طير حر المشهد كامل في عينيه، أمنياته بسيطة أن يحلق بحرية

 حوار مع الفنان جمال سليمان

 أجرى الحوار : ناصر الغزالي

مابين كونه قامة واعدة تطلع من أروقة المعهد العالي للفنون المسرحية وبين تحوله إلى شخصية ثقافية دولية في أروقة الأمم المتحدة، أسس الفنان جمال سليمان مشروعه الثقافي المتميز. عرف عن الفنان اختياره لأعماله بدقة فائقة وكذلك اهتماماته المتنوعة. لمع اسم جمال سليمان حين أغنى بأدائه أعمالا لاقت نجاحا جماهيريا واسعا على المستويين العربي والمحلي. إلى جانب ذلك عرف عنه استغراقه في قضايا اجتماعية وثقافية متعددة ومشاركته في حملات خيرية وتنكبه بمهمات أوكلتها إليه منظمات دولية وأكاديمية. هذه النشاطات المتنوعة التي جعلت من جمال سليمان شخصية ذات شعبية واسعة أغرت أسرة مقاربات بالقرع على باب هذا الفنان كجزء من مشروع مركز دمشق في البحث عن أجوبة لأسئلة معلقة تنتظر الإجابة.     

 

- الأستاذ جمال أرحب بك فنانا جميلا وشخصية عامة لها دور في المجتمع وأسألك، منذ فترة طويلة فرضت الثقافة الشمولية رؤيتها، التي تنظر إلى الفنان باعتباره موقفا في الإيديولوجيا الشمولية إذ وضعت نفسها فوق المبدع وجندته لخطابها. هل توافقني على أن موقف المبدع يأخذ أهميته من إبداعه؟

 

- لا بالتأكيد لا إنها مشكلة الثقافة الشمولية، فهذه الثقافة تعطي الموقف أولوية قصوى وتحدد من هو المبدع وغيره بناء على حجم تبنيه لهذا الموقف. في الثقافة الشمولية تجد عدداً كبيراً جداً من الأسماء اللامعة في الساحة الإبداعية، أما إذا نظرت لإنتاجها فلن تجد أنها ذات قيمة كبيرة فالقيمة لموقفها. لقد غلب الخطاب السياسي المباشر أو بالأحرى الشعار السياسي المباشر والوصفات السياسية والفكرية المباشرة على الفن، فبمجرد أنّ، كما قلت لك، تضع في القصيدة شروق الشمس والسنابل ونهدي الحبيبة وابتسامات الأطفال ستنجح لأن هذه وصفة لأن تجعل ديوانك الشعري ديواناً هاماً ويتم الترويج له، أو تجعل من مسرحيتك مسرحية هامة يُكتَب عنها وتقدر وتحترم. ولذلك دخلنا في تصنيع الأوهام في الساحة الإبداعية وفي تكبير أسماء لم تكن تستحق كل هذا الحجم، لذلك أنتجنا بغزارة في فترة من الفترات أدبا ومسرحا وفنا تشكيليا وشعرا ورواية ..... الخ، لكنها لم تستطع أن تعيش طويلاً، انتهت مع انتهاء هذه الأفكار، وانتهى عصرها، فلم يكتسب أي قيمة إلى الأمام .

 

- بهذا المنحى أنت توافقني على أن الإبداع هو شيء تراكمي وليس ناتجا عن موقف سياسي أو موقف محدد.

- لا بالتأكيد، فهذا لا يعني أن المبدع شخص ليس عنده موقف سياسي. المبدع أولاً إنسان، هو كائن اجتماعي، هو فرد من مجتمع يؤثر ويتأثر بهذا المجتمع، ومن حقه ومن الطبيعي جداً أن يكون له موقف، ولكنه مبدع أولاً. وإلا بماذا يتميز عن أي ناشط سياسي أو زعيم حزب أو عضو مكتب سياسي في حزب أو منظر سياسي يلقي محاضرات في المراكز والندوات الثقافية عن الوضع السياسي. ما يميزه أنه مبدع، أنه ممثل جيد أو شاعر جيد أو موسيقي جيد أو روائي جيد. هذا هو تميزه. وإلا غاب الفرق تماماً بين واحد مبدع وواحد متظاهر إذا كانت المسألة مسألة موقف سياسي فقط .

 عندما تقرأ لأي أديب من الأدباء العظماء تستطيع أن تستشف موقفاً هائلا جداً من السلطة، الكنيسة، النظام السياسي، البنى الاجتماعية. لكن هذا الكلام ليس هو الإبداع. الإبداع مسألة أخرى. شارل ديكنز كتب روايات عبرت عن حجم غضبه واستيائه من المجتمع الانكليزي في بداية الثورة الصناعية القاسية، الذي لا يقيم وزناً لآلام الناس الفقراء والبسطاء، ولا يقيم وزن لمعاناتهم، لأحلامهم وطموحاتهم، ويهمش الناس ويجعل منهم مجرد أرقام وكتل تذهب إلى المعامل وتعود من المعامل بصرف النظر عن أرواحها وقلوبها. كان هذا شيئاً أساسياً عند شارل ديكنز لكن بنية الرواية والشخصيات التي يقدمها في الرواية شيء ساحر جعله عنصراً هائلاً جداً من عناصر التغيير في الفكر الاجتماعي والسياسي في مجتمعه هذا ما جعله حتى يومنا هذا يُقرأ في محطة المترو والمقهى والمنزل وفي المكتبة الوطنية ..الخ.

 

- هنا أدخل إلى موضوع الشخصية العامة. عند تشارل ديكنز، وكما تقول، تلعب الشخصية العامة دور الماضي والحاضر وتؤثر على الرأي العام الموجود في مجتمعه بل في العالم. سؤالي: من المعروف أن المخيال الجمعي عند الشعب السوري يمتاز بجذور تضرب في عمق التاريخ شهدت تبدل الأحوال ومرور كل الحضارات. وهذا الشعب ثمرة تزاوج حضارات جعلت منه يكتنز هذا المخيال الكبير. ألا تجد الشخصية العامة صعوبة في تغيير مزاج الشعب السوري في ظل تراكم سبعة آلاف سنة (دين، سياسة أو حروب، تغير أديان وأمزجة) وكل هذا في مخيال الشعب وفي عالمه. الشخصية العامة كيف تؤسس أو كيف تستطيع أن تؤسس لمفاهيم جديدة عصرية وجدت حالياً والناس كلها تبحث عنها  مثل مفاهيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان والعدل الاجتماعي أمام جمهور يملك هذا المخيال العظيم .

- الشعوب الشرقية من أكثر الشعوب تمسكاً بموروثها ابتداءً من طريقة تحضير الطعام وانتهاءً بطقوس الزواج مروراً بمسألة الفهم الخاص للدين والفهم الخاص للواجب الاجتماعي والفهم للسلطة و الفهم لمنطق السوق والتجارة ...الخ.هناك موروث قوي للغاية وهذه الشعوب تتمسك بهذا الموروث وأنا اعتقد أنه بقدر ما يوجد ضغط على المجتمعات وخطر تفكيكها فالمجتمعات، بشكل لاواع، تزداد تمسكاً .

 

- بتفكيكها أم بتفتيتها.

