الوسط الفني والثقافي محصلة حضارية للأمة

والسلطة هي من تفتح الأبواب باتجاه الحوار   

حوار مع الفنان بسام كوسا

ا

 أجرى الحوار : ناصر الغزالي

بسام كوسا اسم لامع في الحياة الثقافية السورية ارتبط بالكثير من الأعمال الدرامية الناجحة والمثيرة للجدل وذلك في الشاشتين الصغيرة والكبيرة ونال التكريم في العديد من المهرجانات العربية والمحلية. تنقل الفنان بين أشكال تعبيرية عدة فمارس الرسم والفن التشكيلي وكتب القصة والمقالة واختار بعدها أن يكتب ويرسم بالحركة والإشارة والإيماءة. في هذا الحوار تدنو مقاربات من عالم بسام الذي تمور فيه الأفكار والصور إيمانا منها بأن للفنان عينا تنفذ إلى حيث لا يستطيع الباحث أو المفكر أن يصل. تركت مقاربات بسام يهوم في أفلاك رؤياه ولم تقاطعه حتى حين بدا وكأنه يتكلم لنفسه وذلك كيلا تخدش اللوحة التي كان بسام يرسمها على مهل.

* أسرة مقاربات ترحب بك أستاذ بسام ولقبولك بهذا اللقاء. تلعب الشخصية العامة دورا مهما في كثير من المجتمعات. أستاذ بسام، أنت تعتبر من الشخصيات العامة المؤثرة في المجتمع العربي والسوري. هل تشعر بثقل هذه المهمة؟ وما الدور الذي تلعبه الشخصية العامة في اعتقادك؟ وهل تساهم في صنع الرأي العام؟

** أولاً لا أحس بأهمية الشخصية العامة أياً تكن ولا أحس بثقلها. لأنني ضد أن يقدم الشخص على عمل بالحياة وهو مصر على أن يكون الشهيد وأن يكون البادي ومن يقدم ومن يضحي. موقع المضحي لا أحبه. يوجد ضرورة لوجود هؤلاء الناس ولكن دون أن يحسوا هذه المهمة ثقيلة، فيحسون بأنهم ثقلاء. الشخصية العامة عندها أهداف حسب موقعها وحسب المهمة التي تمارسها، وحسب الرسالة التي تؤمن بها، فالشخصية العامة كلمة مطاطة، وليس بالضرورة أن يكون لها قانون، أي إذا فعل شخص ما كذا وفعل كذا يصبح شخصية عامة. إذا ظهر على التلفزيون كل يوم لمدة شهر أصبح شخصية عامة؟ برأيي كل شخصية لها أهدافها.. الحراك الاجتماعي الذي تفعله إذا كان ثقافيا فله أهداف. أنا على الأقل لا أحس أني شخصية عامة، أحس أن عندي مهمات في الدنيا. مفروض أن أبذل أقصى ما أملك من جهد وأنبل ما أملك من جهد في تقديم أقصى ما أستطيع، وليس مالا أستطيع.

* في خضم هذا الواقع والتحديات التي يواجهها المجتمع السوري على كل الأصعدة، يتابع الناس مسارات الشخصيات العامة بمن فيهم الفنانون. لكن الشخصية العامة يقررها الآخرون. ضمن هذه التحديات التي يعيشها المجتمع أي دور يمكن للفنان إذا أراد أن يلعب؟

** هذا الأمر يخضع لأدوات التعبير فقد يكون الشاعر شخصية عامة. مثلاً محمود درويش شخصية عامة لكن أدواته تختلف عن أدوات الطبيب أو الروائي أو الممثل. الأدوات دائماً تفرض الطريقة. دعنا ندخل في مجال مسألة الدراما، أنا ممثل بصرف النظر عما إذا كان عندي نشاط في المجال الكتابي أو لا. فبعد مدة من التجارب يصبح الشخص قادراً على معرفة ما يريد من هذه المهنة، ويعرف كم من أدوات التعبير تخدم هذه المهنة، ومن ثم المجتمع، لأن المعادلة الإبداعية برأيي تبقى منقوصة أي لا تكتمل الدائرة بدون المتلقي الذي يمثل بعدا جوهريا في كل حقل إبداعي إلا إذا أردنا أن نعرض العمل في جبل أو في مكان معزول أو في صحراء. لا يكتمل العمل الإبداعي من دون وصوله للمتلقي أي أن كل القوى تصب بما يساعد هذا المتلقي على رفع المستوى الجمالي والمستوى المعرفي عنده وطرح قضاياه ومشاكله، أي أن يرى نفسه في كثير من القضايا. أن يجد هذا الرجل الذي يسير في الشارع، الرجل الصغير المستضعف، يجد من يعبر عنه. إذا لم يؤخذ المتلقي وهذه الفئة بالتحديد بعين الاعتبار يصبح الفن بلا طعم ولا معنى لأن أدوات التعبير هي التي تقرر وعي العاملين يالفن. الأمر مرتبط بالمخزون المعرفي وبالهدف الكامن وراء العمل في هذه المهنة. هناك أناس لهم مشارب مختلفة، فهناك من يريد أن يجمع النقود وهناك من يريد إقامة علاقات عامة، وناس يريدون أن يقيموا علاقات مع السلطة، وأخرون يريدون أن يركبوا سيارات فاخرة، وناس يريدون أن تمشوا في الشارع ويشار إليهم بالاسماء. دائماً توجد أهداف، وعموماً فإن ما نقوله أجمل مما نفعله.

