العرب والتبعية الثقافية  في منظور

 النقد الثقافي الحديث

 د. عطارد حيدر[1]

تنتمي باربارة هارلو لمجموعة من الكتاب الذين تتوضع كتاباتهم على ما يسميه آرام فيسر الأرض غير المستقرة بين الأدب والثقافة. عاشت هارلو التي تدرس الأدب والنظرية الأدبية في جامعة تكساس لفترات طويلة في مصر وتنقلت في عدة بلدان عربية أخرى. أكسبها احتكاكها المباشر بالعالم العربي دراية واسعة بالمجتمع العربي وتنم كتاباتها عن تأثر كبير بإدوارد سعيد.

في رصدها لمجريات الشارع الثقافي العربي، ترى هارلو أن قضية التبعية الاقتصادية ومتلازماتها الأخرى تشكل المحور الرئيسي لكثير من الكتابات النظرية وكذلك لأغلب الجدالات التي تشهدها الندوات الفكرية ودوائر النقاش يوميا على امتداد العالم العربي وترى أن الخلاف القائم حول التبعية الثقافية والتي يتم النظر إليها باعتبارها من أهم متلازمات التبعية الاقتصادية يمثل الأرضية الأيديولوجية لهذه الجدالات. ثمة توافق عام ومبدأي حسبما تشير هارلو بين مواقف المفكرين والمثقفين العرب في معارضتهم للأساليب التي تنتهجها القوى الغربية وخاصة فرض التفوق العسكري والممارسات التجارية، وكذلك في ارتيابهم بالنوايا التي تقف خلف محاولات التقرب من العالم العربي والتدخل به. لكن هذا التوافق يشتمل على تركيبة معقدة من المواقف والمواقع النظرية والسياسية المختلفة داخل العالم العربي. في تحديدها لنقاط التغاير التي تميز هذه المواقف تجد الكاتبة أن هناك اختلاف حول الأرضية النظرية التي يتم الانطلاق منها، وفي سبرها لجذور الخلاف القائم تقول:

((إن الجدال النقدي العربي الحالي يضرب جذوره عميقاً في التاريخ العربي وفي الإسلام وكذلك في المواجهة مع الامبريالية الغربية والاستعمار الأوربي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ولهذا فإن الانجذاب نحو الماضي، فيما إذا كان ذلك لإحيائه أو لتحديه، هو أكثر الموضوعات أهمية في الساحة اليوم وكذلك أشدها خطورة. لقد حاولت الفلسفة السياسية القائمة على العروبة والقومية العربية توحيد العالم العربي بعد الاستقلال تحت القيادة الجذابة لجمال عبد الناصر، أول رئيس مصري، لكنها في العقود الأخيرة تمزقت وانشرخت نتيجة لجملة من الضغوط الخارجية والصراعات الداخلية والنزعات)).

في تحليلها للمسار التطوري الذي اتخذته هذه النزعات تؤكد الكاتبة أن القومية المصرية قد بدأت بالصعود بعد سلام السادات المنفرد مع إسرائيل عام 1977 وزيارته إلى القدس وأن نجاح ثورة آية الله الخميني بعد ذلك بسنتين خلق حافزاً لحركات إسلامية من مختلف النماذج والتي شهدت المنطقة صعودها ونموها وذلك إلى درجة أن توسع هذه الحركات الإسلامية بدأ يشكل تهديداً كبيراً لكثير من النظم القائمة ويخلق توتراً مع تيارات القومية العربية التي مازالت فاعلاً رئيسياً في الساحة.

في استقرائها لأطراف الجدال الدائر في الأوساط الثقافية العربية حول مشكلة التبعية العربية الثقافية ترى هارلو أن العالم العربي اليوم محكوم بالتوتر بين الدين والقومية، العروبة والإسلام، لكنها تعتبر أن هذا التوتر بحد ذاته قوة موحدة للعالم العربي وفي تحليلها لآليات هذا التوتر تستعين بمقالة للمفكر المغربي عبد الله الجابري عن ((الطروحات والطروحات المضادة)) والتي ظهرت في صحيفة ((اليوم السابع)) العربية الأسبوعية (22 تموز 1985 باريس). في مقالته هذه كان المفكر المغربي قد قدم قراءة معمقة لهذه الجدالات والصراعات الدائرة في الوسط الثقافي العربي حاول فيها تحديد طبيعة هذا الصراع وطبيعة المواقف التي تستند إليها أطرافه وكذلك خلفياته التاريخية. ويرى الجابري أن من الممكن تصنيف هذه التوترات الثقافية إلى منظومتين: الأولى هي تلك التوترات التي ((تمثل انعكاساً للحركة والتغيرات الحاصلة في المجتمع وهذا النوع من التوترات محكوم بمنطق التطور وإثارة الجدل ويؤدي إلى المواجهة بين الأطراف حيث يسير الصراع باتجاه حسمه)). أما في المنظومة الثانية فإن هذه التوترات تتولد عن قضايا زائفة وغير منطقية ((يعود زيفها إلى حقيقة أن المتكلمين بها لايتكلمون لغة واحدة ولا يفهمون المصطلحات بنفس الطريقة إذ أنهم يتكلمون من مواقع مختلفة تحكمها صراعات وسلطات وقوى ومعارف وإيديولوجيات مختلفة)).