- تفتيتها وتفكيكها أي أقصد محاولة تحطيم هذه المجتمعات وهذا يجعلها تزداد تمسكاً بموروثها ويصبح لديها توق قوي للماضي. وهذا برأيي أحد تفسيرات سبب عودة القوة إلى التيار الديني في العشرين سنة الأخيرة. في السنوات الأخيرة تلاحظ اتجاهاً آخر بدأ ينمو عند الأجيال الجديدة، هو باتجاه الحرية التي تتخذ شكل التعبير الفرداني عن الذات وهو نفسه ما جرى في القرن الثامن عشر في أوروبا طبعاً مع حركة التنوير. نفس السياق الذي جرى حينذاك يجري الآن في المجتمعات الشرقية ومن ضمنها طبعاً المجتمع السوري وإن يكن بأطر محدودة. المشكلة الأساسية هي أن الغرب عندما بدأ هذا الاتجاه الذي سار نحو الفكر البرجوازي المتنور، فكر الطبقة الوسطى المتنورة، حركة التنوير، كان لديه نخب قوية. في الغرب كان هناك قيادات بالمعنى الحقيقي للكلمة، وليس بالمعنى العشائري للكلمة، قيادات ملهمة، استطاعت أن تقدم تضحيات واستطاعت أن تشد من أزر المجتمع وتشجع المجتمع على الإقدام، بينما في الشرق، الحقيقة، هناك ضعف ثقة .

 

- أين جمال سليمان الشخصية العامة، الفنان الجميل، فالناس تهتم بما يقدم. أين دور الأستاذ جمال سليمان في اختياره الأشياء الفنية لخلق رافعة ثقافية لهؤلاء الناس لاستيعاب هذه المفاهيم الجميلة؟

- أعتقد أني وغيري من الناس نملك إيمانا حقيقيا بضرورة التغيير أو أعتقد أننا ساهمنا ولو بجهد متواضع من أجل ذلك أنا أدرك أن التلفزيون اليوم قد يكون وسيلة المعرفة الأساسية عند الناس لأننا شعوب لا تقرأ وعندما ترى الإحصائيات التي تظهر في معارض الكتب هنا وهناك في القاهرة ودمشق وغيرها من الدول العربية تدرك أن المواطن العربي لا يقرأ. عندما تقرأ أرقام توزيع الصحف تدرك أننا فعلاْ شعوب لا تقرأ كثيراً، قراءتها جداً محدودة. فالتلفزيون هو وسيلة معرفة وبالتالي تنوير وتغيير مهمة جداً، مع الاحترام طبعاً للرأي الآخر الذي يقول محقا أن التلفزيون هو أداة السلطة في تكييف أدمغة الناس والسيطرة عليهم وما إلى هناك من آراء تختلف في تقييمها للموضوع. ولكن يجب ألا يمنعنا ذلك أن نرى أن هناك تيارا آخر يصارع من أجل الوجود وهو تيار معرفي تنويري في إدارة التلفزيون وأستطيع أن أقول أن بعض الأعمال السورية تقع ضمن هذا السياق "كخان الحرير أو الثريا" أو بعض الأعمال الاجتماعية على سبيل المثال "الفصول الأربعة"، على الرغم أنها تبدو أعمال بسيطة وترفيهية ولكن إذا دقق الإنسان النظر فيها ورأى العلاقة بين المرأة والرجل على الأقل والعلاقة بين الفتيات والشباب في هذا المسلسل، الذين هم أحفاد بهذه العائلة، تدرك بأنها غير شعاراتية وغير مباشرة ولكنها تدعو إلى قيم مختلفة في الأسرة السورية فكلُّ هذا شيء مهم.

لقد ناقش "خان الحرير" مسألة الدولة الأمنية أي الاستبداد، الدولة الديمقراطية قبل الوحدة في الدولة الأمنية، التي كانت أحادية اللون والوجه والصوت في زمن الوحدة وما تبع ذلك من مأساة كبيرة في الحياة السياسية السورية، مما يدل على أنه حتى قبل ما يسمى ربيع دمشق وقبل هذا السجال الطويل الذي يجري الآن، كان هناك فنانون يريدون أن يقولوا عبر التلفزيون بأن هناك تاريخ يجب أن يُروى وعِبَر يجب أن تُفهم وأن هناك قيم يجب أن يتم تداولها، والحديث عنها لم يكن سهلاً. عندما قدم خان الحرير وأنا عندما أذكر خان الحرير مثالاً لا أقصد أنه الوحيد وإنما آتي بمثال أعرفه جيداً، عندما قدم خان الحرير الأصوات السياسية المختلفة التي كانت موجودة قبل الوحدة سواءً في البرلمان السوري أو في الشارع السوري كان هذا، في الحقيقة، سبقاً في عالم التلفزيون وكان مهماً جداً لأن الثلاثين سنة الأخيرة أنست الأجيال أن هناك أصواتا سياسية كانت مختلفة في سورية لها رؤى مختلفة في شكل بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد ....إلخ. مع ملاحظة أن لي هنا تعقيب. صحيح أني لم أؤلف المسلسل ولم أخرج المسلسل فالمؤلف هو نهاد سيريس والمخرج هو هيثم حقي، لكن خياري هو أن أكون في هذه المسلسلات وإذا عدت إلى أعمالي الفنية تلاحظ أني حاولت دائماً أن أكون موجودا في هذا المشروع وهذا خياري.

 

هذا سيدخلني إلى الحالات الاستثنائية الأخيرة التي عاشتها سورية خلال أربعين عاماً والأستاذ جمال يقارب الخمسين كما فهمت منه.

-خمس وأربعون سنة.

 

- خمس وأربعون سنة، أربعون سنة منها في حالة استثنائية.

- صحيح. أنا من مواليد أيام الوحدة. أنا ولدت أيام الوحدة وسميت جمال تيمناً بجمال عبد الناصر وبالوحدة القومية.

 

- حتى في عهد الوحدة تم فرض قانون الطوارئ وإلى الآن أي خمس وأربعون سنة أو ست وأربعون سنة. طوال هذه المدة الطويلة والفنان جمال يعيش في هذه الحالة: أحكام عرفية، قانون طوارئ، دستور سوري مقيد بالرغم أن الدستور في كل أنحاء العالم كما هو معروف يشكل ميزان العدل المجتمعي، ألا تؤثر هذه الحالة كما قلت على خان الحرير أو على أي مسلسل ربما يقدم شيئا أو يؤسس لأفكار جديدة؟ ألم تؤثر على الوضع الفني العام في سورية على مجال السينما والتلفزيون والمسرح وتؤد إلى عملية إجهاض وحتى عملية خنق أدت لإفقار ثقافي في سورية بالنسبة لكل هذه المجالات بشكل ملفت للنظر. ألا تقف هذه الأحكام وراء هذا المصير الذي آلت إليه الثقافة السورية.

- انتبه أن هذا مسألة معقدة والجواب السريع عليها هو جواب قد يضيء غالباً جانبا من الحقيقة، ولكنه قد يتجاهل جوانب أخرى، وبالتالي أحياناً نصف الحقيقة أسوأ من الكذب. أولاً أحب أن أتدارك بالقول أني ورغم موقفي من عبد الناصر والطريقة التي حكم بها عبد الناصر مصر وسورية و هو في المحصلة موقف سلبي، لكن لا أستطيع أن أنكر أن فترة عبد الناصر  كان لها دور كبير جداً في المساهمة في إطلاق عملية السينما والمسرح. لقد شهدت مصر وسورية أيضاًَ بعهد عبد الناصر وبعد عهد عبد الناصر في عهد حزب البعث أو على الأقل في عشرين عاماً من بداياتها نوعا من النشاط الثقافي والفني المهم، وهذه فترة يكفي أن نقول أنه فيها أسماء حنا مينه، سعدالله ونوس، ممدوح عدوان، محمد الماغوط ....الخ أنا لا أقول أن الفضل في وجود هذه الأسماء .

 

- إلى الأحكام العرفية!!.