* ماهي الأهداف المختزنة في ذهنية بسام كوسا؟

** بمنتهى البساطة، يهمني أن يكون الشارع أكثر نظافة. طموحاتي ليست كبيرة، منها أن لا يسيء الناس استخدام أبواق السيارات وأن يعرفوا كيفية اجتياز الشارع وأن يكون الموظف شريفا بمكانه ولو كان عمله فقط ختم الأوراق. أنا أرى أن من مهمات الفن أو الثقافة تقديم قيمة معرفية وجمالية وأخلاقية للمجتمع بدون تعليمية. ليس عندي رسائل عظيمة، ولكن فقط يهمني أن يكون الشارع أفضل قليلاً...

* هنا ندخل في سؤال مباشر. أكثر الآفات التي تنتشر في سوريا هي الفساد والرشوة والمحسوبية. هل يلعب الفن دورا بارزا في فضح هذه الأزمة ووضعها في مكانها الصحيح وماهو تأثيرها على الواقع السوري؟

** قبل أن يساهم الفن في فضحها يجب أن يعالج وجودها في عالمه الخاص. فالفساد موجود في الفن والمحسوبيات موجودة في الفن. لايستطيع أحد أن يصبح مختاراً إذا كان لصا ولا يمكن أن يكون القاضي الذي يحكم بين الناس لصا. يجب أن يكون شريفا ليسمح له أن يحكم بين الناس، على هذا الأساس هناك عيوب وهذه العيوب ليست موجودة فقط في الوسط الفني والثقافي.أنا برأيي هذا انعكاس منطقي للمجتمع فعندما ترى الفن تدرك كيف يسير المجتمع لأن الفن بيئة كاملة. الوسط الفني والثقافي محصلة حضارية للأمة. ترى فن الأمة تعرف من هي ولذلك فإن فنوننا في حالة تدهور هائل جداً باستثناء الفنون الفردية التي استطاعت أن تنقذ نفسها بالفردانية. تجد دولة متخلفة جداً تنتج رواية عظيمة جداً أو فنان تشكيلي عبقري جداً ولكنك لاتستطيع أن تصنع مسرحاً ممتازاً أو تصنع حراكا ثقافي غاليا أو سينما جيدة لأن الفنون والثقافات هي عصارة الأمة ومهمة الفنان إلقاء الضوء على مثالب المجتمع.

* أين أنت ضمن هذه المعادلة أي ضمن رؤية الفنان بسام واختياره للأدوار المختلفة؟

** هناك كذب عندما يقال أن هناك اختيار فأنا ليس لدي حرية الاختيار ولست بموقع القرار. أنا أُختار وأُطلب لعمل ولكن حرية الخيار لدي هي أن أوافق أو لا أوافق. مثلاً يعرض علي عشرة أعمال في السنة أو أكثر أختار منهم واحدا أو اثنين ولكن لاأذهب لمنتج وأقول له ((انتج هذا المسلسل))، تعرف طبيعة الصراع بين الفكرة ورأس المال، بين الثقافة ورأس المال. ناس تملك أموالا وليس لديها أفكار وبالمقابل ناس تملك أفكارا ولاتملك المال. إذا التقوا مع بعضهم فيإمكانهم أن يشكلوا حراكا معينا.أنا لست بموقع قرار فأنا مسؤول عن قراري فقط باختيار الأعمال التي تعرض علي. هناك أعمال جيدة فكرياً وفنياً لا تعرض علي فقد لا يكون لي دور فيها. فمن هنا يمكن القول أن الفنان ليس في موقع قرار. مساحة الحرية لديه ضيقة يتحكم فيها ضميره ومعرفته وإنسانيته ومستوى علاقته بالمهنة وهناك من تتحكم فيه ظروفه. فهناك ممثلون ممن قد يمر عام كامل لايعرض فيه عليهم أي عمل مهم وتعرض عليهم أعمال رديئة فيقبلون بها لأنها تحقق لهم التوازن الاقتصادي. الشروط صعبة جداً.

