قانون الأحوال الشخصية يعكس أمراضاً اجتماعية مزمنة

أسامة المصري

إن معالجة قانون الأحوال الشخصية لا ينفصل عن مجمل القوانين التي كان من المفترض تعديلها جذرياً منذ عقود من الزمن. لكن تم التركيز خلال العقود الماضية على الشكل دون المضمون ليس بتطوير وتحقيق المساواة للمرأة السورية فقط بل للعديد من القضايا التي مست عمق المجتمع السوري من خلال التركيز على الشكل وتفريغ أي قانون أو مرسوم من محتواه وبالتالي ليصبح شكلاً أو واجهة للدعاية ليس أكثر فقط، والقول أن سوريا دولة حديثة. وقد كشفت التغيرات السطحية القليلة خلال الخمس سنوات الماضية عن مدى الجهل والأمية التي يعاني منها المجتمع السوري وتخلفه على كافة الأصعدة.

أن تعمل المرأة أو تشغل مناصب عليا في الدولة لا يعني أبداً أن وضع المرأة قد تحسن فالتركيز تم خلال حكم البعث بدرجة كبيرة على أشكال من المشاركة للمرأة في الدراسة وفي العمل لكن دون التعرض إلى الجانب القانوني الذي حكم بأبشع أنواع التمييز ضدها على مدى تاريخها مع قوانين الأحوال الشخصية أو ما حكمها من تقاليد وعادات على مر الزمن، وكان من المفترض بقانون الأحوال الشخصية الذي عدل عام 1975 أن يساهم بإعادة الاعتبار للمرأة ككائن إنساني في حقوقها التي شرعت لها المواثيق والعهود الدولية. وخاصة فيما يتعلق بأحكام الزواج والطلاق والإرث وحقوق أخرى ليس أقلها حق السفر.

لكن وكأي نظام سياسي تبني إيديولوجيا توفيقية بنيت على أساس مقولات ومفاهيم عقائدية من عدة إيديولوجيات مختلفة وربما متناقضة في رؤيتها أو أساسها الفلسفي. سيكون بالضرورة عاجزاً عن اتخاذ إجراءات تحديثية على الصعيد القانوني لوضع المرأة وذلك لسببين أولاً: لعدم الإمكانية من الناحية البنيوية فكرياً وإيديولوجياً وثانياً: حتى لو وجدت هذه الإمكانية فهو لم يكن على جدول أعماله بناء الدولة الحديثة بل بناء نظاماً سياسياً ينفذ من خلاله أوهاماً أو أحلاماً لعقيدة سياسية.

لقد كانت فترة ما بعد الاستقلال وحتى نهاية الستينات مناسبة لتحديث القوانين كافة وسن أخرى وجعلها أكثر عصرية بما يتناسب مع المد الوطني والقومي والحركة الفكرية والسياسية الناشطة وحماس قل نظيرة من قبل الجيل الشاب آنذاك إضافة لأهمية وموقع سوريا في مواجهة الكيان الصهيوني الناشئ حديثاً، والذي استطاع زعماؤه أن يثبتوا قدرة كبيرة على بناء الدولة الحديثة بعلمانية مقننة، ليس بسبب الأيديولوجية الدينية اليهودية المتزمتة بل بسبب الظرف الذي نشأ فيه هذا الكيان ومحاولة حمايته ضمن محيط عربي وإسلامي واسع، ليستمر ليس بامتلاك القوة العسكرية والدعم الغربي فقط بل من خلال تقديم نموذج الدولة العلمانية الحديثة ضمن محيط من الدول ذات الأنظمة الملكية أو العشائرية أو الأنظمة السياسية الشمولية، ومنحت الجنسية الإسرائيلية للعرب المسلمين والمسيحيين على الرغم من التعامل معهم كمواطنين من الدرجة الثانية في بعض الأمور القانونية.

