في مقدمة البحث ـ عصر بدون مقدسات يعيد اصطفاف القوى والبشر، يتحدث الكاتب عن حساسية الموضوع، ومخاطر التعرض للاتهام بالعمالة والخيانة الوطنية، وهذه اللغة كثيراً ما يلجـأ إليها أطراف في السلطة، توجه عادة إلى المعارضة والرأي الآخر، ولا يجوز أن تلجأ إليها عناصر أو أطراف في المعارضة، مهما اختلفت الرؤى وتباينت الاجتهادات، لأني أحسب أن أطراف المعارضـة قد مارست مراجعات جدية لأفكارها وسياساتها، وأساليب عملها واختارت النهج الديمقراطي، الذي يتضمن القبول بالتعدديـة، وحق الاختلاف واحترام الرأي الآخر.

بعد استبعاد التشكيك والاتهام فإني أتفق مع الكثير من الأفكار التي طرحها الكاتب، بهدف توحيد رؤى المعارضة وسياساتها تجاه الداخل والخارج، وحول إشكاليـة العلاقة بينهما، وحول ضرورة إعادة بناء رؤانا وتصوراتنا، للذات والآخر والعالم، غير أني أختلف معه في بعض الأفكار والرؤى وقناعتي بأنه لم يطرح أفكاره ورؤاه كمسلمات لا تقبل النقاش، وإلا كان تقديمها للحوار غير منتج.

إن الاتفاق مع الكثير من الأفكار يستند إلى أن الكاتب قدم تحليلاً منطقياً للسياسة الخارجية الأمريكيـة، وثوابتها الإستراتيجية في المنطقة منذ منتصف الأربعينات حتى عام 2001 ((المتمثلة في منع القومـية العربيـة من التشكل والتكون، ومحاربة الشيوعية، ومحاصرتها في المنطقة، والسيطرة على النفط، والحفاظ على وجود إسرائيل وأمنها..)) كما أشار إلى وسائلها في خدمة هذه الإستراتيجية المتمثلة في دعم الأنظمة الاستبدادية، وتشجيع التيارات الإسلامية المتطرفة، أي أن الإدارة الأمريكيـة حاربت العروبة بالإسلام السياسي، لفك الارتباط بينهما من جهة، ومنع قيام أي شكل للوحدة العربيـة أو الاتحاد، كما حاربت الشيوعية، بالجماعات الإسلامية واستغلال فكرة الجهاد ضد الإلحاد والكفر، وهدفها من ذلك تحقيق أمريـن: الأول تحويل الصراع في المنطقـة من صراع ((عربي ـ صهيوني)) إلى صراع عربي وإسلامي ضد الشيوعيـة والاتحاد السوفيتي، والثاني إضعاف القطب الاشتراكي والانتصار عليه في الحرب الباردة، وقد نجحت سياستها تلك إلا أنها انقلبت عليها فيما بعد، في حين أن الحركة القومية، بقيادة عبد الناصر لم تقع في هذا الفخ الذي نصب لها في أواسط الخمسينات من القرن الماضي وعلى العكس من ذلك فقد استفادت من الاتحاد السوفيتي كقطب دولي في قضايا التنمية والتصنيع والتسليح، وفي مساندة القضايا العربية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن..

وبالإضافة لانطلاق البحث من فهم واضح للإستراتيجية الأمريكية، والسياسات الخارجية التي تعمل لتحقيقها والتغيير النسبي الذي طرأ عليها، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي من جهة، وأحداث 11/ 9/ 2001 من جهة ثانية فإنه لم يغفل في الوقت ذاته فهمه للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه أمريكا في دعم الديمقراطية في المنطـقة، فهي وإن ((تحولت من دعم الاستبداد إلى تقويض دعائمه)) إلا أنها ((بداهة لا يمكن أن تكون مع ديمقراطية متوافقة مع تصوراتنا.. إنها تقف مع شكل ما من الديمقراطية يتوافق مع التعددية السياسية، وهي شرط للديمقراطية لكنها لا تتماثل معها وهي محكومة إلى حد ما بالمانح والمعطي، وعرضة للاستغلال..))