* أستاذ بسام برأيك لماذا هذا الإخفاق الذي يعيشه المجتمع السوري؟ هل هناك رؤية لدى بسام لتطوير البناء على كافة المستويات؟

** أنا لست سياسيا ولكن لي وجهة نظر. السياسي عنده النظرية. أولاً أنا ضد مصطلح الإخفاق في المجتمع السوري وأنا أفضل أن أسميه اضطرابا لأن المجتمع السوري مضطرب. حالته الاقتصادية والنفسية مضطربة نتيجة كل ما يجري في العالم وقدرنا أن نكون في فوهة بركان. ليس الآن فقط ولكن منذ ثلاثة آلاف عام. هذه المنطقة بركانية اجتماعياً وسياسياً وهي ملتقى حضارات وملتقى أفكار وقد تنازع العالم عليها فهي عبر ألاف السنين.

* ألا تلعب المكونات التاريخية دوراً في هذا الإخفاق وما دور المكون الخارجي في هذا الإخفاق؟

** أقول لك أن السبب الخارجي واحد من الأسباب وأنا لاأعزو تخلفنا لأمريكا أو إسرائيل. أعزو تخلفنا إلينا وضعفنا إلينا بالدرجة الأولى فإذا نظرت إلى مجمل الأمور ليس فقط المسألة السياسية وإنما بالتربوية أو الإبداعية أرى أن أول مسؤول عن تخلفنا هو نحن. الشماعة التي نعلق عليها مشاكلنا هي الاستعمار الخارجي والضغوطات. بالاضافة لهذا عندنا مشكلة أخلاقية في مجتمعاتنا وهي مشكلة تربوية ومؤسساتية. فقوام الدولة هو المؤسسة والدولة الحديثة مبنية على المؤسسات. أما مؤسساتنا نحن فهي مهترئة تحتاج لإعادة تفعيل وضخ وهيكلة لأن فيها خراب كبير ونحن أول المسؤولين عن ذلك. هناك شعوب لديها تجارب ومن الممكن أن نستورد هذه التجارب ونستفيد منها مثلما نستورد المرسيدس ونستورد الأفكار. لماذا لانستورد تجربة ماليزيا مثلاً. إنها تجربة إنسانية، فقد أخرجهم مهاتير محمد من الأنقاض ومن المجتمع الماليزي المليء بالفساد والفقر وتجار السلاح وتجار الأطفال وتجارة النساء وتجارة المخدرات. كان مجتمع صفيح وتحول إلى دولة لها قوامها وحضورها على المستوى الإنساني. هناك تجارب كثيرة. مثلاً تجارب أمريكا اللاتينية، تجارب في أوربا الجديدة الآن، والذي يدعوني إلى الحزن الدائم هو أننا في مكان فيه طاقات هائلة جداً ولكنها مسفوحة في الأرض.

* وصلنا لبعض القضايا التي ربما تمثل إشكالية في المرحلة الحالية في سورية. سورية الحاليةً يتحدث فيها الجميع عن الإصلاح، سلطة، معارضة، جماهير، مثقفين، فنانين. الإصلاح يكون حجمه بحجم العطب والخراب الذي يعاني منه المجتمع. هل ترى أن لدينا فعلياً مشروع إصلاح في سورية على كافة المستويات؟ إن كانت السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية أو الحقوقية؟ هل هناك فعلياً إصلاح من خلال السلطة أو المعارضة؟ هل تحمل السلطة فعلياً مشروعاً إصلاحياً، أم هو فقط عبارة عن ممارسة دعائية؟