لقد أوجد الفرنسيون في سوريا كل مؤسسات الدولة الحديثة وعشية الاستقلال كانت سوريا على مفترق طرق وذلك يتعلق بطبيعة النخب السياسية التي ستحكم سوريا مستقبلاً. لكن مع تسلم البعث السلطة وخاصة بعد تسلم الرئيس الراحل حافظ الأسد السلطة دأب على بناء سلطة قوية وليس دولة حديثة وقوية، واستمر العمل بحالة الطوارئ وبالأحكام الاستثنائية وغيبت مؤسسات الدولة عن ساحة الفعل ليحكم بشكل متفرد على مدى ثلاثين عاماً، بحجة التحرير وراء شعارات تساقطت واحد تلو الآخر لنصل إلى خيار مدريد الذي ربما أيضاً لن يتحقق.

 لم يكن هم حكام سوريا على مدى نصف قرن أو يزيد تحديثها أو إقامة دولة عصرية بدستور وقوانين عصرية، بل إن ما شغل بالهم هو الشعارات التي بنيت على أحلام طوباوية في بعث الأمة وتوحيدها، دون العمل على ذلك بطرق منهجية بل من خلال القفز على الواقع وتجاهل كل ما هو موضوعي بل محاولة قولبة الواقع ليلبي رغبات أو أحلام الحكام، وتجاهلوا الشعب السوري الذي كان يضج بالحياة وملؤه الرغبة بالسير نحو مستقبل أفضل حتى أصبح شعب يعيش في فقر وجهل وبطالة وتخلف يلهث وراء لقمة العيش في دروب ضيقة ملأتها الحواجز الأمنية، وأصبح المواطن السوري يفرح عندما يتجاوز حاجزاً أمنياً دون أن يعتقل ويغمره الفرح إذا حصل على علبة محارم ورقية في فترة أخرى. فكيف سيفكر بإصلاح دستوره أو قوانينه أو بظلم يقع على كاهل المرأة، والإنسان السوري رجالاً ونساءً يعانون من غياب الحقوق الأساسية لهم كمواطنين أيضاً حفظتها لهم المواثيق والعهود الدولية.وقبل أن يفكر حتى المختصون أو المفكرون بتحديث القوانين يفكرون بقضاء نزيه ومستقل لتطبق تلك القوانين أو غيرها.

إن الدول المتحضرة تعدل دساتيرها وقوانينها مواكبة بذلك التطورات العلمية والتكنولوجية وما يصحب ذلك من تطورات على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وبالتالي السياسي لأن الدساتير والقوانين أوجدها الإنسان لخدمته ولتنظم حياة البشر وليس لتكون عائقاً أو تسبب في إهانة الكرامة الإنسانية، وبحجة المحافظة على الاستقرار كما يتبجح بعض القادة العرب تبقى دساتيرنا وقوانيننا أبدية خالدة صحيحة مطلقة كما حكامنا معصومون وأنبياء، ولهذا فإن ما نعانيه من تخلف والسير بعكس اتجاه الحضارة منذ عقود ما هو إلا نتاج هذه العقلية التي تغنت بماض لن يعود أو أصرت على أننا خير أمة أخرجت للناس أو دعوات للعودة إلى أزمان مضت فالحل هناك عند خلفاء المسلمين الأوائل عمر وأبو بكر.

إن أي قانون للأحوال الشخصية مرتبط بالأصول الدينية التي اعتمد على نصوصها وبالتالي فإن المشرع لقانون الأحوال الشخصية مستند إلى دين بذاته لن يخرج بما يسن من قوانين عن المصدر والأصل أو المرجع الديني وبالتالي لا يمكن الفصل بين هذه القوانين وإمكانية تطوريها دون دراسات تطال الأصل أي المصدر وقراءته بطريقة تتناسب مع متطلبات العصر وما وصل إليه من تطورات ربما تكون بنظر العديد من رجال الدين خروج عن مقاصد الشريعة أو أصول الدين وبالتالي يمكن أن يتهم أصحاب تلك الدعوات بالكفر أو الخروج عن أهل الجماعة كما حدث ذلك كثيراً في التاريخ وخاصة في عصور الانحطاط أيام الدولة العثمانية حيث غلب النقل على التفكر والعقل.