(2)

بعد الإشارة إلى نقاط الاتفاق أود إبداء الملاحظات التالية على المحاور الأساسية التي يتضمنها البحث:

1 ـ إن المشروع الأمريكي الكوني للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط وضمنها المنطقة العربية، هو مشروع قديم جديد، ولم يكن ردة فعل على إعصار11/ 9/ 2001.

ـ ففي أواخر عام 1953 عرض جون فوستر دالاس/ وزير خارجية أمريكا على جمال عبـد الناصر، أن تشارك مصر في منظمة للدفاع عن الشرق الوسط في مواجهة حركة الشيوعيـة والاتحاد السوفيتي.

ـ وفي عام 1957 قدم الرئيس الأمريكي مبدأ أيزنهاور لملء الفراغ في المنطقة بعد فشل العـدوان البريطاني الفرنسي على قناة السويس، واضطرارهما للانسحاب، وانهيار قوى الاستعمار القديم، وقد تم إفشال مبدأ أيزنهاور، وسـقوط حلف بغداد، بمعارضة مصرية سورية.

ـ وفي النصف الثاني من عقد السبعينات من القرن العشرين، باشرت الولايات المتحدة إعداد قوات المارينز المحمولة جواً لاحتلال منابع النفط، وأعدت الكثير من الأبنية والمخازن في بعض دول الخليج ن لإيواء هذه القوات عند اللزوم.

ـ وتزايد الاهتمام بالمشروع مع صعود اليمين الأمريكي المتطرف المتحالف مـع التيار المسيحي الصهيوني، في عهد ريغان في الثمانينات، وفي عهـد بوش الأب في أوائل التسعينات من القـرن الماضي، وتمت السيطرة على نفط الخليج، في حرب الخليج الثانيـة (عاصفة الصحراء) وأقيمت القواعـد العسكرية البريـة والجوية والبحرية في دول الخليج.

ـ وفي أعقاب إعلان نجاح الرئيس بوش الابن، وضعـت لجنـة من المتشـددين الصقور في البنتاغون برئاسـة ديك تشيني، دراسة تتضمن خطة للسيطرة على المنطقة، وفي إشارة إلى الحرب المتوازنة مـع جماعـات متشددة وبرز الحديث عن صراع الحضارات والإشارة إلى الإسلام، كعـدو بديل للشيوعيـة والاتحاد السوفيتي، وقد جاءت أحداث 11/9 لتعطي الدافـع المباشر للرئيس الأمريكي لإقرار خطـط البنتاغون وإعلان الحرب على ((الإرهاب)) واحتلال أفغانستان والسيطرة على نفـط دول آسيا الوسطى الإسلامية، والتمهيد الإعلامي السياسي لاحتلال العراق، بحجة أسلحة الدمار الشامل، والعلاقة مـع تنظيم القاعـدة، وعندما ثبت عـدم صحة التهمتين، أمام الشعبين الأمريكي والبريطاني، وشعوب العالم، تم تبرير الاحتلال بحجة نشر الديمقراطية في المنطقة كمبرر أخلاقي للحرب التي تمت خارج إطار الشرعية الدولية، ولعل قسوة النظام العراقي السابـق واستبداده الطويل، أعطى بعض التبرير للتحالف العدواني في نظر البعض، غير أن العراق قـد انتقل من نار الاستبداد إلى جحيم الاحتلال والدمار ونذر الحرب الأهلية، واحتمالات التقسيم.

(3)

ولعل البعض ومنهم الأخ د. حازم النهار يحمل أفكاراً مشوهة عن المقـدس والمقدسـات، والإسـلام، والثقافـة العربية الإسلامية، ويعتبر هذه الثقافة عقبة في وجـه الحداثة، والعصرنة، والتطـور، وعائقاً دون بنـاء الدولـة الوطنية الحديثة، وبأنها تعتبر الآخر ((نجس)) يفتقر إلى الطهارة لأنها تستنـد إلى أصول ((بدوية)) و((دينية)).