- لا للأحكام العرفية ولا لوجود الثورة بكل تأكيد. لكنني أقول أن محاسن الظروف والصدف لهذه الثورة أن هذه الأسماء وجدت في نفس الزمن. على سبيل المثال تأسس المسرح القومي السوري الذي نقل المسرح من حالة فوضوية وحالة يعاني منها الممثل من مخاطر المهنة  بالمعنى المعيشي للكلمة إلى حالة مؤسساتية ضمنت للممثل حياة كريمة وأعطته مكاناً لائقاً ليقدم العروض المسرحية فيه. أنت والمتابعون تعرفون الفترة الذهبية للمسرح السوري. لكن ككل الثورات الثورة تبدأ طليعية وتقدمية وتبدأ ثورية ثم عندما تنتقل الثورة لممارسة عملية تبدأ السلطة بلعب دور رجعي فظيع. الثورة بحاجة إلى الحركة الثقافية كي تقوم، وبحاجة إلى مفكرين ومبدعين لتتقاسم معهم المساحة .

 

- هل تعتقد أن الثورة استخدمت هؤلاء المفكرين والمبدعين بشكل وظيفي يخدم مصلحتها؟ 

-  أنا لا أريد أن استخدم التعابير السلبية في الموضوع ولكن كل الثورات من الثورة الفرنسية حتى يومنا هذا تحتاج إلى ذلك. والمثقفون أيضاً يحتاجون للثورة ولكن الثورة عندما تبدأ كما حصل في الجزائر، وكما حصل في كل مكان، الثورة عندما تحكم تتحول إلى مؤسسة حكم،  تدخل في عملية اسئثار الحكم تبدأ بإقصاء الشركاء، والشركاء لن يتم إقصاؤهم بهذه السهولة إذ يمانعون أو يعارضون فيتم القضاء عليهم إذا أمكن أو تضيق المساحة التي يتحركون بها.

 

- إلى أي حد وصلت الأمور في سورية إلى طريق مسدود ضمن هذا السياق؟

- برأيي وصلت إلى حد مرحلة الخصومة إذ هناك نوع من الخصومة الواضحة بين المثقفين وبين النظام السياسي في المرحلة الراهنة.

- ماذا كان  دور المثقفين في تلك المرحلة؟

 - قام النظام بالتضييق على كثير من المثقفين، لكن نحن يجب علينا أن نقول أنه في تلك الفترة مارس المثقفون نفس الدور على غيرهم وأيضاً تبنوا جوهر هذا الخطاب. بمعنى كل شخص كان لا يقول يا عمال العالم اتحدوا لم يكن له قيمة إبداعية. وكل من لا يقول كل فقير إنسان جيد وكل غني إنسان سيء كان أيضاً يمارس عليه نوع من الاضطهاد ونوع من التهميش. وكذلك إذا كنت تُعتبر من المثقفين الثوريين ودخلت في هذه القبيلة فيجب عليك أن تستمع إلى عبد الحليم سراً، وأم كلثوم سراً، لأنهم إذا عرفوا أنك تستمع إليهما فأنت إذاً مثقف برجوازي صغير تافه. التاريخ له فائدة واحدة وليكن درسا مستفادا منه. يجب أن نَصف الحالة بحذافيرها، كيف كانت من زاوية السلطة وكيف كانت زاوية المثقفين والمعارضة. لقد مورس نوع من الترهيب ونوع من الاضطهاد على البعض. ما كان بوسع أحد أن يوجه الانتقاد لنص كتبه سعدالله ونوس مثلاً. كان انتقاد نصه بالنسبة لشريحة المثقفين الماسكين زمام النقد الأدبي يعادل النقد للزعيم السياسي في سوريا بالنسبة لرجال السلطة. الكل يمارس الترهيب والاضطهاد ضمن الإمكانيات المتاحة بين يديه.

 

- في نقاش جانبي البارحة بيني وبينك ركزت على فكرة الليبرالية كحل لمشاكلنا، وأنا في اعتقادي وحسب اطلاعي هناك فرق  جوهري ما بين الدعوة للتغيير في مجتمعاتنا بالمعنى الديمقراطي والمعنى الليبرالي ماذا تقصد باللبرالية؟ ففي اعتقادي الديمقراطية تهتم بخدمة الصالح العام بينما الليبرالية تهتم بخدمة الصالح الخاص. فالدول التي طبقت الديمقراطية مثل السويد عملت للصالح العام وتدير سياستها الخارجية بطريقة سلمية والقانون فيها قائم على تطبيق العدل الاجتماعي، بينما الدول التي طبقت الليبرالية على سبيل المثال أمريكا عملت في خدمة الصالح الخاص، الشركات الخاصة، وتدير سياستها الخارجية بطريقة عدوانية أما القانون فيها فهو قائم على إدارة أزمات المجتمع والجرائم. ماذا تعني بالليبرالية ؟ هل تريد أن نستحضر نظريات على مجتمعنا؟ استحضرنا الماركسية، فشلنا بها واستحضرنا الفكر القومي الاشتراكي أو ما يسمى الطريق الثالث وفشلنا فيه. هل نريد أن نجلب فكرة جديدة كي نفشل من جديد؟

 - لا ًفموقع الخلاف أساساً كان بيني وبين كل النظريات حتى الماركسية، أنا كنت صديقا لكثير من الشيوعيين في تنظيمات سياسية مختلفة منها في الائتلاف السياسي المعارض ومنها في الحاكم. وكان لي أصدقاء هنا وهناك، لم أقبل في لحظة من اللحظات أن أكون في أي من هذه التنظيمات والسبب أنني لاحظت أننا دائماً نستورد الأشياء ونستورد الأفكار، نريد أن نحفظها عن ظهر قلب ثم نطبقها وبالتالي، عندما تكون الأفكار غريبة أو هجينة عن مجتمع معين، فإن تطبيقها يفترض بالضرورة كمية كبيرة من القسرية والعنف، لأن القسرية تقود إلى العنف. وبالتالي سوف يكون ممانعة عند المجتمع والنقطة الأهم وما يقلقني هو استيراد ذلك من الغرب. هناك الكثير من الأفكار قد تكون موضع قناعة شخصية بالنسبة لي وهذا جوهر الحديث الذي جرى في عام 1999 بيني وبين وزيرة العمل البريطانية آنذاك " كلير شورت" في الأمم المتحدة عن أن هناك كثيراً من القوانين المدنية، التي هي علامات لتحرر المجتمع الغربي، والتي قد  أكون أنا مقتنعا بها تماما لكنني لوجلبتها إلى مجتمعي فإنها ستسبب حرب أهلية، على سبيل المثال. هناك مادة في تقرير بروتوكول السكان تقول: "أن لكل شخص الحق في تحديد عدد الأطفال الذين سينجبهم" من الناحية الظاهرية. كلنا نؤكد ذلك، هناك أشخاص يكتفون بطفل واحد وآخرون يريدون أكثر، وهذا حق من حقوق الإنسان أساساً، ولكن يجب أن ننتبه بأن هذه المادة تنص على كل شخص وليس العائلة، فلو وقعت أي دولة، كسورية مثلاً على هذا البروتوكول ثم جاءت امرأة سورية حامل وقالت أنا سأنجب هذا الولد فقالوا لها أين الأب لتسجيل الولد فأجابت لا شأن لكم بالأب لأنكم وقعتم على حق كل شخص بالإنجاب وأنا شخص. عندما تريد سورية أن تلتزم بهذا القانون يبدو لدى الغرب أنه إنجاز مهم وأنه قد أصبح كلاسيكيا عندهمً، لكن بالنسبة لمجتمعاتنا قد يسبب حربا أهلية وبالتالي عندما نتحدث عن تمكين المرأة في المجتمعات الإسلامية على سبيل المثال، نتحدث عن أولويات مختلفة كل الاختلاف عن الغرب. أنا أقول لك في الوقت الذي يوجد فيه، في المجتمع البريطاني عدد كبير جداً من البنات القاصرات، أي تحت السن القانوني اللواتي يقمن علاقات جنسية ويحملن وتمر الفترة التي تتجاوز مدة معينة، فيصبح من غير المقبول لأي طبيب أن يجري عملية إجهاض من الناحية القانونية، وبالتالي تنجب هذه البنت طفلا في المجتمع البريطاني وهي غير مؤهلة لا اقتصادياً ولا علمياً ولا اجتماعياً لتربي هذا الطفل الذي سينشأ في ظروف سيئة جداً لكن مصاريفه تأتي مما توفره أموال دافعي الضرائب ودافعو الضرائب طوال الوقت يسجلون اعتراضهم على ذلك. في المجتمعات الشرقية ليس لدينا هذه المشكلة فهناك مشكلة أخرى وهي الزواج المبكر. إذاً هناك خصوصيات اجتماعية. في المجتمعات الشرقية، عندما يكبر الجد والجدة يعيشون عند أحد أبنائهم فليست المشكلة هي مشكلة مأوى عجزة وإنما هي تحسين ظروف السكن لأن الكثير من الناس الذين يعيش عندهم آباؤهم وأمهاتهم وأولادهم يعيشون في بيوت رديئة جداً وصغيرة جداً وبالتالي الدولة هناك تنفق على المتقاعدين وكبار السن. في المجتمعات الشرقية، الأسرة تنفق وتعيل كبار السن وبالتالي السياسات يجب هنا أن تختلف، ففي اعتقادي استيراد  النظريات شيء سيء. أعود إلى نقطة البداية، مفهوم الليبرالية هو الوسطية وهو الاعتراف بأن هذا المجتمع متعدد الأصوات والاهتمامات ويعمل في حقول إنتاج مختلفة .