** هذا السؤال يوجه لرئيس وزراء. أنت أخذتني إلى السياسة مع أنني جئت لأتحدث في الفن. لقد كتبت عدة مقالات في هذا الإتجاه وصار هناك نقاش وسوف أجيبك على ما سألت: أنا أولاً لاأرى أن هناك معارضة عندها شارع. هذا رأيي. أقصى ما يمكنها الآن أن يكون لها رصيف وهذا أحد أشكال الخلل التي نغاني منها. يجب أن يكون للمعارضة شارع. دعنا نفكر بطريقة مجنونة، نحن الثلاثة على هذه الطاولة. لو أعطونا عشر دقائق نستطيع برأيي إن أردنا أن نخليها من الناس ونحولها إلى رميم. بكل بساطة نفعل ذلك بعشر دقائق. ولكن إذا أردنا أن نعيدها كما كانت، نحتاج برأيي إلى ستة أشهر أو إلى سنة. ولذلك الخراب سهل، وما تم من خراب حدث عبر سنوات طويلة. الخراب سهل ولكن مسألة الإعمار تحتاج وقتا. ليس الإعمار الترميمي بل إعمار البناء الهيكلي. بكل هذه المعطيات أعتقد ان هناك طرفين مسؤولين عن ذلك: السلطة رقم واحد والناس رقم اثنين. أنا ضمن آلية تفكيري لاأستطيع أن ألقي اللوم كله على أمريكا أو على إسرائيل. نلقي اللوم على أنفسنا. هناك مشكلة دائمة. مشكلة أخلاقية في عملنا. الشاطرهو الذي لايداوم في عمله. الشاطر هو الذي يرتشي دون أن يحس به أحد. إذا داومت بشكل نظامي ودقيق يعتبرونك متخلف عقلياً أو أنك لاتفهم. لا نستطيع أن نتكلم أكثر من ذلك. إذا كان هناك أحد نظامي في عمله يقال عنه غبي. لقد أصبح لدينا مشكلة أخلاقية والمسؤول عنها هو السلطة والمنزل والمدرسة والتربية والوزارات والمؤسسات. كل هؤلاء مسؤلون عنها. إلى أين ذهب الشخص أخلاقياً وإنسانياً؟ نحن نكذب بمواعيدنا، نكذب في أصغر الأشياء. إن كنت ضمن ظرف شديد الحرج ويضطرك للكذب فليكن. ولكن أن تكذب فقط من اجل الكذب فهذا يعني أنه أصبح سلوكاً وعندنا أصبح الكذب سلوكا، وكذلك عدم الأمانة. أنا أتكلم بشكل عام المجتمع يوجد فيه هذا وذاك والمجتمع مجموعة من النقائض لاتنتهي.

أما ما يجري في سورية وذلك إذا أردنا أن نراه بلون واحد فإننا نجده بدون أي تعبير أو أي رغبة أو أي إصلاح. إذا رأيته من زاوية أخرى ترى أن الإصلاح ممكن وخصوصاً المطبخ الداخلي السياسي فالناس لاتعرفه ولاأنا ولاأنت. ماالذي يجري في أجهزة الأمن! في المؤسسات! لانعرف. نحن نرى من الخارج ولكن أعتقد بأن هناك نوايا حسنة ولو أن الجحيم كما يقال مليء بالنوايا الحسنة. أعتقد أن من الممكن أن يكون الوضع أفضل. البلد تسير في اتجاه معين. هناك أمور ستحدث شئنا أم أبينا. يجب أن تسير في هذا الخندق. الشراكة الأوربية لا تقبلك دون أن تسير بذلك برضاك أو دفعا.ً الشراكة الأوربية قادمة على سورية بكل الشروط والظروف. قادمة ولكن لها شروط ولذلك يجب تنفيذ هذه الشروط فيما إذا كنت راضيا أم لا. واحدة من الشروط هي رفع المستوى المعيشي للمجتمع. هذا الموضوع يحتاج مجهودا منا جميعاً. كل الناس يتحملون المسؤولية ولا يمكن إعفاء أحد من المهمة. برأيي من المفروض أن نحقق نتائج ما ولو كانت ضئيلة نسبياً. ليست بالضرورة عشرين بالمائة ولا بأس إن كانت أقل من ذلك بكثير. المهم فقط أن توضع العربة على السكة. إذ يجب أن لا نكون طوباويين كثيراً بأحلامنا. إن الإصلاح ليس كبسة زر. وابني لايمكن إصلاحه فورا بعد أن أصبح عمره عشرين عاماً إن كنت قد علمته الموبقات بخمس دقائق. لايمكن ذلك إذا كان قد تأسس سابقا ليكون على ماهو عليه.