ومع أني أنتمي إلى التيار القومي العربـي، وليس إلى تيار الإسـلام السيـاسي، غير أني ـ كمثقف قومي ـ لا أجد صعوبة في تفنيد هـذه النظرة السطحية للإسلام والثقافة العربيـة الإسلاميـة، والموقـف من الآخر وفي تقديري أن الباحث يخلط بين نظرة الإسلام والثقافة العربية الإسلامية الحقيقية للآخر وبين نظـرة بعض المسلمين في مرحلة التخلف والجهل، أو نظرة المتعصبين المتشددين الذين يـرون العالم على اتساعـه مجـرد ((فسطاطين)) أو ((دار إسلام ودار كفر)) في حين أن النصوص القرآنية الواضحة أكدت القواعد الفلسفية التاليـة:

ـ تكريم الإنسان وتفضيله ((ولقد كرمنا بني آدم في البر والبحر)) ((من قتل نفساً... فكأنما قتل الناس جميعاً)).

ـ المساواة بين البشر والأجناس بغض النظر عن الجنس واللـون ((وجعلناكـم شعوباً وقبائل لتعارفـوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) الآية، وقول الرسول ((كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)) أي بالإيمان والعمل الصالح الذي ينفع الناس.

ـ الاختلاف من سنن الكون ((ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين، ولذلـك خلقهم)) ((لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ويخرجوكم من دياركم، أن تبروهم، وتحسنوا إليهم)).

ـ المساواة في المواطنة، وحرية الاعتقاد والعبادات والشعائـر، فعندما قدم الرسـول العربي محمد بن عبد الله إلى المدينة عقد بين أهلها وثيقة سياسية سميت الصحيفة تتضمن أن المسلمين واليهود وغير المسلمين من أهل المدينة أمة على من عـاداهم، وأن لليهـود بيعهم (كنسهم) وعباداتهم وشعائرهم كما للمسلمين ولغيرهم ((لا إكراه في الدين)).

ـ النظام السياسي يقوم على الشورى بين الناس ((وأمرهم شورى بينهم)) وهي ملزمة للحاكـم ((وشاورهم في الأمر..)) والسيادة للمجتمع الذي يختار الحاكم بالبيعـة وهي طريقـة الانتخابات والتعبير عن رضا الناس في ذلك الوقت..

هذه الأسس المعروفة للثقافة العربية الإسلامية والتي لا تتنافى مع التغيير والإضافة بحسب التطور المعرفي والتاريخي لا يمكن وصفها بأنها تنظر إلى الآخر على أنه ((نجس)) وأنها من أصول بدوية، في حين إن تلك الثقافة حاربت البداوة، وشجعت على التحضر، فوصفت البدو بالأعراب، واعتبرتهم ((أشد كفراً ونفاقاً)) تلك الثقافة المدنية، الحضرية، هي التي أسست للحضارة العربية الإسلامية على مدى ثمانية قرون، وللفن المعماري، والموسيقى، وعلوم الرياضيات والهندسة والطب، والكيمياء، وساهم فيها علماء وفقهاء من شعوب المنطقة على تنوع قومياتها ولغاتها.

وقد عززت تلك الثقافة قيمة التفكير والعقل والمنطق، وحاربت الخرافات والأساطير، والأوهام الغيبية التي لا تستند إلى مناقشة عقلية، وقناعة يقينية، وبالتالي فقد ضيقت نطاق المقدس والمقدسات، بحيث تقتصر على احترام الرسالات السماوية، والرسل وبعض الأماكن المقدسة، ويدخل ذلك في نطاق احترام حرية العقيدة، ولا يقتصر ذلك على أتباع الديانات السماوية من مسلمين ومسيحيين وغيرهم، بل ثمة أمور مقدسة في نظر كل الناس كالوطن والعلم، وقديما قام العرب برجم قبر ((أبي رغال)) لأنه كان دليلاً لجيش أبرهة ((الذي قدم إلى مكة لهدم الكعبة قبل الإسلام فقال الشاعر ((كرجم الناس قبر أبي رغال)).