 

- تعني اللبرالية على المستوى السياسي فقط لا على المستوى الاقتصادي.

- طبعاً لأنني شخصياً مع الخصخصة على سبيل المثال لكن لا أريد أن أرى سورية تباع لثلاثة أشخاص أو أربعة .

 

- هذه الأشياء مرتبطة بالعدالة الاجتماعية مثلاً.

- طبعاً هذه الأشياء مرتبطة بالعدالة الاجتماعية وهذه الخصخصة يجب أن تضًمن للمواطن السوري البسيط مصالحه، وليس وسيلة لتتخلص الدولة من مؤسساتها الفاشلة وتبيعها لأصدقاء لها بمبالغ بخسة كما حصل في روسيا.

 

- ومصر.

- ومصر. هذه ملك للمجتمع فهذه المؤسسات ليست ملك رئيس الوزراء أو الوزير المختص هذه ملك للمجتمع، وبالتالي، لست ضد الخصخصة ولكن على أي أساس سوف نقيم الخصخصة وبأي طريقة! هل سيكون هناك مجال لأكبر عدد من الناس من الطبقة الوسطى. دعني أقول حتى لا يكون كلامي ساذجا.(من الطبقة الوسطى أو الطبقة الوسطى الميسورة). هل سيكون لديهم مجال أن يشتروا أسهما وأن يكونوا شركاء في شركات القطاع العام أم ستباع شركات القطاع العام لخمسة أو ستة أشخاص وبالتالي تُملك سورية مرة أخرى من قبل خمسة أو ستة أشخاص.

 

- وصلنا لبعض القضايا التي ربما تمثل إشكالية في المرحلة الحالية في سورية. سورية حاليا في مرحلة يتحدث  فيها الجميع عن الإصلاح، سلطة، معارضة، جماهير، مثقفين، فنانين، فالإصلاح يكون حجمه بحجم العطب والخراب الذي يعاني منه المجتمع. هل ترى أن لدينا فعليا مشروع إصلاح في سورية على كل المستويات؟ إن كانت السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية أو الحقوقية هل هناك فعليا إصلاح من خلال السلطة أو المعارضة؟ هل فعلا السلطة تحمل مشروعا إصلاحيا أم هو فقط عبارة عن ممارسة دعائية؟

- برأيي المثقف والفنان خاصة لهما علاقة أكثر اتساعاً مع المتلقي. إذا كان يقرأ أحسن رواية عربية بضعة آلاف من الناس ففي رأيي يرى أردأ مسلسل أو مقابلة تلفزيونية بضع ملايين من الناس. بالتالي علاقة جماعة الإعلام وجماعة الفن مع الجماهير علاقة أوسع بكثير من علاقة المبدعين الآخرين في مجال الشعر مثلا. طبعاً هذا ليس حكم قيمة فأنا لا أريد أن أقول دور هؤلاء أكبر من دور هؤلاء أو أهم من هؤلاء. لا بالعكس إذ قلت لك أن أردأ مسلسل تلفزيوني يشاهده ملايين من الناس وأحسن رواية يقرأها بضع مئات من الناس أو ألوف وبالتالي الفن الجيد يجب أن ينحاز إلى مفهوم الناس للإصلاح ماذا يريد الناس وما هو الإصلاح بالنسبة للإنسان السوري البسيط، أن لا يسرق أحد من رغيف عيشه، أن يكون قادرا على شراء سكن لائق، أن لا يأتي أحد إلى باب دكانه الصغيرة يتلقى رشوة تحت أي ذريعة ما ليفرض إتاوة ما. الإصلاح بالنسبة للمواطن السوري إذا ذهب بمعاملة وهو صاحب حق يجب أن تنجز هذه المعاملة بالسرعة القصوى دون أي نوع من الابتزاز. لكن هذا الإصلاح لا يمكن أن يتم بما فيه الإصلاح الاقتصادي وإذا افترضنا أننا من ضمن مشروع الإصلاح الاقتصادي فسوف نذهب باتجاه الخصخصة كخيار لا يمكن أن يتم دون قوى رقابة ومحاسبة ويجب أن تكون مستقلة تماماً وبالتالي لابد من إصلاح في بنية النظام السياسي بمعنى أن يكون النواب أو الجمعيات الأهلية الغير حكومية المدنية والمجتمع المدني متجمع قادر له نفوذ وله قدرة المراقبة وله قدرة الضغط، له مصداقيته وله وزنه. لأنه ليس كل بقال سوري عالم اقتصاد وليس جاهزاً في كل يوم أن يشارك بمظاهرة. ولا كل مواطن سوري بسيط عنده محل فلافل أو موظف أو استاذ مدرسة يريد أن يظهر كل يومين على قناة الجزيرة ويدلي برأيه كيف يريد أن تكون سوريا، لكنه يريد أن تكون هناك قوى سياسية فاعلة تقوم بحمايته فأنا الآن أرى أن كل السجال عن الإصلاح قائم على السماح بالكلام  في السياسة. لا يوجد أحد يقوم بطرح مفاهيم بسيطة جداً عن المجتمع المدني وجمعيات حماية المستهلك، فجمعية حماية المستهلك اليوم لها ضرورة كبيرة في سوريا للرقابة على الدولة ولتحديد نسبة الفساد ونسبة الرشوة ونسبة الحصول على امتيازات اقتصادية غير منطقية غير قانونية من خلال العلاقات الشخصية ومن خلال الانتماء إلى العائلة والعشيرة.

 

- كيف تبنى هذه المؤسسات التي تتحدث عنها ضمن هذا الخراب الذي تعيشه سورية من الفساد والقوانين الاستثنائية؟

- هذا يقودنا إلى شيء بسيط، الإصلاح لا يمكن أن يكون جزئياً والإصلاح ليس بتبديل الأشخاص وبتقديم الوعود، أي يجب أن يكون هناك إعادة نظر وليست المسألة مسألة تغيير أشخاص وعن أن هذا الوزير أكثر تواضعاً من الوزير الذي قبله وبابه مفتوح يستقبل الناس وآخر لا يستقبل أحدا. هذا ضروري لكنه يصبح شكلانياً جداً عندما لا يكون للوزير برنامج تغيير وإصلاح، هذا البرنامج يكون على مستوى الحكومة بأكملها لأن العلاقات متشابكة ومتداخلة وعلى سبيل المثال الصالات السينمائية في سورية لن تستطيع أن تغير فيها شيئا ما لم نجمع وزارة السياحة والمحافظة والبلدية ووزارة الاعلام ووزارة الثقافة معا. لا تستطيع أن تتحدث عن الصالة السينمائية بمعزل عن كل هذه الجهات والقوانين ومجلس الشعب. لأنك اليوم إذا أردت أن تصلح الصالات السينمائية في سورية وتعيد الناس لارتياد دور السينما لكي يصبح تقليداً شهرياً لا أريد أن أقول اسبوعيا أو تقليدا فصليا وذلك أن يصبح ارتياد السينما نشاطاً عائلياً،  لكي تصلح ذلك لا بد للاستغناء عن عدد كبير من الرسوم والضرائب المفروضة على الصالات السينمائية مما يجعل استحالة أن تكون السينما مشروعا اقتصاديا جيدا. لا بد هنا أن تستدعي عددا لا يقل عن خمسة وزارات بالدولة بالإضافة إلى مجلس الشعب وتغير الكثير من المراسيم حتى تستطيع أن تضمن لهذه الصالة المتواضعة العمل من جديد وتضمن للمواطن السوري بأن يصطحب زوجته لمشاهدة فيلم سينما محترم.