* عبر فترة طويلة عاش مجتمعنا ضمن مايسمى الثقافة الشمولية. هذه الثقافة فرضت وظيفتها على الفنان واعتبرت أن موقف الفنان هو الذي يصنع الإبداع فوضعت نفسها فوق المبدع وجندته لإيديولوجيتها. أستاذ بسام هل توافقني الرأي في أن عمل المبدع يأخذ أهميته من إبداعه؟ وليس موقفه؟

** كل المعركة ضد المنطق الشمولي في المجتمع. لقد أثبت التاريخ وأثبتت تجارب أعرق منا بكثير أن الأحكام الشمولية والحزب الواحد يؤديان إلى هلاك وفشل ذريع. نحن يجب أن نرتدع. هناك الحزب الشيوعي السوفييتي الذي كان أقوى من حزب البعث. ولكن المنطق الشمولي دمر كل الأمة بمحاولته إلغاء الآخرين. هذا يعني أنك قضيت على نفسك. أي المشكلة هنا استراتيجية. دائماً يفكر الإنسان أنه يريد تضخيم ثمرة الشجرة فيضع لها موادا فيقضي على البكتريات ويقضي على نفسه. لقد أثبت التاريخ أنه بلا حريات لا تنمو الأمم. بلا حريات أحزاب وبلا حريات ناس وبلا حريات رأي لا تقوم للمجتمع قائمة. وهناك تجارب كثيرة تحدث من حولنا يجب أن نرتدع منها. لم يستطع الاتحاد السوفييتي الاستمرار بمنطق السلطة الشمولية. الضغط المستمر أدى لظهور غوركي. وأنا لاأتفق معه في الكثير مما كتب. لم يستطع الحكم الشمولي أن يظهر أحداً مثل ديستوفسكي، مع أنه كان ضد قيصر أو مثل تشيخوف أو غوغول. نحن نتكلم عن الأنظمة الشمولية. لم تستطع هذه الحركة النهضوية العظيمة ذلك لأنه كان هناك عقلية شمولية وحدانية فردانية. هذه مشكلة. طبعاً ظهر فنانون كثر تحت غطاء سلطة وتحت غطاء أحزاب وأثبتوا فشلهم فكانوا أردأ الناس وحتى الآن هناك من يتبع هذا الأسلوب وهم من أردأ الناس وموجودون في وسطنا الآن.

* قريباً تمر الذكرى الثامنة والأربعون لذكرى إعلان قانون الطوارئ والأحكام العرفية برأيك ما أثر ذلك على الفن؟

** برأيي أن تطبيق قانون الطوارئ في العالم كله يجب ألا يتم إلا في أحلك الظروف ولا يجب أن يتجاوز الستة أشهر وهذه في حالات استعصاء شديدة. خطورة قانون الطوارئ تتمثل في أن العمل به يلغي القانون. وعندما تلغي القانون تضع المجتمع تحت سلطة قانون واحد. هذا يعني أنك حكمت على هذا المجتمع بالثبات، وبالجمود. واحدة تعسفي من المضار التي دفعها مجتمعنا من جراء قانون الطوارئ أنه ألغى القانون فالناس الآن لم تعد تعرف ما لها وما عليها. ألغي القانون المدني كله واستعيض عنه بهذا القانون. قد يكون هناك ضرورات لذلك في لحظة ما ولكن هذه الضرورات يجب ألا تمتد كل هذه العقود. عندما تلغي من المجتمع فعاليته التي تسيّره وتستعيض عنها بهذا القانون سيؤثر ذلك سلباً ليس فقط على الحياة السياسية والثقافية بل سيؤثر سلباً على طعام الناس وعلى يومها وروحها وأخلاقها. ولقد كان تأثيرها السلبي كبيرا جدا.ً ونحن بحاجة لأن نقوم بتُفعيل القانون المدني وهو قادر أن يسيّر أمما أكبر من أمتنا بكثير وأقوى من أمتنا بكثير. إن استخدام قانون الطوارئ واحد من تداعيات الأحكام الشمولية، وهو واحد من عدة نتائج. يجب أن تعود البلد إلى جادة الحياة العادية الصحية، فقانون الطوارئ حالة استثنائية ويجب ألا يتحول الاستثناء إلى قاعدة لأنه يؤثر في ذهنية الناس وآليات التعبير. هذا الموضوع مدار بحث حتى بالنسبة للسلطات المعنية أو المؤسسات المعنية. إلى متى سيظل هذا القانون ساري المفعول في اللحظة التي أثبت فيها عدم ضرورته وعدم جدواه وخرب البنية الهيكلية للمؤسسات. إن قانون العمل الموحد الذي هدّ حيل الاقتصاد السوري كله يجلب الكثير من التداعيات: قانون المطبوعات، قانون الصحافة، قانون الأحزاب. كل هذا يجب أن يحتكم إلى القانون المدني وبالتالي المجتمع ليس بحاجة إلى قانون طوارئ إلا في اللحظات الحساسة والاستثنائية مثل الجائحات والحروب الأهلية أي الحالات الاستثنائية. المجتمع جدير بالتخلص من قانون الطوارئ بأسرع ما يمكن لأنه يلجم حركة المجتمع ويؤخر التطور.