ولكي يتم تحويل هذا التوتر إلى حوار خلاق يرى الجابري أن ((المطلوب ليس ترسيخ مواقف معينة بل إعادة تفحص كل المواقف والمواقع وذلك عبر سبر واستجواب تأويلاتها المعرفية وأصولها التاريخية وهكذا يتم الاستمرار بالحوار)).

 بعد انتهائها من استقراء آليات الصراع الثقافي الدائر بين التيارات الثقافية الموجودة في الساحة العربية تنتقل هارلو بناءً على الاقتراح الذي يطرحه الجابري إلى محاولة سبر واستكشاف الخلفيات التاريخية والمعرفية لبعض المواقف والمواقع التي يتأسس عليها الجدال الدائر حول مسألة التبعية الثقافية وتتجه هذه المرة إلى التنويعات الثقافية الدينية والمذهبية. ترى هارلو أن لهذه التشكيلات الاجتماعية مواقفها الجمعية من القضايا الاجتماعية والثقافية والتاريخية وأن التعريفات التي تطرحها هذه المجموعات لمسائل مثل الهوية والانتماء وقضية الذات والآخر تتفاوت وتتناقض، وفي ذلك تقول ((إن الماضي الذي يتم إعلانه والترحيب به في لبنان مثلا قد يكون فينيقيا وذلك بالنسبة للمسيحيين الذين يفضلون أن يعرفوا بأنفسهم على أنهم أوربيون أكثر من كونهم عربا. أما بالنسبة لطوائف السنة والشيعة فقد يكون هذا الماضي إسلاميا وذلك رغم الخلاف على مركزية علي أو محمد... هذا جزء من صراع لبنان الداخلي. ومرة أخرى يتم تقديم الثقافة الفرعونية القبطية الإسلامية بالاعتماد على الادعاءات التي تعتبرها مكونات الهوية الوطنية المصرية. هذه الجدالات لها امتداداتها فيما وراء الحدود الوطنية وذلك عند توصيف العلاقة الغامضة والمتميزة للعالم العربي الشاسع مع النظم الغربية المهيمنة)).

في استكشافها لأبعاد العلاقات المتميزة ولكن الملتبسة بين العالمين العربي والغربي تستشهد هارلو بقصيدة أحمد فؤاد نجم التي غناها الشيخ إمام ((شرفت يانيكسون بابا يا بتاع الووترغيت)) والتي يسخران فيها من انشغال الحكومة بترتيب استقبال باذخ للضيف الكبير المجلل بفضيحته الكبيرة. وفي استكشافها للطرف الآخر في العلاقة، تقول هارلو إن الغرب يتعامل مع العالم العربي بذات الأسلوب المخادع الذي مارسه جحا في طرفة ((مسمار جحا)) الشائعة في التراث الشعبي العربي من الشام إلى المغرب. تسرد هارلو قصة جحا الذي أبقى مسماره في البيت الذي باعه ثم استولى على البيت من جديد باستخدام المسمار ذريعة للاستيطان في البيت، وذلك لتخلص إلى قولها أنه ((منذ 1968 انتشر الكثير من مسامير جحا في البنى الاقتصادية والثقافية في الشرق الأوسط العربي وفي العالم الثالث بشكل عام. لقد شاعت طرفة مسمار جحا باعتبارها تعبيرا عن حس الظرف الشعبي الذي كان وما يزال يتوخى مقارعة آثار قناة السويس، وقوى الانتشار السريع الأمريكية في عمان والمغرب، والمناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة ومصر، والمارينز في لبنان، والشركات المتعددة الجنسيات عبر الإقليم ودولة إسرائيل التي تأسست فوق أرض فلسطين)).

تعتبر هارلو أن القضية الفلسطينية هي المحور المركزي في العلاقة العربية الملتبسة مع الغرب والتي تشكل مشكلة التبعية الثقافية أحد محاورها. وتستشهد بمقالة للمفكر عبد الله العروي في كتابه عن أزمة المثقف العربي والذي يؤكد فيها ماتشكله قضية فلسطين من حافز للعرب على تكوين وعي تاريخي كما تستشهد بأغنية مارسيل خليفة ((وقفوني ع الحدود)) وتعتبرها مثل كتابة العروي محاولة ثقافية لإنشاء خطاب ثقافي مستقل عن فلسطين. ترى هارلو هذه الممارسات الثقافية جزءا من مشروع المقاومة الثقافية التي يخوضها المثقفون العرب لتخلص إلى القول أن تحدي التبعية العربية يكمن في العمل على إنشاء وتأسيس ((سرد تاريخي)) يقوم به الفاعلون في الوسط الثقافي العربي وهو الأمر الذي يحتاج إلى وقت. أما البداية فتكمن في العمل على فصل الاستهلاك الثقافي عن قطاعي الاقتصاد التابع والعلاقات السياسية مع الغرب وعن هيمنة الفئات والنظم التي تتحكم بهما.

#المصادر والمراجع

Harlow، Barbara. ((The Arab challenge to cultural independency))، in Aram Veeser (ed.)، (Routledge، London 1994).

 Veeser، Aram. ((The New Historicism))، In The New Historicism، Aram Veeser (ed.)، (Routledge، London 1994).