 

- هل تعتقد أن هذه المؤسسات التي تتحدث عنها هي التي تأخذ القرار وهي التي لديها القرار؟

- هي لديها القرار ولكن القرار يحتاج إلى المشيئة السياسية.

 

-من هو المتصرف السياسي؟

- النظام السياسي السلطة.

 

- صورت وسائل الإعلام وبعض الشخصيات القيادية مثل الدكتورة بثينة شعبان، بعد المؤتمر العاشر لحزب البعث أن هناك فعلا مشروع إصلاح، ولكن لم يقدم المؤتمر سوى التوصيات والتوصيفات دون الدخول كما وصفته في جوهر الأزمة، هل كان الأستاذ جمال متفائلاً بهذا المؤتمر وهل استمر بالتفاؤل وهل يعتقد أن الحكومة السورية تحمل مشروعاً إصلاحياً؟

- نحن جميعا بما فينا كثير من الناس البعثيين من أصدقائنا البعثيين الجيدين والشرفاء والموضوعيين كان عندنا آمال بأن يكون حجم الانجاز بهذا المؤتمر أكبر مما شهدناه.

 

- الحقيقة هل شكل المؤتمر انجازاً؟

- حتى الآن لا، ولكن أولاً المسألة ليست مسألة عدد أعضاء القيادة القطرية  سيما أن رواتبهم متواضعة فهم لايشكلون ضغطاً على الميزانية السورية فبالتالي حتى من هذه الناحية لم نوفر مالا كثير وليست المسالة مسالة أسماء أو اشخاص. أعود وأقول هناك أسماء يريد لها الشعب السوري فعلاً أن ترتاح ونريد لها أن تتقاعد وتستمتع بما بقي لها من الحياة ونريد ناسا آخرين بأفكار جديدة ومبادرات جديدة. تشرشل ربح الحملة الإعلامية مع ذلك أراد الشعب الانكليزي أن يرى رئيس وزراءآخر في مرحلة السلم مختلف عن تشرشل فانتخب غيره. وشيء طبيعي أن يدخل الشعب السوري في مرحلة جديدة فالعالم كله دخل بمرحلة جديدة والمجتمع يريد أن يرى كما قلت أفكارا جديدة ومبادرات جديدة. لا أعرف حجم المهمة التي وضعتها هذه القيادة القطرية نصب أعينها وما هي الأهداف التي وضعتها، فإذا كان المقصود أن هناك قيادة جديدة هي التي سترسم لنا ملامح المشروع الإصلاحي القادم فهذا جيد ولكن إن كان هذا صدر البيت وهذا عجزه فهذه مشكلة. أما إذا كان هذا صدر البيت ونحن بانتظار العجز فنحن في الانتظار. أما إذا كان غير ذلك فهناك مشكلة كبيرة جداً. المهمات التي يواجهها حزب البعث اليوم هي مهمات تاريخية وخطيرة جداً لها علاقة بمستقبل الوطن من جهة وبمستقبل الحزب نفسه من جهة أخرى فيجب أن يقبل الحزب مبدأ المشاركة الحقيقية في الحكم وليس المشاركة الشفوية وهذا يتطلب أن يعود إلى الشارع وإلى صندوق الاقتراع كي يضمن بنفسه عددا من المواطنين في مجلس الشعب ويسمح له بتشكيل حكومة أولا يسمح له، يسمح له بدخول إئتلاف بوزيرين أو بعشرة أو لا يسمح. هذه الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تمكن  حزب البعث من ضمان الاستمرار لنفسه وإلا فإن الأمور سوف تعود آيلة إلى موضع سيء جداً للحزب والبلد

 

- بسبب متابعتي لملف حقوق الإنسان في سورية ما بعد مؤتمر حزب البعث وجدت أن هناك زيادة في التضييق والانتهاكات في هذا الملف وخاصة للعاملين في هذا المجال ما هو تقييمك لهذا الملف؟

- أنا لست معجباً بعدد كبير من هؤلاء الناس لكني قطعاً ضد اعتقالهم.

 

- الوضع السياسي في سورية يأخذ إشكاليات كبيرة في هذه المرحلة على مستوى السلطة والمعارضة وهناك سجال كبير قائم الآن حول مفهوم العمل السياسي لدى الطرفين فيما يخص المفهومين الوطني والديمقراطي. كيف يرى الأستاذ جمال العمل السياسي في سورية؟

- المشكلة بكل هذا السجال أن المجتمع السوري يبدو خارج هذا السجال أي لم نسمع رأي الناس حقيقة ولا مرة. نحن نسمع رأي النخب الحاكمة أو نخب المعارضة وهؤلاء معا قد لايتجاوز عددهم 300 رجل من أصل 18مليون. هذه أولاً مشكلة. لا يمكن على الإطلاق أن نصل إلى سجال سياسي حقيقي جداً لا نعرف فيه أسماء من هؤلاء الذين يتكلمون. يجب أن يعرفهم المجتمع مثلاً. مهرب وفجأة أصبح معارضة وشخص مارس الفساد في السلطة عشرين عاماً فجأة يرتقي في مناصبه. أو واحد من قلب السلطة ينتقد فساد السلطة، جلس على كرسي السلطة فمارس الفساد نفسه. هذا كله بمعزل عن الناس وهناك حوارات ودية تجري أحيانا بين السلطة وبعض رموز المعارضة أحياناً وينتهي هذا الحوار ويتم اعتقالهم. أين الناس والمجتمع السوري من كل ذلك. أنا اليوم إذا رأيت الشارع وسألت الناس عن رموز المعارضة وعن رموز السلطة ممكن أن تتحدث لي عن كل شخص منهم مثلاً سطرين: من هو، ما هي انجازاته في الحياة وما هو برنامج، كيف يقبل هذا المجتمع من أشخاص أن يحددوا مصيره دون أن يعرف من هم. في سوريا لا بد أن يكون هناك قانون محترم للأحزاب، ولا بد أن يقوم النظام السياسي وحزب البعث في  سوريا بمهمة تاريخية نبيلة جداً وهي تأمين الانتقال في سوريا من عصر سياسي إلى عصر سياسي آخر معتمداً على القوى الحيادية المتنورة المتعلمة المنفتحة الليبرالية في المجتمع لكي تجمع عقلاء القوم ويتم النقاش ووضع خطة انتقال في سوريا. هذا الانتقال يجب أن يكون أولاً باتجاه تأسيس الأحزاب وبالتالي هذه الأحزاب يكون لها مقرات ولها جرائدها ووجودها الرسمي والقانوني فتحاور الناس ويحاورها الناس لتغيير هذه الحالة التي نعيشها. أنا أعرف ناسا في المعارضة أردأ من السلطة بمائة مرة لأنها موضة. أنت لم تستطيع أن تحقق اسماً أو وجودا أو كيانا في الحياة فتمتهن المعارضة فيصبح لك اسم. اليوم يكفيك لكي تصبح بطلاً أن تشتم السلطة طبعاً هذا الكلام لا ينسحب على كل المعارضة بالتأكيد هناك معارضون شرفاء ومثقفون ومتعلمون ومتنورون وليست غايتهم الزعامة والسلطة... الخ. يجب أن نفهم هل الصراع على السلطة أم الصراع على إصلاح حال هذا الوطن وتقويته دون أن ننسى أن لنا أرضا محتلة دون أن ننسى أن لدى هذا الشعب إمكانيات كامنة كبيرة جداً يجب أن تحرر كي يعبر عن نفسه اقتصادياً وليس سياسياً فقط المسألة ليست مسألة حق التظاهر المسألة أن أعبر عن إمكاناتي المهنية ووجودي الإنساني والاجتماعي وأن أكون حراً بممارسة نشاطي وأن لا يأتي أحد فيفرض علي إتاوة ما، أن أحصل على ما هو حق لي سواء على رخصة مطعم أو بعثة دراسية أو منصباً في الدولة.