* هناك كلمات بدأت تظهر بعد التسعينات. كلمات صار لها أثر على المجتمع السوري ((منظمات حقوقية، مجتمع مدني))، هل يلعب الفنان بشكل ما دورا في تكريس هذه المفاهيم؟

** هذه المفاهيم لا يستطيع أن يكرسها فرد بل تكرسها المؤسسات. هذه التسمية مثل نقطة الارتكاز في نقاش أي حالة سواء كانت ثقافية أو سياسية برأيي أن الدولة الحديثة لاتُبنى إلا عبر مؤسسات. أما بالنسبة لموضوع تكريس هذه المفاهيم فيما إذا كان ذلك حرية الرأي أو حقوق الإنسان أو حقوق الحيوان أو الدفاع عن الطفولة أو حرية الصحافة أوحرية الحزب فهذه تُبنى عبر مؤسسات. إن كانت مؤسسة تابعة للدولة أومؤسسة قطاع خاص أو قطاع مشترك. الفرد أحياناً يرسل شيفرات وهذه الشيفرات والأفكار مهما كانت نبيلة ستبقى دون قيمة ودون تنفيذ. أي فكرة في الدنيا تكون ميتة وليس لها قيمة إلا إذا وضعت موضع التنفيذ. وبالتالي أرى كل هذه الأحقيات للمجتمع وهي أحقيات يجب ألا يُحكى فيها فقط بل يجب أن تمارس وتنفذ. إحدى أمنياتي أن يكون ما نمر به حالة مخاض، هذا الذي سميته اضطرابا ولذلك أنا أؤيد هذا الاضطراب. اضطراب نفسي واجتماعي وسياسي ولكن بأهداف نبيلة، بأهداف تطور المكان. ولذلك نستمر في التكلم فيها بما فيه المحادثات الاعتيادية أو الإعلام أو الصحافة. يجب أن يحكى في ذلك باستمرار لأنه لم يعد مسالة غائبة عن ذهن أي أحد. إن كان في السلطة أو في الشارع. إن كان هناك حقوق مغتصبة للمجتمع أي هناك ضرورة لرفع المستوى المعيشي للناس والمحافظة على كرامتهم. هذا له آليته. مثلاً المطبخ السياسي قد لاأعي كل جوانبه لأنه ليس اختصاصي لكن أصر أن تؤخذ هذه الأمور بعين الاعتبار لأننا وصلنا إلى مرحلة تدعو للحزن الشديد. لدي القناعة أن كل الشروط متوفرة في مجتمعنا للعيش بشكل أنبل وأفضل على المستوى الاقتصادي والسياسي. أثبتت الأحداث القريبة والبعيدة أن هناك حس نظيف ووطني في هذا البلد وهذا الشيء يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار. الناس والشارع يجب ألا يعاملوا على أنهم طرف آخر أو عدو أو مصدر خراب. بالعكس هم مصدر الحماية وهم الهدف الأعلى إن كان بالنسبة للأمن أو السياسيين أو بالنسبة للاقتصاديين. الشارع هو المهم.

* هذا يدفعني إلى أن آخذ تجليات بعض الأحداث مثل إعلان دمشق. البعض رأوا فيه قفزة لما يسمى المعارضة. ربما أثره على الشارع قليل. ولكنه ليس عدوا للشارع. المتشائمون قالوا أنه استكمال لما كان في الماضي من توقيع ال 99 الى الألف وأنه مجرد أوراق. هل تعتقد أن هذا الإعلان سيشكل بنية مستقبلية للمعارضة السورية على اعتبار أنه لايوجد مجتمع قادر على التفاعل إذا لم يكن هناك معارضة وسلطة. أي يمكن لهذه البنية أن تطور المكان وإلا سيراوح الموضوع في مكانه؟