لقد أغلق الإمام الغزالي باب الاجتهاد وكان كتابه تهافت الفلاسفة بحق نكسة كبرى في تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية، بل يمكن اعتباره مسؤولاً عن الحالة التي وصلها الفكر الفلسفي الإسلامي بل الفكر الديني من انغلاق على ذاته وإعادة إنتاج نفسه لكن ضمن دائرة أغلقت بإحكام على عقل الإنسان المسلم العربي وغير العربي. إن فلسفة النقل عن السلف ورفعه إلى مرتبة القداسة ما هي إلا نتيجة ما قدمه الغزالي. وكذلك التوجه للاهتمام بتفاصيل الطقوس الدينية أو الحياتية للناس ما هي إلا نتاج إغلاق باب الاجتهاد من قبل الإمام الغزالي.

لكن مع تحرر الأمم من الدولة العثمانية أو أثناء ضعفها واستقلال مصر النسبي عنها ربما كان السبب في ظهور رجال دين حاولوا الاجتهاد من جديد وخاصة في مجال المرأة وعملها وتحريرها فمع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين ظهر عدد من المفكرين الذين تجاوزوا الخطوط الحمر التي وضعها تلامذة الغزالي، لكن ذلك لم يكن ليرقى إلى إعادة تأسيس مرحلة يتجاوز فيها العقل النقلي إلى طور العقل الانتقادي وإعادة تأسيس للفكر الديني من جديد دون الخوف من الحدود التي رسمها رجال دين عصور الانحطاط وتلامذة الإمام الغزالي، فقد فكر أئمة وفلاسفة ومفكرون مسلمون بكل شيء، قبل الغزالي وبعده من المعتزلة والحسن البصري إلى الكندي إلى ابن رشد الذي أعاد الاعتبار للعقل لكن رجع صداه كان بعيداً لأسباب لسنا بصددها الآن، وصولاً إلى محمد عبده وقاسم أمين ورفاعة الطهطهاوي وعبدالرحمن الكواكبي، وتنويريون آخرون كطه حسين وغيرهم.

لقد حاول هؤلاء إعادة النظر بهذا التراث وتنقيته مما شابه أثناء عصور الانحطاط وحاولوا البدء بتأسيس فكر وتفكير ديني جديد إن لم نقل إصلاح ديني يؤسس لمرحلة جديدة من التاريخ الحديث، لكن انتهت هذه الفترة وأعتقد إلى غير رجعة مع منتصف القرن العشرين وتراجع العقل الانتقادي لنصل إلى نهايات القرن العشرين مع ردة أصولية تجتاح العالمين الإسلامي والمسيحي ومن الصعب التكهن إلى أين سنصل.

ضمن هذا السياق وهذا الواقع حيث أسهبت بعض الشيء لأن أي تصحيح أو تعديل أو تغيير لقانون يمس الأساس في حياة الناس أو الأسرة أو العلاقات الاجتماعية وقوانينها لا بد أن يكون مواكباً للتطورات على كافة الصعد وبالتالي مرحلة انفتاح فكري على الآخر وفلسفته وآليات تفكيره كما حدث مع نهايات القرن التاسع عشر وليس ضمن حالة من الجذر والانكفاء وعودة ليس إلى الأصول الدينية وإنما عودة إلى أصولية لا نعرف مصادرها والتي ينظر لها اليوم من قبل علماء دين يقودون الشوارع الإسلامية من خلال المساجد أقرب لأن يكونوا جهلة (لقد سمعت عدة خطب يوم الجمعة لرجال دين من هذا الطراز فهم يكررون الكلام نفسه منذ عقود أو قرون فعلى سبيل المثال أحد الخطباء منذ فترة قصيرة يمجد ويشرح مسألة الزواج من أربع نساء وربما لولا ظروف الحياة المعيشية الصعبة لكان اعتبره واجب على كل مسلم).