 

- لكن من يحكم سوريا ليس القانون بل الأجهزة الأمنية.

- أنا لا أريد في سوريا بلداً بلا جهاز أمن. بريطانيا وفرنسا وأمريكا، التي هي رمز التقدم لا تستغني عن أجهزة الأمن التي عندها، فلديها أجهزة أمنية قوية لكن مرهونة للقانون.

 

- لكن الأجهزة الأمنية عندنا تتدخل في كل مناحي الحياة، ماهو الحل الأجدى لذلك؟

- إنني أطالب بقوننة الأجهزة الأمنية في سوريا. القانون  يجب أن يكون سيداً، ويجيب على ماهي صلاحيات الأجهزة الأمنية والمؤسسة القضائية والسلطة المدنية والمجتمع المدني والأحزاب هذا ما نريد أن نتفق عليه. هناك قانون. يجب أن نفكر بواقعية لا نريد سوريا بلا أجهزة أمنية. أنا ضد تفكيك وحل حزب البعث. يا أخي رأيي ما جرى في العراق كان كارثة. إنهم حطموا حزب البعث ولكن حزب البعث شيء وصدام حسين والسلطة شيء آخر. يجب أن ننتبه أن هذا من حق الناس في سوريا. أن يفكروا تفكيراً قومياً ومن حق من يريد أن يحلم بالوحدة والحرية والاشتراكية. ومن حقه أن يحلم بسورية الكبرى، ومن حق الآخر إن يقول هذه حدود سورية وأنا أريد أن أتصرف ضمن هذه الحدود لكن ليس من حق أحد أن يمنع أحدا من التفكير وليس من حق أحد أن يقول نسينا الجولان. في كل هذا السجال نسينا الاحتلال لأرضنا ونسينا أن جزءا كبيرا وعزيزا من أرضنا محتل ونسينا أشياء كثيرة فبالتالي منهج الإصلاح يجب أن يقوم على ذلك ويجب أن نفهم كيف يأخذ الناس رخصات في المجلات والصحافة. حتى الآن لدينا انطباع أنها منح، لا نفهم من يقررها وعلى أي أساس يقرر. فجأة نجد شخص معه رخصة صحيفة وآخر منذ زمن طويل تقدم بطلب رخصة صحيفة ولم تأت بعد، لم نعد نفهم كيف تحصل هذه القصة.

 

- حرية الرأي والتعبير، قدمت السلطة قانون المطبوعات الجديد والذي يشكل حسب المراقبين عقبة جديدة بوجه حرية الرأي والتعبير، إذ اعتبر أسوأ بكثير من قانون المطبوعات السابق في حقبة الخمسينات، هل يشكل هذا القانون عثرة جديدة بوجه حرية العاملين في المجال الفني؟

- يجب أن ننتبه هنا إلى أن الناس العاملين في الفن التلفزيوني والمسلسلات التلفزيونية والكتّاب والمخرجين وأحياناً الممثلين دخلوا في سجال كبير مع الجهات المعنية في موضوع حرية التعبير تجاه الرقابة وغيرهم من المسؤولين ووزارة الإعلام ووزارة الثقافة من أجل أن يحرروا خطابهم ومن أن أجل أن يضمنوا لأنفسهم مساحة جديدة للحوار والحديث وتقديم الرؤية. أعتقد أننا حققنا إنجازات حتى قبل أن يبدأ مشروع الإصلاح في سورية مثل مسلسل خان الحرير. أنت تعلم أن الجزء الأول منه بقي سنوات في أدراج الرقابة وكان هناك مشكلة رقابية وتم الحوار من أجلها وتمت المفاوضات والأخذ ببعض الملاحظات للجان التحكيم والضغط عليها حتى أخرج الجزء الثاني. صار هناك خلاف كبير جداً حول موضوع موقف البعثيين مما آلت إليه الوحدة بين مصر وسورية والطريقة التي تمت بها، لأنه هناك انقسام بين البعثيين عندما بدأت ملامح فشل الوحدة تظهر وبدأ التعسف في حكم سورية أثناء فترة الوحدة واضحاً وجلياً. انقسم البعثيون على بعضهم وقيل أنها تضحية رخيصة في سبيل الوحدة. وبعضهم قال ليس هذا ماننشده فتحالف هؤلاء البعثيين مع خصوم الأمس من أجل الانفصال. الحقيقة أن هذا فجر مشكلة كبيرة في الرقابة والبعثيون بعضهم في القيادة وبعضهم قالوا "هذا غير صحيح" وبعضهم الآخر قال "هذا صحيح ولكن ليس هذا وقت طرحه" وهناك من قال " هذاغير صحيح ولانريد لهذا الحديث أن يطرح على الشاشات نهائياً لأنه أساساً غير صحيح". بالمقابل بعض المثقفين ممايسمى بين قوسين المثقفون المعارضون الذين يطالبون ليلا نهارا بالحرية كتبوا أن الممثل والمخرج تلقيا رشوة من المملكة العربية السعودية حتى يشوها صورة الوحدة وعبد الناصر.

 

- هل شكل هذا القانون حاجزاً جديداً في حرية الفن وهل تدخلت الرقابة بشكل مباشر بعملكم الفني؟ 

- لا أحد في جهاز النظام السوري في حزب البعث نفسه قال مثل هذا. هم عارضوا هم أرادوا حذف مشاهد معينة من المسلسل وبعضهم ضغط من أجل إيقاف عرض المسلسل ولكن أحدهم لم يشر باسم الخيانة إلى أي عمل أو مسلسل. هناك مشكلة تفكير وليست المشكلة في جماعة ولا مسألة قوانين أي قانون مطبوعات أو غير مطبوعات. إذا كان سيصدر قانون مطبوعات يستبيح عرضي أنا كشخصية عامة وكفنان فمن الطبيعي أن أقف ضده. يجب أن يكون هناك حوارً وطني سوري من أجل مستقبل أفضل لسوريا. مع تسجيلي أن قانون المطبوعات الجديد الذي صدر في سوريا رديء وسيء ولا يليق ببلد كسورية ولكن أيضاً يجب أن نفهم أن الذي يمنع الجريمة ليس وجود القانون والعقاب فقط ولكن مدى تمدن وتحضر المجتمع.