** بالنسبة لموضوع المعارضة فإن كل ما أقوله رأي شخصي. المعارضة السورية نسبتها العظمى شريفة وحسها الوطني عال. هناك نسبة معينة مشكوك بأمرها. أنا أتحدث عن النسبة العظمى وقد أثبت بالدليل القاطع ضمن كل البيانات أوالتواقيع أو المنتديات أو ضمن التصريحات أن هناك معارضة تريد أن تخلق قنوات مشتركة مع السلطة لإيجاد حلول للبلد. تابعت تصريحات المعارضة بالخارج التي كان قرارها الأساسي هو أنها لن تأتي على ظهر الدبابات الأمريكية ولن تستقوي بأحد. نحن نحل مشاكلنا ولكن لتأت السلطة وتفتح الأبواب لنتفاعل ونجد الحلول لهذا البلد. هذه نقطة إيجابية يجب استثمارها بشكل إيجابي والكرة في ملعب السلطة فهي تسمح أو تمنع. الآن كل المؤشرات تدل على أن من الممكن أن يكون هناك حوار لأن السلطة بدأت ترى المعارضة وذلك يشمل المعارضة التي تمثل الحياة الثقافية وغيرها. يجب أن تلغي نظرية أن الآخر هو عدو أو واقف بخندق آخر. في السابق كان المثقف موضع الريبة والشك وكانت نظرية المؤامرة حاضرة دائماً. الآن ثمة وجهة نظر أخرى حاضرة تقول أن هذا الشخص المثقف هو ابن البلد وليس عنده طموحات ليخرب البلد بل ليطورها. بما أن الكرة في ملعب السلطة فهي برأيي مدعوة للقيام بمهمة وأعتقد أن هناك مؤشرات قد لاتكون كافية. هناك بعض الدلائل تقول أنه يمكن فتح قنوات مع المعارضة واستثمار طاقتها. تعالوا نرى ماذا سنفعل. أعتقد أن الباب موارب وليس مفتوحا. إلى أي حد يمكن أن يفتح الباب إلى أقصى ما يمكن. السلطة الآن مطالبة بمواجهة هذا الشرط. ليس أمرا بسيطا أن السلطة أصبح لديها قناعة، كما أعتقد، بأن المعارضة السورية سواء في الداخل أو في الخارج ليس لديها هدف باستلام أو تغيير البنية السلطوية أو بتهديم البلد وبإثارة البلبلات والمشاكل. معنى هذا أيضاً أن السلطة تنادي بالإصلاح فأين الخلاف. إذا كان السلطة تنادي بالإصلاح وتعمل كما يقال على هذا الأساس والمعارضة تنادي بالإصلاح فأين الخلاف! أنا برأيي لايوجد خلاف فالسلطة هي من تفتح الأبواب باتجاه الحوار وباتجاه التعارض في الرأي على أن يكون المرتكز الأساسي هو تطوير الحوار.

* المعروف عن بسام كوسا أنه يتلبس الشخصية، و يتماهى مع الشخصية التي يلعبها. ماذا قدمت لك شخصية عبد الرحمن الكواكبي على المستوى المعرفي؟

** كل دور يقدم لي غنى معرفيا مهما كان. هو يقدم لي قيمة معرفية وأنا أقدم له شيئا. أما عبد الرحمن الكواكبي فكما تعرف فهو صاحب ذهن إصلاحي وهو موجود في كثير من الناس. لكن ذهنه مركز وممنهج ونحن ذهننا الإصلاحي مركب. لأنه صاحب نظرية وطريقة معينة ومؤلفات. أنا أتكلم هنا بشكل إنساني وبتواضع شديد فهو أعلى من أن أختلف أو أتفق معه لكنني فقط أطرح وجهة نظر. اتفقت مع قسم كبير من الأفكار التي طرحها وأهمية هذه الشخصية هنا أنها أحياناً تعطيك أجوبة على أسئلة ومن هنا تأتي أهميته. أحياناً تكون عندك أسئلة لاتجد لها أجوبة.تجد لها أرباع أو أنصاف حلول. يأتي احد وبشكل ما بجملة ما يعطيك جوابا أو حلا. ولذلك أرى أنه أعطاني مجموعة من الأجوبة على تداعيات كبيرة من الأسئلة فيما إن كان بالمجتمع أو بالسلطة فهذا كله فيه قيم كبيرة جداً. إن أهميته تكمن في أنه يتحدث عنك وعن آمالك وطموحاتك ورغباتك في المجتمع. وهناك قسم أختلف معه فيه وربما هناك آخرون لايختلفون معه في ذلك. هو عملياً محق أكثر مني ولكن لاأتوافق معه فهو يرى أن التغيير يجب أن يتم عبر السلطة وعبر المؤسسات. يجب أن تكون في موقع المسؤولية لتستطيع أن تغير. أنا لاأستطيع أن أكون في موقع المسؤولية ولاأستطيع أن أبحث عن منصب.