ويمكن القول أن ثمة قيماً إنسانية تأخذ شكل الثوابت، لا يمكن اختراقها بحجة انتهاء عصر المقدسات، غير أنها تبقى في أضيق الحدود ومتعارف عليها بين جميع شعوب العالم، كما يمكن القول أن الثقافة العربية الإسلامية غيرت العرب من مجتمع قبلي عشائري تسوده العصبية، والاقتتال والتناحر إلى مجتمع موحد متحضر يحمل أكبر رسالة من الرسالات السماوية إلى الناس، غير أن ذلك لا يعفينا كأمة من مسؤولية تجديد نهوضنا الفكري والثقافي والعلمي والمعرفي في إطار تجديد المشروع القومي الحضاري، والمساهمة في بناء وإغناء الحضارة الإنسانية الواحدة بدلاً من تمجيد الماضي ((إن الفتى من يقول ها أنذا... وليس الفتى من يقول كان أبي)).

(4)

وحول إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج، أوافق الدكتور النهار على أنها إشكالية هامة وعلى أن القوى المتباينة إيديولوجياً، اقتربت من بعضها وتقاطعت في الكثير من المواقف، وتبددت الشكوك وعوامل عدم الثقة، وفي تقديري أن هذا التطور سببه أن هذه القوى قامت بإجراء مراجعة جدية لأفكارها ومواقفها، وتخلت عن نهج الأحادية الشمولي، ومارست نهج الحوار والتعددية، والاقتناع بحق الاختلاف الذي يشق الطريق ويعبده أمام الخيار الديمقراطي واحترام الآخر والرأي الآخر، ونسبية الفكر الإنساني ونسبية تمثيل المجتمع، هذا التطور الفعلي لدى القوى السياسية الذي بدأت ملامحه في سورية في بداية عام 1968 ومباشرة تشكيل جبهة وطنية كإطار للتعددية السياسية والحزبية في مواجهة التحدي الداخلي، المتمثل في الاستبداد والفساد واحتكار السلطة، وبالنسبة للعامل الخارجي كان الموقف ينحصر في رفض سياسات الإدارة الأمريكية في دعم الاستبداد والحكم الشمولي وفي الانحياز السافر للممارسة العدوانية العنصرية للكيان الصهيوني على شعب فلسطين، على الرغم من تنازلات السلطة الفلسطينية في اتفاقية أوسلو وما تلاها، إلا أن احتلال العراق في عام 2002 بهدف السيطرة على النفط، وحماية إسرائيل من آثار انتفاضة الأقصى المتواصلة، والمترافقة بعمليات مقاومة مسلحة من كافة الفصائل، أوجد حالة جديدة في المنطقة جعلها بين حجري الرحى، التحالف الانكلوساكوني من جهة، وإسرائيل من جهة ثانية والمطلوب الرضوخ لهذا الواقع الجديد، ووقف الانتفاضة والمقاومة في فلسطين، وتجريد المقاومة من سلاحها في لبنان، بعد أن تمكنت من دحر الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، وتصفية الجيب العميل في أيار عام 2000 والمطلوب أيضا تقسيم العراق الواحد إلى كانتونات عرقية وطائفية في الشمال والوسط والجنوب، تحت شعار الفيدرالية كنموذج أولي لنظام الشرق الأوسط الكبير، والعمل لتعميمه في لبنان وسورية والسعودية، ومصر والسودان وغيرها، هذا المشروع الذي شكلت المقاومة الوطنية في العراق المسلحة والسلمية أول تحد له أضعف اندفاعته، وطرح التساؤلات الجدية حول مستقبله، هذا الواقع الجديد يستدعي توحيد الرؤى والتصورات حول الموقف من الخارج في ضوء عاملين جديدين: الأول احتلال قطر عربي أساسي وتأثير هذا الاحتلال على سورية بخاصة، والمنطقة العربية والجوار الإقليمي بشكل عام في ضوء الأهداف المعلنة للاحتلال، والثاني تبرير الاحتلال بإنهاء نظام استبدادي في العراق ونشر الديمقراطية في المنطقة، بعد أن فشلت التبريرات السابقة للحرب..