- تحدثت أننا بحاجة إلى مصالحة وطنية ما هو مفهوم المصالحة برأيك وهل تعتقد أن للتيار الديني في سورية (الإخوان المسلمين) دوراً في هذه المصالحة؟

- كأنك تريد أن تسألني أن كنت أنا باعتياري شخصا فنانا أن كنت أقبل ديمقراطية في سورية يكون فيها الأخوان المسلمون أو أي حزب ديني لاعبين لدور في هذه الديمقراطية. أنا سأجيبك بكل صراحة أنا أحترم المسجد والكنيسة ولكن لا أحب تدخلهما في سياسة البلد. أنا لاأحب ولا أؤيد الأحزاب التي تقوم على أساس ديني. أنا أعرف أنه في النهاية أعضاء حزب المحافظين في بريطانيا مثلا مسيحيون وعدد كبير منهم يذهبون إلى الكنيسة يوم الأحد وغالبيتهم تزوجوا زواجا كنسيا حيث ذهبوا إلى الخوري وكللهم، هذا الشيء أعرفه وأفهمه ولكن هذه أمور شخصية وهي علاقة الإنسان بربه وهذه علاقة يجب أن تبقى مقدسة ومحترمة وألا تستعمل في العمل السياسي. هذه وجهة نظري كإنسان ولكن عندما يكون قرار المجتمع السوري أن تكون الأحزاب الدينية أو أحزاب ذات صبغة دينية فاعلة في القرار السياسي وقتها هي مشيئة الأكثرية. على أن الجماهير يجب أن لا تضلل باسم الله باسم المسجد باسم الرسول. والنخبة السياسية والنخبة الثقافية يجب أن يكون رأيها حاسماً في هذه الأمور. يجب أن تلتزم جميع الأحزاب من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ومن الإلحاد إلى منتهى الإيمان يجب أن تلتزم جميعها بالدستور والقانون وأن لا يكون لها أي أجندة مخفية للاستئثار بالحكم. إن كل الصراع والنضال في سورية من أجل فكرة الاستئثار بالحكم وأنا برأيي أن الاستئثار بالحكم أدخل سورية في ورطات تاريخية وأدخل حزب البعث نفسه في ورطة أيضاً، وبالتالي فإن الحيوية السياسية لا يمكن أن تخلق في حزب ما إلا إذا كان يعرف أنه بعد بضع سنوات سوف يعود إلى صناديق الاقتراع ليحدد الناس مصيره فإذا كانت الأحزاب جميعاً تقبل ذلك وتقبل احترام حقوق الآخرين فأنا شخصاً ليس لدي أي مانع وأقول سلفاً للأحزاب الدينية لن أنتخب ممثليها وسأقنع جميع أصدقائي وعائلتي ومحيطي للتصويت للأحزاب الوسطية المتنورة المتفتحة التي تحترم عقائد الناس الدينية وغير الدينية وللأحزاب التي لا تحاول أن تقمع النزوع الروحي عند البشر في هذا الاتجاه أو ذاك لأنني أنا رجل سوري ولا أستطيع إلا أن أحترم تاريخي الإسلامي والمسيحي. هذا الشيء بالنسبة لي له قدسية ولكن لا أريد أن يأتي أحد يريد أن يحكمني باسم الحق الإلهي لأني لست من المؤمنين بأن الله وضع نوابا له على الأرض ولست من المؤمنين بأن الله فوض باسمه أحدا كي يحاسب الناس على الأرض. الحساب عند رب العالمين، ومن أدرانا! يمكن لأحد قام الليل وصلى السنة والفرض ...الخ أن يكون دخوله إلى الجنة متأخراً ويتعسر وأن يسبقه عالم اكتشف علاجا للبشر وهو ليس مسلما،ً أو شخصا دافع عن مظلوم أو دافع عن البيئة. الدفاع عن البيئة أراه اليوم مهمة مقدسة. عندما نعتدي على البيئة نعتدي على الله مباشرة أعرفت كيف! وأن يدخل زعيم حزب دافع عن البيئة إلى الجنة قبل الكثير من المشايخ لأن الله عليم حكيم. أنا لاأستطيع أن أتنبأ بما سيفعله الله لأن العلم عنده فهل أنا سوف أقول لله هؤلاء سيدخلون الجنة وهؤلاء على النار. هل أعطيه قائمة بهم، أنا لاأعرف ولاأعتقد أن غيري يعرف. وبالتالي باستثناء العشر الموعودين بالجنة ما تبقى من المليارات التي تأتي بعدهم لا يعدون أنفسهم بشيء لا جنة ولا جهنم. هذا هو الشيء الذي أؤمن به. لا أريد أحدا أن يحكمني بالحق الإلهي. أريد حكماً مدنياً أريد حكماً يناقش، واحد زائد واحد يساوي اثنين. فإذا كانوا واحد ونصف سأقول أين ذهبت بالنصف فلا يجيبني بالموضوع لا آيات قرآنية ولاأحاديث نبوية. هذا موضوع آخر. بالمساجد يجب أن يجيبني أين ذهب بالنصف فأنا واحد من السوريين. هذا الذي أتمناه وأرجوه في المستقبل. النقطة الأخرى وأنا برأيي إذا أردت أن تتحدث عن الإخوان المسلمين أو التيار الديني يجب ان يكون هذا التيار منزهاً تنزيهاً كاملاً عن الطائفية الدينية ليس في خطابه أو بيانه المؤلف من ثلاث صفحات وإنما في بنيانه الداخلي والتركيبة. إذا كان هناك حزب ديني، أريد أن أرى به السنة والشيعة والعلوية وغيرهم حتى أؤمن أنهم أناس حزبهم غير قائم على تركيبة طائفية وعنصرية لأن ما نشهده في العراق شيء محزن ومؤسف، ما مر به هذا الشعب العراقي للتخلص من الطاغية الذي اسمه صدام حسين وأجهزته الفاشية. لا يريدون أن يدخلوا في سجالات لأن هذا الموضوع خطير. نعد ونحسب: كم مدير مدرسة شيعي وكم مدير مدرسة سني وفي النهاية نحسب كم زبال شيعي وكم زبال كردي وكم زبال سني هذا شيء فظيع، يريدون واحد سني من أجل أن يكون مسؤول النظافة. قد لا يوجد شخص لديه خبرة أو كفاءة بمعنى يريدون أن نأتي بلباس التقدمي الغربي الخاص بالديمقراطية ونلبسه لرجعيتنا المتخلفة الموجود’ بالعصور الوسطىً. ونكون قد عدنا إلى نفس الموضوع من حيث ابتدأنا. القومية والتحرير لبوس للفساد والسرقة والتسلط والامتيازات وغيرها من الأشياء وهكذا نكون قد انتهينا من حيث بدأنا.

 

- تمر المنطقة بظروف صعبة، المشهد " الفلسطيني، العراقي، الجولان المحتل" الجولان المتبقي في يد الاحتلال، ما هو رأيك بهذا المشهد؟