* هذا الكلام كان قبل مائة عام؟

** وهو يصلح الآن فمثلاً مهاتير محمد لو لم يكن في موقع السلطة لكان رقما من الأرقام. فهو يتكلم عن شيء عملي جداً وحقيقي. أنا مزاجي لايدخل ضمن هذه الرؤية لأني لست عبد الرحمن الكواكبي و مهماتي ليست مهماته لأنه يعتبر الالتزام بمكانة والبحث عن منصب أقوى ضروريا لنقول ما نريد وننتقد ما نريد. هذا الموضوع لديه شرط أساسي أي أن تكون بموقع حساس وقوي حتى تنفذ أفكارك وهذا كان يعني مناصب بالنسبة له. كان خلافه شديدا مع الشيخ أبو الهدى وغيره فالكل كان يبحث عن منصب لكي ينفذ مايفكر به.

* على المستوى الديني شهدت سورية في هذه المرحلة زيادة في العودة إلى الدين وخصوصاً على المستوى الشكلي من خلال المظهر لا المضمون الروحي للدين. هل يؤثر ذلك على الحرية الاجتماعية وبالتالي على العمل الفني برأي الأستاذ بسام كوسا؟

** هذه قضية عربية وعالمية وليست محلية بدأت بأمريكا. لقد مر العالم بالحرب الباردة وسقوط المعسكر الاشتراكي والأحزاب اليسارية وكل هذه التفاعلات التي كانت موجودة قبل والتي تبلورت أكثر في السبعينات وما قبل. في حال انهيار الأفكار فإن الإنسان يلتجئ إلى أفكار أخرى دائماً من أجل أن تحميه لأن الإنسان دائماً بحاجة لحماية ليثبّت قدميه على الأرض. لقد ذهبت الشعوب باتجاه هذا المد الديني. أنا لست ضد التيارات الدينية في العالم ولكن ضد التطرف لأن التطرف آفة وكارثة. أما النزوح باتجاه الأصولية أو باتجاه الأفكار الدينية فالسبب أن الساحة خالية من الأفكار الأخرى وبالتالي كانت عصا السبق بأيدي الأطراف الدينية والمجتمعات دائماً بحاجة إلى من يسد هذا الفراغ وهذا ما يحدث الآن. ولكن كل الهدف والأمنيات ألا يكون هناك تطرف في مجتمعاتنا. لقد كان هناك أيضاً ماركسيون متطرفون وهذا تطرف مثل التطرف الإسلامي والمسيحي. التطرف يؤدي إلى نفس النتيجة وهي إلغاء الآخر.

* أستاذ بسام أشكرك كثيراً، هل تريد أن تضيف شيئا إلى ما قلت؟

 ** عموماً الهم الأساسي هو أن يتم بذل جهد كبير من قبلنا لنذهب باتجاه إقناع كل أولي الأمر وكل من هم بموقع القرار. لن تقوم قائمة لأمة لاتقدر الثقافة حق قدرها. حين تهمش مفهوم الثقافة والفنون والإبداعات فكأنك تهمش روح الأمة وتقضي على جزء كبير حيوي وضروري للأمة لأن الأمة ليست عبارة عن أبنية شاهقة وليست عبارة عن شوارع ولا عن سيارات كثيرة. هناك شيء آخر يوازي عظمة أي إنجاز هو هذه الثقافات فهو همها الأساسي. أنا لم أقتنع بأي حزب ولكن الشارع يهمني. لاأستطيع أن أكون ناطقا رسميا أو ثقافيا أو فنيا باسم تفكير معين. للآخرين أن يفعلوا هذا إن أرادوا ولكن ذلك يدفع المركب باتجاه آلية تفكير أحادي. هذه الأمة لها روحها ووجدانياتها التي لا تتحقق إلا بالشعر والفن التشكيلي والسينما والنحت والرواية والدراما والمسرح. ليس من الوارد أن تضع الثقافة والفنون في آخر سلم أولوياتك. هذا يكون دمارا للأمة وخصوصاً أن لدينا بقايا مكونات ثقافية من الممكن أن ندافع عنها.

* أستاذ بسام شكراً لك.