من الصعب الحديث أو تناول كل قانون الأحوال الشخصية وسـأكتفي بإلقاء نظرة على أجزاء منه وخاصة الأجزاء التي تتعلق بأحكام الزواج وليست بحسب ترتيبها كما وردت في نص القانون.

انطلاقا من رؤية المرأة في الإسلام على أنها تابعة للرجل له ولاية عليها سواء كانت زوجة أو ابنة أو حتى أماً في بعض الحالات مما جعل المشرعون يغرقوا في تكريس هذه الولاية، والركض خلف التفاصيل وخاصة ما يتعلق بالزواج وتدخل القاضي الشرعي في ذلك.

لقد تحدث الكثير من رجال الدين الإسلامي عن مساواة المرأة بالرجل في الإسلام إلا أن الواقع وما ألقاه من عبئ على كاهل المرأة في التشريعات الإسلامية قد حرمها مما قيل عن مساواتها بالرجل ويكفي النظر إلى:

المادة 21 من قانون الأحوال الشخصية تقول: ((الولي في الزواج هو العصبة بنفسه على ترتيب الإرث بشرط أن يكون محرماً)) وهذه المادة بحق تنتهك حق المرأة بشكل كامل إذ يترتب عليها في حال أرادت الزواج بعد وفاة زوجها أو طلاقها منه ولها ولد بالغ راشد فوليها هو أبنها ومن بعده حفيدها وإذا لم يوجدا أو كانت بكراً فأولياؤها بالترتيب الأب فالجد الصحيح...

فلو كان للمرأة حقاً كامل الحقوق الشرعية والقانونية التي تحترم إنسانيتها ودورها في المجتمع الإنساني لما كانت هذه المادة في قانون الأحوال الشخصية إضافة إلى المادتين التاليتين 22 / 1 / و/ 2 / والمواد 23 ـ 24 ـ 25 من نفس القانون*.[1][1]

فهل يجب أن يكون لامرأة ناضجة وواعية وعاقلة وربما تكون جدة وعمرها ربما أكثر من خمسين عاماً أن تطلب موافقة وليها حتى لو كان حفيدها على زواجها ألا يجعل هذا السؤال مشروعاً عن شخصية المرأة وأين احترمها المشرع وأن الحديث عن الحرية التي تتمتع بها المرأة ليس إلا محض خداع لا أكثر. قد يقول قائل أن ذلك لا يطبق فعلياً. لكن إذا كان لا يطبق فعلياً أليس من الضروري إلغاء هذه المادة ومثيلاتها من قانون الأحوال الشخصية؟

المادة 17: ((للقاضي أن لا يأذن للمتزوج أن يتزوج على امرأته إلا إذا كان لديه مسوغ شرعي وكان الزوج قادراً على نفقتها)).

لكن على الرغم من التحفظ في موضوع تعدد الزوجات الذي أساسه الشرعي في القرآن الآية الثالثة من سورة النساء (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنىً وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم وذلك أدنى ألا تعدلوا).

من الملاحظ أن الآية تعالج قضية اليتامى في نظام اجتماعي محدد لم يحتوي على مؤسسات مجتمعية أو مدنية لكن بعد أن تطورت المجتمعات يمكن الابتعاد عن ذلك، ومسألة ترك السماح للقاضي بأن ينظر بالمسوغ الشرعي بالزواج الثاني ((الذي يجب أن يحدد مثلاً بسبب عدم لإنجاب أو يحصر بعد الطلاق)) غير مجدية في ظل نظام اجتماعي يجد منفذاً من خلال الزواج العرفي وبهذه الحالة لا يستطيع القاضي إلا تثبيت الزواج خاصة بعد الحمل أو الإنجاب وما العقوبة التي نص عليها قانون الأحوال الشخصية التي تلزم المخالف دفع 250 ل.س إلا محض نكته فمن لا يستطيع دفع هذه الغرامة ليس اليوم بل حين عدل القانون أي قبل نحو ثلاثين سنة.