- أولاً هذا المشهد جداً مأساوي وعنوان المأساة لي هو لحظة دخول الأمريكان إلى بغداد وليس إزاحة الأستاذ صدام حسين لأنه يجب أن يزاح ذلك التمثال من ساحات بغداد وأنا مؤمن منذ زمن بذلك. وأنت تعلم نحن السوريين بصورة عامة عندما كان غيرنا معجباً بصدام حسين ويكتب عنه القصائد كبطل قومي عربي وبعضهم يرى صورته في القمر وبعضهم اعتقد أن صدام ينزل المطر كان لنا كسوريين وأنا بشكل خاص موقف حاسم من هكذا نوع من النظم. وربما لعب أصدقاءنا من المعارضة العراقية الذين لجأوا إلى سوريا دورا كبيرا في ذلك حين استقروا في سوريا. بعضهم الآن في السلطة العراقية وفي مواقع حساسة، لكن عنوان المأساة بالنسبة لي هو ماجرى للعراق وللمواطن العراقي بعد الغزو ونهب متحف بغداد عندما حمى الأمريكان وزارة النفط ولم يحموا المتحف أدركت أن هؤلاء الناس ليسوا حريصين على العراق ولا يحترمونه. على العكس هم يريدون عراقاً بلا تاريخ ويريدون أن يضربوا هذا الاعتداد التاريخي عند العراقيين. العراق فخور بحضارته. أنا شعرت أنهم غضوا النظر عن استباحة هذا التاريخ ثم جاءت أنباء قتل العلماء العراقيين التي لاتزال متواترة حتى الآن ولاتتحدث عنها وكالات الأنباء كثيراً. العراق بلد استثنائي في العام لأن هناك دول عربية لديها العلماء والكفاءات العلمية ولكن ليس لديها النفط هناك بلدان لديها النفط ولكن ليس الكفاءات. العراق جمع الثلاثة وجمع الأربعة في مكان واحد. هناك العمق التاريخي العريق، العراق يمكن أن يكون قبلة للعالم في سياحة دينية وسياحة ثقافية وغيرها. والعراق لديه العلماء وجيل متعلم في جميع المجالات والمستويات. لديه فنانين كبار ولديه علماء في الكيمياء والفيزياء وعلماء في البيئة والزراعة، ولديه الماء والنفط. وكم يتمنى المرء أن تكون هذه التعددية الطائفية والعرقية في العراق مصدرا للتناغم والغنى وليس مسألة تساعد أو تدفع أو تبرر أي نوع من التقسيم في العراق. هذا مالا نريد أن نراه. كركوك، من يريد أن يحسم انتمائها السياسي. وهل تحتاج كركوك إلى حرب أهلية أخرى كي تحسم إذا كانت مع الدولة السنية، مع الدولة الكردية أو مع الدولة العربية. هذا ما يتمنى الإنسان أن يتم تجنبه والمحزن والمخيف في كل ذلك أن العراق لم يحسم أموره بعد في الاتجاه الذي يتمناه الشخص نسبياً وهذه النقطة أساسية .

أما عن المشهد الفلسطيني والجولان المحتل فالعرب فشلوا في أن ينصروا القضية الفلسطينية عندما فشلوا في معركة التنمية وهذا ينطبق أيضاً على الجولان. العالم يفهم منطق القوة لايفهم منطق الحق. فقوي على باطل له صوت مسموع في العالم أكثر بكثير من ضعيف على حق. العالم عالم مصالح والزعماء فيه يرسمون علاقاتهم بناءً على استراتيجيات اقتصادية وسياستهم ونفوذهم في العالم.

المشكلة أننا العرب لم نصنع من أنفسنا ضرورة استراتيجية يحسب حسابها بل جعلنا من أنفسنا أشخاصا معرضين دائما لإملااءت حتى في المشاريع الإصلاحية، حتى فيما هو خير لنا، يعني في تمكين المرأة من المشاركة في العملية السياسية وفي أن يكون لها الحق في الترشيح والانتخابات. تركنا هذه الأمر حتى جاء من يمليه علينا وهو جيد لنا ولكن من المؤسف والمحزن أن يكون هذا إملاء من الآخر، لأن الكرامة الوطنية تنتقص هنا. السيادة الوطنية تنتقص والمجتمع يشعر بأنه محكوم من قبل أناس ينفذون الأوامر وهم في نفس الوقت بالنسبة لهم سادة. هذه إشكالية كبيرة جداً وبرأيي سوف تخلق حالة من عدم الاستقرار لأن احترام الناس لنظام الحكم مسألة ضرورية جداً جداً لاستمرار المجتمعات والدول. حتى الفرنسي الذي لم ينتخب جاك شيراك عندما فاز شيراك في الانتخابات هو يعترف أنه رئيس الجمهورية. حتى الحزب المعارض الذي يقف ضد قانون معين في البرلمان عندما الأكثرية تقر هذا القانون، هذا الحزب المعارض لا يقول لن أطبق هذا القانون على نفسي. لا يستطيع إلا أن يطبقه على نفسه. إذاً هناك احترام للقانون واحترام للنظام السياسي واحترام للسلطة عندما يقرر وزير الداخلية بحزب معين شيئا يقدم الاقتراح للبرلمان ويتم التصويت عليه ثم يقر في بعد ذلك. حتى المعارضين لهذا القانون يلتزمون به ويحترمون وزير الداخلية في ذلك. حضارة كهذه تستمر، ليس بالمعارضة المسلحة كلما خسر حزب في الانتخابات، بل باستخدام صندوق الانتخابات والتعامل مع هذا القانون الذي أقره وزير الداخلية واستخدامه وسيلة لهزيمته في الانتخابات لأن هذا القانون أثبت فشله.

أبقى في الإطار العام. أمريكا لم تعي بعد أن الشرق الأوسط لا يمكن أن يستقل ولا يمكن إلا ان لا يكون مصدراً للعنف كما تسميه مالم تعمه العدالة، والعدالة تبدأ بحل القضية الفلسطينية، وإرجاع الجولان كاملاً إلى سورية لأن التاريخ يقول ان كل الاتفاقيات التي فرضت بحكم معادلات القوة بين المنتصر والمهزوم أثبتت أن هذه الاتفاقيات والمعاهدات كانت وقوداً لتطرف المجتمع المهزوم ولرغبته في الانقلاب عليها والانتقام لها. معاهدة فرساي بعد الحرب العالمية الأولى مع الألمان كانت تمهيداً طبيعياً لنشوء النازية في المجتمعات الغربية، لا يعقل أنهم لم يعوا ذلك، ولكنهم لا يريدون ان يطبقوا وعيهم وأن يسيروا في الطريق الصحيح. في هذا الخصوص لا يمكن القول بقتل المهاجر منطقياً بصرف النظر عن دينه أو قتل اليهودي الفلسطيني الذي اقام في فلسطين منذ مئات السنين فهو مواطن فلسطيني له كامل الحقوق ويختلف فقط بكونه يهودي والآخر مسيحي والثالث مسلم. أما المهاجر الذي جاء ليسكن أرضا ليست له بدعوة يهودية فهذا قد خلق معادلة دينية غاية في التطرف لأن هذا اليهودي أمسك أقصى حالات التطرف في النبوءات اليهودية وجاء بها إلى فلسطين وبالتالي خلق على الطرف الآخر تطرفاً مماثلاً. لا يمكن القضاء على التطرف في جهة واحدة. جورج بوش بعد أحداث 11 سبتمبر وبحماقة كبيرة تحدث عن الحروب الصليبية وهذا عين ما يريده المتطرفون الإسلاميون ليقنعوا القوى الاجتماعية التي لا تؤمن بالحروب الدينية ولا يريدون الحروب الدينية أن الخصم قال أن هذه حروب صليبية، وبالتالي من حقنا أن نقول أنها حروب دينية. وعليه يجب فهم هذا المنطق بمنظور آخر وبوعي مختلف كل الاختلاف لكي تدخل هذه المنطقة مرحلة الاستقرار والازدهار والنمو ولا تكون مصدراً للعنف سواء على الصعيد الإقليمي أو على الصعيد العام.

 

-ماذا يقول الأستاذ جمال سليمان لأسرانا في الجولان وأهله؟

- نحن نخجل حقيقة من هؤلاء. أشعر أحياناً أننا لاهون في تفاصيل كثيرة جداً جداً، لاهون فيها عن قضية الجولان. أنا لا اقدر إلا أن أنحني باحترام وأقول أن التاريخ دائماً عاش من خلال أشخاص أقدموا على التضحية هذه والتاريخ يعيش من خلالهم.

 

 - شكرا أستاذ جمال شكراً جزيلاً.

- الله يخليك، ولكن عندي ملاحظة حول الأحزاب الدينية أتمنى أن تصلهم ويفهموها. كنت أريد قول أنني لو كان لدي خيار لانتخب رئيس مجلس بلدي في منطقة أعيش فيها وكان خياري بين إمام الجامع الذي أصلي وراءه ورجل مسيحي ولكن وجدت أن المسيحي لديه كفاءات في إدارة هذه المنطقة وتحقيق مصداقية أفضل فانا سوف أذهب صباحاً لانتخاب الرجل المسيحي وآتي ظهراً لأصلي  وراء إمامي الذي لم أنتخبه