ينطلق الدكتور نهار في محاولة تأسيس موقف موحد للمعارضة حول إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج وسبب تباين المواقف بين التيارات والأحزاب والقوى المنتمية إليها من بعد تاريخي ونظرة ثقافية للآخر، تنسحب على عصر النهضة وتمتد حتى تصل إلى المرحلة الراهنة وتباين الرؤى بحسب تعدد التيارات الفكرية والسياسية وطرق التعامل مع الآخر، ويبرز ثلاثة مواقف أو مسارات رئيسية، الأول إسلامي أصولي يدعو إلى التمحور على الذات ورفض الآخر كليا، والثاني ليبرالي يدعو للتماهي مع الآخر، والثالث قومي توفيقي هجين وفي محور آخر من البحث يتطرق إلى موقف التيار الماركسي، الذي ينظر للآخر، أمريكا والغرب على أنه ((استعماري))، أي أن حصيلة مواقف هذه التيارات والقوى السياسية التي تنتمي إليها تنطلق من مواقف وأحكام مسبقة ترفض الآخر وبخاصة أمريكا وسياساتها، حتى لو طرأ عليها تغيير أو تطور نسبي بسب أحداث أيلول، والتهديد الذي يشكله ((الإرهاب)) على الشعب الأمريكي وشعوب الغرب.

ويخلص من ذلك إلى أن تأثير الخارج في الداخل يتوقف على أمرين هما، مدى تماسك الداخل وقوته ومنعته ومدى انسجام الداخل مع منطق العالم وثقافته المعممة أو المقبولة عالمياً، ويضرب مثلا على ذلك بقوة اللوبي اليهودي وفاعليته بحكم انتمائه للثقافة الأمريكية ذاتها، أي الثقافة العالمية (حسب وجهة نظره) في حين أنه لا يوجد تأثير للجالية العربية الكبيرة في الولايات المتحدة.

إن مناقشة هذه الأفكار تكشف أوجه القصور فيها من النواحي التالية:

1 ـ إن توقف عصر النهضة الأول في أوائل القرن العشرين بعد أن تمكن من التخلص من العهد العثماني بالثورة العربية الكبرى، مرده إلى تعارضه مع المشروع الغربي الاستعماري، وتحالفه مع المشروع الصهيوني الاستيطاني، وعلى هذا الأساس كانت اتفاقية ((سايكس ـ بيكو)) لتقسيم المشرق عام 1916 م ووعد بلفور عام 1917 بتحقيق وطن قومي لليهود في فلسطين، وقبل ذلك تم تطويق محاولة محمد علي لتوحيد المنطقة ومحاصرتها، كما أن محاولة ثورة تموز يوليو بقيادة جمال عبد الناصر لتحرير المنطقة وتوحيدها وتجديد المشروع النهضوي قد حوصرت وضربت من قبل التحالف الاستعماري الصهيوني، ولم يكن الموقف القومي لثورة عبد الناصر معاديا للغرب أو لأمريكا، أو يرفض التعامل معه سواء بالنسبة لشراء السلاح أو التصنيع أو بالنسبة لتمويل السد العالي، ومحاولته بناء علاقة إيجابية مع الرئيس جون كنيدي عبر تبادل الرسائل معروفة ومشهورة، توقفت إثر اغتياله وبالرغم من ذلك فقد تم سحب تمويل السد العالي وتعرضت مصر لعدوان 1956 وتعرضت الجمهورية العربية المتحدة لمؤامرة الانفصال ولعدوان حزيران، كما أن التيار السياسي الإسلامي تعامل مع الغرب والولايات المتحدة، في مواجهة التيار القومي وفي مواجهة الشيوعية...