كان الأجدى من المشرع أن ينظر نظرة أكثر عمقاً لهذه المسألة ومعالجتها على أساس إنساني أكثر شمولية تعيد للمرأة كرامتها الإنسانية التي تهدر لقاء 250 ل.س علماً انه كان هناك اقتراح بتشديد العقوبة لتصل إلى حد السجن لكن رفض هذا لاقتراح.

المادة 16: ((تكمل أهلية الزواج في الفتى بتمام الثامنة عشرة وفي الفتاة بتمام السابعة عشرة من العمر.)) لكن تخرق هذه المادة في المادة 18 ـ 1 التي تقول إذا ادعى المراهق البلوغ بعد إكماله الخامسة عشرة أو المراهقة بعد إكمالها الثالثة عشرة وطلبا الزواج يأذن به القاضي إذا تبين صدق دعواهما واحتمال جسميهما. إذ تعيد هذه المادة مسألة سن الزواج إلى الفوضى في ظل نظام قضائي فاسد إضافة لأن موضوع الزواج العرفي يبقى السيف المسلط على رأس النظام القضائي لو كان نزيهاً. وقد يقول قائل وما الضرر فيما لو تزوج المراهقون أليس من الأفضل أن تكون العلاقات شرعية على أن تكون غير شرعية لكن المسألة لا ينظر لها فقط من هذه الناحية فالزواج مسؤولية فإذا كان المراهق دون الثامنة عشرة ليس مسؤولاً عن نفسه فكيف يكون مسؤولاً عن مؤسسة زوجية وعائلة وأطفال... إلخ وهذا أيضاً كثيراً ما يسبب بحالات الطلاق في الكثيرة لمثل هذه الزيجات وبالتالي مآسي جديدة لأطفال ونساء.

المادة 19: تقول ((إذا كان الخاطبان غير متناسبين سناً ولم يكن مصلحة في هذا الزواج فللقاضي أن لا يأذن به)) وأيضاً يفرغ الزواج العرفي هذه المادة من مضمونها.

المادة 20: ((الكبيرة التي أتمت السابعة عشرة إذا أرادت الزواج يطلب القاضي من وليها بيان رأيه خلال مدة يحددها له فإذا لم يعترض أو كان اعتراضه غير جدير بالاعتبار يأذن القاضي بزواجها بشرط الكفاءة )).

من الملاحظ هنا أن دور القاضي هو إنصاف الفتاة لكن المسألة لو نظرنا لها من زاوية أخرى نجد أن هناك نظرة دونية للفتاة وللمرأة بشكل عام لأنه من المفترض بالقاضي فقط أن يزوج أي اثنين تقدما بطلب الزواج دون أن يكون له دور بشرط الكفاءة طالما كان هناك قبول من الطرفين الذين قد يكونا في علاقة حب إنسانية شفافة ويرى القاضي مثلاً أن لا كفاءة في الشاب؟

المادة 26: ((يشترط في لزوم الزواج أن يكون الرجل كفؤاً للمرأة))

جاء في كتاب الأحوال الشخصية لقدري باشا المادة 62 أنه ـ سأنقل جزء من هذه الفقرة على طوله نظراً لأهميته ـ (تعتبر الكفاءة من جانب الزوج لا من جانب المرأة، فيجوز أن تكون أدنى منه في شروط الكفاءة وهي النسب إن كانا عربيين، والأصل والإسلام والمال والصلاح والحرفة سواء كانا عربيين أم غير عربيين. ويعتبر الإسلام بالنظر إلى الزوج وأبيه وجده لا غير، ولذلك فمسلم بنفسه ليس كفؤاً أي اعتنق الإسلام هو لا أبوه ليس كفؤاً لمسلمة أبوها مسلم، ومن له أب واحد مسلم ليس كفؤاً لمن لها أبوان مسلمان ولكن من له أبوان في الإسلام كفء لمن لها آباء مسلمون عديدون...)*

ويقول الأستاذ المرحوم نجاة قصاب حسن: (وما أوردناه أعلاه هو من قبيل الاستئناس ويصح فيه القياس ولكن تبقى الكلمة للقاضي وهو ينظر بعقل الزمان المتطور.