2 ـ أما الحديث عن نشر الديمقراطية في المنطقة، والعمل على تغيير نظم الاستبداد، فهو أمر إيجابي لو اقترن بمصداقية عملية لتحقيقه، ومن الضروري التفريق بين الموقف الأمريكي البريطاني من هذا الأمر وبين موقف دول الاتحاد الأوروبي التي يعنيها الأمر وتنظر إليه بجدية أكبر، في حين أن الديمقراطية الحقيقية تتعارض مع المصالح الأمريكية ومشروعها للمنطقة، للأسباب عديدة منها ((أن تكون سياسات النظم العربية.. غير متعارضة مع النفوذ الأمريكي وسياساته وأن تشاركها في حربها ضد ((الإرهاب)) دون نقاش وأن تمتنع عن إظهار تطلعات استقلالية، وأن تقبل بأشكال متنوعة من الوجود الأمريكي والقواعد العسكرية، وان تبقى إسرائيل أقوى من الدول العربية مجتمعة، وتحصل على معاملات تفضيلية في تقرير شكل السلام المحتمل بينها وبين العرب، وأن تبقى السياسات النفطية ملائمة لأمريكا، بما في ذلك الأرصدة المالية)).. (كما جاء في مقالة للدكتور ياسين حاج صالح في 5/ 8/ 2005) والنموذج العراقي أبلغ دلالة على النظرة الأمريكية للديمقراطية، فهي ليست كاشفة للواقع ومكوناته كما جاء في الدراسة، وإنما تحاول تضخيم الواقع والإصرار على تكريسه بشتى الوسائل، والضغط حتى على أعوانها لعدم تأجيل الانتخابات، أو تأجيل إقرار مشروع الدستور للوصول عبر المصالحة الوطنية والحوار إلى توافقات بين مكونات الشعب العراقي حول الانتخابات والدستور لتأسيس عراق ديمقراطي موحد قائم على التعددية والنظام اللامركزي، وتعمل على تقسيم العرب إلى شيعة وسنة، وقيام فيدرالية في الوسط والجنوب على هذا الأساس على الرغم من قبولهم بالفيدرالية في الشمال، ويأتي قطع الطريق على أي حوار أو مصالحة، واستعجال القضايا المصيرية المتعلقة بمصير العراق، تأكيد على التقسيم..

(5)

 ثمة قضايا كثيرة مثارة في البحث تتطلب مزيدا من المناقشة، غير أني أكتفي بهذه الملاحظات السريعة وأنتقل إلى مناقشة خاتمة البحث المتعلقة بالخروج من النفق المسدود (فقرة 6) وأشير إلى الملاحظات التالية:

إن القول ـ بأن النظم الحاكمة لا تريد التغيير، أو تكتفي بمحاولات تغييرات وتحسينات جزئية وبطيئة لا تؤدي إلى زعزعة استقرار النظم ـ قول يتفق مع الواقع تماماً إلا أنني أختلف مع الشق الآخر المتعلق بالمعارضة في سورية، فهي على الرغم من ظروفها الصعبة والمعقدة على امتداد أكثر من أربعة عقود والمحاولات المتواصلة من قمع وملاحقة وتشريد وتعتيم إعلامي، بهدف تهميشها وإلغائها فهي صامدة ومجمعة على برنامج للإصلاح الشامل والتغيير الديمقراطي ولا يمكن وصفها بالعاجزة والمشتتة، وكذلك فإن تيار المعارضة في مصر أخذ يتصاعد ويتسع منذ أشهر ويملأ الشوارع في كل المحافظات طارحاً شعار التغيير ((كفاية)) الذي استطاع تحريك القوى السياسية والاجتماعية والنقابية، بما في ذلك القضاة والاقتصاديين واستطاع أن يحاصر الحزب الوطني الحاكم ومرشحه الرئيس حسني مبارك ويقود حركة واسعة لمقاطعة الانتخابات بلغت 77% باعتراف لجنة الانتخابات مع أنها في الواقع تزيد عن 80% ولهذا لا يمكن القول بالنسبة لهذه المعارضة وللمعارضة السورية أن الحصيلة صفر كما جاء في البحث.