رحم الله الأستاذ لو يعرف عن أي قاضي يتحدث وكيف ينظر بعقل الزمان المتطور؟ والجميع يعرف إلى أي مستوى وصل العقل في هذا الزمان حين يجلس مهندسون ومحامون وقضاة يصغون السمع لرجل دين لا يفقه من الدين شيئاً ويؤمرهم فيأتمرون.

المادة 27: ((إذا زوجت الكبيرة نفسها من غير موافقة الولي فإن كان الزوج كفؤاً لزم العقد وإلا فـللولي طلب فسخ النكاح)) إنها مادة لا تحتاج إلى تعليق فحتى لو استطاعت المرأة تزويج نفسها بطرق ملتوية مثلاً كالزواج العرفي يستطيع ولي أمرها فسخ هذا الزواج وقد تكون الدوافع كيدية خاصة في ظروف التخلف والجهل وسيادة العادات والتقاليد العشائرية من جديد بعد أن تراجعت نسبياً في بعض المدن والبلدات. لكن قد يقول قائل أن القاضي سيكون إلى جانب المرأة، وأن مجتمعاتنا بخير! لكن الواقع غير هذا تماماً وقد شهدنا حالة أسوأ من هذا المثال حين فسخت محكمة مصرية زواج المفكر المعروف نصر حامد أبو زيد من زوجته بدعوى الحسبة أقامها ربما أحد المغرضين وبهذه الحالة ليس وليّها من فسخ النكاح وإنما مدعي اتهم أبو زيد بالكفر وطلقت المحكمة زوجته منه.

المادة 36: 1ـ ((لا يجوز أن يتزوج الرجل امرأة طلقها ثلاث مرات إلا بعد انقضاء عدتها من زوج آخر دخل بها فعلاً.))

2 ـ ((زواج المرأة من آخر يهدم طلقات الزوج السابق ولو كانت دون الثلاث، فإذا عادت إليه يملك عليها ثلاثاً جديدة.))

المادة في شقها الأول تعالج مسألة رجل طلق زوجته ثلاث مرات وهنا سننظر إلى المسألة من وجهتي نظر، الأولى: كما يفعل البعض حين يطلق رجل زوجته نتيجة قسمه بالطلاق وهذه كثيراً ما تحدث في المجتمعات الإسلامية المتخلفة حيث يذهب الرجل إلى أحد رجال الدين ليفتي له بعودتها أو أنه يعقد القران مرة أخرى وهذا ما ألقى الضوء عليه الممثل الكوميدي عادل إمام في مسرحيته (الواد سيد الشغال). أما أن يطلق رجل زوجته ثلاث مرات وهو يقصد ما يفعل ويريد العودة إلى هذه الزوجة وبالطبع سنفترض رضى الزوجة. إن هذه المادة تفصح عن استخفاف في المؤسسة الزوجية ومؤسسة الأسرة التي تفسح المجال أما كل هذا العدد من الطلاقات هذا من جهة أما المسألة الأهم فهي زواج المرأة من رجل آخر حتى يمكن أن تعود لزوجها مرة رابعة فهذه بحد ذاتها مسألة فيها استخفاف وإهانة للمرأة وكأنها هي المسؤولة عن كل هذه الطلاقات ويجب عليها دفع الثمن لحماقة رجل أو نزواته، أما الشق الثاني من هذه المادة فبموجبها يحق للرجل أن يطلق زوجته ست مرات وبينها مرة سابعة لرجل آخر فأي حياة لهذه المرأة التي تمتهن كرامتها بهذه الطريقة أليس من المعيب بحق المرأة وحق المؤسسة الزوجية وجود مثل هذه المادة في قانون للأحوال الشخصية في القرن الواحد والعشرين.؟ ألا يجب إعادة النظر بها وإصلاح هذا التراث القانوني الذي كان نتيجة سيادة عقل منغلق وفقهاء يعيشون ويفتون بما يطلبه الحكام الفاسدون الذي قتلوا رجال الدين المبدعين ليفسحوا المجال لمثل هؤلاء الفقهاء؟