وهذا لا يعفي قوى المعارضة السورية من العمل المتواصل ((لتوحيد الحقل السياسي والمجتمعي)) ومباشرة الحوارات المعمقة ((حول الفكر العربي، والثقافة العربية)) وتقديم السياسي والاستراتيجي المشترك على الإيديولوجي للوصول إلى رؤى مشتركة إزاء الخارج وسياساته، وأرى من حيث النتيجة أن الأفكار والحلول التي قدمها الكاتب للخروج من النفق المسدود تعتبر مقبولة ومنطقية سواء من حيث الاتفاق على برنامج سياسي للتغيير الديمقراطي تساهم فيه أوسع القوى، أومن حيث الخطوات العملية التدريجية، ومتابعة تنفيذها، أومن حيث اعتبار قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان قضية أساسية مركزية في العمل الوطني لا يمكن تأجيلها، أومن حيث قبول الحوار مع المنظمات والجمعيات والهيئات والقوى الدولية تدعم المشروع الوطني للتغيير الديمقراطي، مع التأكيد على رفض العدوان والاحتلال، والضغوط الاقتصادية بحجة نشر الديمقراطية، وإذا كانت القوى الوطنية تجمع على رفض ظاهرة الإرهاب التي يمارسها متعصبون ضد المدنيين الأبرياء، فإن من المطلوب الحديث عن السباب الموضوعية لهذه الظاهرة من ناحية والحديث عن إرهاب الدولة الذي يمارس ضد شعوبنا، من ناحية أخرى، ولا بد من التفريق بين الإرهاب والمقاومة المشروعة لقوى الاحتلال من جهة ثالثة، والتي لم يرد ذكرها في البحث، على أهميتها في الظروف الحالية خصوصا في العراق وفلسطين ولبنان وهي تشكل الأوراق القوة الباقية بيد القوى الشعبية في الأقطار التي تعرضت وتتعرض للاحتلال، في غياب النظام العربي وعجزه المطلق، وفي غياب الأمن القومي العربي، وهذه المقاومة لقوى الاحتلال لا تتعارض مع الحوار والتفاوض والوصول إلى حلول سلمية تتناسب مع موازين القوى المتوفرة أثناء المفاوضات فالحق الذي لا تقف إلى جانبه قوة تسنده هو حق ضائع ومهدور.

(6)

 إن الحديث عن الانخراط في الثقافة العالمية والتي يعتبرها الكاتب أنها ((الثقافة الأمريكية)) إنما هو تبسيط مخل لمفهوم الثقافة، وتمايز ثقافة أي شعب أو أمة عن ثقافة الأمم الأخرى.

 ولقد أدرك الأوربيون هذه الناحية وبخاصة الفرنسيين الذين يحذرون من سيطرة الثقافة الأمريكية على الثقافة الفرنسية في ظل نظام الأمركة، والمثل الذي يسوقه الكاتب حول اللوبي اليهودي وفاعليته في أمريكا لانخراطه في الثقافة الأمريكية وعدم فاعلية الجالية العربية ليس سببه الحفاظ على الثقافة الخاصة فلذلك أسباب أخرى عديدة منها حداثة الجالية العربية ومنها ارتباطها بالنظم العربية، من جهة وأن الجالية اليهودية قديمة العهد والخبرة وسيطرتها على أجهزة الإعلام والتمويل، كما أن الاختلاف بين ثقافات الأمم سيبقى إلى أمد غير منظور، وتعدد الثقافات مفيد، ويثري العمل الإنساني، والثقافة العربية أقدم وأكثر رسوخا من الثقافة الأمريكية، أما الحضارة الإنسانية فهي واحدة تساهم فيها كل أمة في مرحلة نهوضها وازدهارها.

 غير أن المطلوب أن تعمل أي جالية عربية أو إسلامية في أي بلد أوروبي أو أمريكي، للاندماج مع مجتمعها فالثقافة العربية والإسلامية في أصولها الحقيقية تتسم بالمرونة والواقعية والبعد عن التعصب والعنصرية والقابلية للتفاعل والاندماج في المجتمعات الأخرى..