المادة 50: ((الزواج الباطل لا يترتب عليه شيء من آثار الزواج الصحيح ولو حصل فيه دخول)) هل لنا أن نسأل المشرع الذي تجاهل نتائج الدخول أين حق الطفل الذي سيولد وليس له ذنب بهذا الزواج إن كان باطلاً أو صحيحاً. وقد يقال أن يمكن أن يلحق الطفل بأمه، لكن لن تكون المسألة بهذه السهولة إذ سيترتب عليها حياة من نوع خاص لهذا الطفل المنكوب ضمن مجتمع لا يرحم.

أما فصل المهر فيمكن أن نقرأ فيه الكثير لكن اكتفيت بذكر بعض هذه المواد.

المادة 58: ((إذا سمي المهر في العقد الصحيح ووقع الطلاق قبل الدخول والخلوة الصحيحة وجب نصف المهر)). ويضيف الأستاذ المرحوم نجاة قصاب حسن فيقول فالخلوة الصحيحة تقوم مقام الدخول ولو لم يتم فيها شيء فإذا وقعت هذه الخلوة وتمت شروطها فالمهر يجب بكامله إذا وقع الطلاق أو الوفاة. الملاحظة الأولى هي مسألة المهر بحد ذاتها فالرسول (ص) اعتبره هدية يقدمها الزوج كعربون للوفاء وتعبير عن الحب الذي هو أساس العلاقة الزوجية حين قال: ((التمسوا ولو خلتم من حديد)) في حين شرع المشرعون أحكاما كثيرة ليشيؤوا هذه العلاقة المقدسة ويحولوها إلى عقود عمل (كما قال الأستاذ المرحوم نجاة قصاب حسن: وقد قيس هذا التعديل على ما ورد في قانون العمل من إبطال كل تنازل أو صلح على حقوق العامل إذا وقع أثناء عقد العمل.) * عند حديثه عن تعديل المادة57 من نفس القانون! وليضعوا المرأة في المكان الأدنى في العلاقة الزوجية حيث تقبض الثمن ثمن كل شيء في علاقتها مع الرجل كما لاحظنا في هذه المادة وكما سنرى في المادة 66 من نفس القانون. إضافة إلى أن الرجل ملزم بدفع المهر حتى وإن وافاه الأجل بأمر الله تعالى، أفيعقل أن يدفع الإنسان ثمن قضاؤه قدره حيث الموت قضاء وقدر.

المادة 66: ((على الزوجة بعد قبض معجلها أن تسكن مع زوجها)).

 وللزوجة أن تحبس نفسها عن زوجها ما لم يدفع لها المعجل كاملاً وتظل تستحق النفقة ولو كان أوفاها قسماً من المعجل ولم يعطها الباقي. أليس هذا لدليل آخر على أن هذه القوانين ومن اشترعوها ذهبوا بالزواج وعلاقته الإنسانية المبنية على الحب والمودة والوفاء لأجل استمرار البشرية والحياة، وليحولوه إلى سلع وعقود وشروط وجزاءات قانونية كما في قانون الأحوال الشخصية المعدل عام 1975. مخالفين الآية القرآنية ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة))*[1][

المادة 73: ((يسقط حق الزوجة في النفقة إذا عملت خارج البيت دون إذن زوجها)).

وكان النص قبل التعديل كما يلي: ((الزوجة التي تعمل خارج البيت نهاراً وعند الزوج ليلاً إذا منعها من الخروج وخرجت فلا نفقة لها)) والتعديل الجديد كما يقول الأستاذ المرحوم نجاة قصاب حسن قد أكرم المرأة من حيث الصياغة ولم يحرمها من النفقة إذا كان عملها بإذن الزوج والإذن يكون صريحاً ويكون ضمنياً بأن يتزوجها وهي عاملة أو موظفة وتستمر كذلك لمدة من الزمن بلا ممانعة منه.

 من نص هذه المادة نلاحظ أن عمل المرأة يتطلب إذن زوجها ويحق له منعها إن أراد على الرغم من كل ما قيل عن المساواة بين الرجل والمرأة وأنها تستطيع أن تشغل أي عمل أو وظيفة فلنتصور وزيرة يمنعها زوجها عن العمل مثلاً، أما النقطة الثانية فمسألة سقوط النفقة التي حدده القانون على الرجل نلاحظ أن القانون ألزم الرجل في العمل فقط وهذا أيضاً يناقض حق المرأة في العمل، وكذلك يستطيع الرجل أن يمنع عن زوجته النفقة التي قد لا تكون بحاجة إليها، وبدل أن تكون الحياة الزوجية مبنية على التفاهم وتقاسم أسباب الحياة والتشارك فيها يزرع القانون أسباب الخلاف والشقاق.

في الخلوة التي مررنا عليها سريعاً نرى أن عقل وتفكير وأحكام وتشريع ينظر للعلاقات الإنسانية على أنها علاقات عقود وعقود عمل لفت نظري إلى أحكام الخلوة التي ذهب بها الفقهاء بعيداً ليغرقوا بالتفاصيل التي تتناسب مع عقول انغلقت على نفسها منذ قرون من السنين حيث لا هم سوى الدخول في تفاصيل لم تعد معاشة أصلاً، فالهندسة المعمارية على سبيل المثال مرتبطة بمدى تطور المجتمعات البشرية وحاجاتها الإنسانية وعلى أساس هذا التطور تبنى البيوت لتلبي هذه الحاجات وكذلك يجب على الفقهاء تطوير تشريعهم بما يتناسب مع تطور المجتمعات وحاجاتها وحتى شكل معمارها يفرض تشريعات جديدة.

يقول الدكتور مصطفى السباعي في كتابه شرح قانون الأحوال الشخصية في أحكام الخلوة وتعريفه للخلوة الصحيحة: ((هي ما يتم فيها اجتماع الرجل بالمرأة في مكان يأمنان فيه من اطلاع الناس عليهما من تحقق الشروط التالية)): هي ثلاث شروط سأورد فقط الأول منها على سبيل المثال فقط:

1- أن لا يكون هناك مانع طبيعي يمنع من الجماع كأن يكون معهما ثالث عاقل ولو كان أعمى أو صبياً مميزاً أو زوجته الأخرى، ففي حضور واحد من هؤلاء تفسد الخلوة أما إن كان معهما صغير لا يميز أو مجنون أو مغمى عليه فالخلوة صحيحة. ويضيف وفي حضور الكلب معهما تفصيل، إن كان الكلب عقوراً فالخلوة غير صحيحة، سواء كان الكلب للزوج أو للزوجة وإن كان الكلب هادئاً فالخلوة صحيحة إذا كان ملكاً للزوج، وفاسدة إن كان ملكا للزوجة..*؟

لن أعلق على هذا الشرط فيكفي ذكره وقد ذكرته لأنه مازال هناك من يهتم ويشرح ويستفيض بالشرح في مثل هذه الحالات والكثير من الدروس الدينية والكتب الفقهية ما زالت تورد هذه المحظورات أو المسموحات في مثل تلك الاجتهادات وغيرها.

وبانتظار تغييرات دستورية وقانونية سنحاول أن نلقي الضوء ما أمكن على قوانيننا التي عفى عنها الزمن، حيث تقع المسؤولية على كل مواطن مثقف ومسؤول في التغيير الذي أصبح ضرورياً وملحاً فنحن في القرن الواحد والعشرين بينما نعيش علاقات العصر الحجري وربما نحسد إنسان تلك الأيام على سنوات عمره.