محاولة لتصور العلاقة السورية الأمريكية

 علي محمد

مع انهيار جدار برلين أطلت ذكرى الرئيس كنيدي على الأمة الأمريكية، وبدا تحقيق ما صبا إليه ((وضع نهاية للحرب الباردة))، وتحجيم مؤسسات أمريكية تقتات على تلك الحرب، ودعم مرافق تمس المواطن مباشرة كالصحة والتعليم. بدا ذلك تحصيل حاصل فالنصر كبير، والنشوة عارمة، وثمة فائض كبير من القوة ينصبها كدولة قائدة للعالم. لكن ثمة فراغ أغرى القوة الأمريكية باحتلاله منفردة، وثمة سجادة سيادة على المعمورة.

ماذا تختار أمريكا!؟ قيادة العالم ورعاية التشارك الكوني، أو التفرد بالسيادة؟ اختلاف وجهات النظر الأمريكية لم تعد بعد مكبوحة برادع خارجي، وحل ترقب أطل فستان مونيكا لوينسكي ليعلن عن بدء صراع داخلي، ومن نوع جديد على السلطة كان الفستان هو الراية التي أعلنت دخول الولايات المتحدة اختبارا من أخطر الاختبارات التي تتعرض لها الأمم: حيازة قوة لا رادع لها. تكتشف أمريكا خطورة الصراع الداخلي، وتبحث عن مخمد خارجي له، ويهب الحادي عشر السبتمبري الفرصة، فيقرر الثور مناطحة ضفدع راح يسقيه ماء دعايته ليحوله إلى بقرة أعلن الحرب عليها.

لكن ذلك المسكن تحول إلى مادة راحت تغذي الصراع الداخلي الأمريكي على السلطة.

التشاركية الدولية في خطر، والاستقرار الدولي في خطر، والديمقراطية الأمريكية في خطر، والحديث عن فاشية كونية تنمو، ما عاد من ضروب الخيال. إسرائيل المجاورة عاشت تجربة مشابهة بعد اضمحلال القوة العربية، اغتيل رابين واحتدم الصراع الداخلي فيها بين خيار القيادة بالقوة، وبين القوة القائدة، فأطاح بمعايير كانت راسخة لعقود، ودار الحديث عن حرب أهلية محتملة على أكثر من لسان، وتم البحث عن مخمدات للصراع، فأطلقت تهديدات بقصف طهران بالنووي وبتدمير سد أسوان، واستفز الفلسطينيون بضراوة لحمل السلاح إلى جانب الحجر. وعندما فعلوا اتهموا بالإرهاب، وأعيد احتلال الضفة والقطاع. ستستمر الولايات المتحدة في البحث عن مخمد خارجي، وسيمارس جنرالاتها هواية الألعاب النارية كما فعلوا في كابول وبغداد وبلغراد، وصولا إلى كارثة بشرية عامة، أو إلى أن تبرهن الديموقراطية الأمريكية على عراقتها وتهزم هذه الحالة كما هزمت المكارثية.

لا يلوح في الأفق القريب ما يبشر بولادة قطب قوة قادر على كبح القوة الأمريكية.

هناك احتمالات، لكنها تحتاج إلى وقت. لذلك يتوجب على الحاكم العربي، وعلى القيادة السورية تحديدا أن تحذر الخطر الإضافي القادم من فوضى ذلك الصراع الداخلي، فمعاييره مختلفة عن تلك التي حكمت العلاقات في مرحلة وجود رادع سوفييتي.

الصراع مع أمريكا ليس عسكريا، بل يدور حول قابليتنا لأن نحكم مباشرة بالإرادة الأمريكية، وإذا كانت المسابر الأمريكية المتنوعة تشير اليوم إلى أن سوريا لم يكتمل تحضيرها بعد وبشكل يناسب المبضع الأمريكي، فإننا يجب أن لا نغفل عن جهود حثيثة ستبذل للوصول بنا إلى تلك الحالة (كما العراق إبان نهاية حملة بوش الأب عليه)، جهود ربما تلمسنا أو نتلمس بعضها لكن المؤكد هو أنها ستحاول التسرب والاختراق من مكامن الضعف فينا، وهي كثيرة.

خط الدفاع الرئيس لنا: هو تماسكنا كمجتمع يعي هويته، ولا يقبل بديلا لها، وطالما كنا كذلك فإن فاتورة قهرنا ستكون باهظة. باهظة لأن وحش القوة الأمريكي ما زل بحاجة لقناع الحرية والديموقراطية، ويخشى كثيرا أن يجرد منه، فأمريكا لا تختصر بالمحافظين الجدد. صحيح أن ثمة تشابه بين نشوء الولايات المتحدة، وبين نشوء إسرائيل، وصحيح أن عشرات الملايين من سكان أمريكا الأصليين قد تمت إبادتهم، وصحيح أن الأمريكيون هم الداعم الرئيس لإسرائيل، وأن المحافظون الجدد هم حلفاء لليمين الإسرائيلي المتطرف. لكن الشعب الأمريكي يختلف كثيرا عن نظيره الإسرائيلي المشبع بارتباط بقائه بممارسته للعنف. الشعب الأمريكي أنهى الحرب الفيتنامية، وساهم نضال العمال الأمريكيون في انتزاع يوم عمل بثمان ساعات، وقدم الأمريكيون على صعيد الحركات النقابة، والدفاع عن الحقوق المدنية وتكريسها بعضا من الأهم في التراث الإنساني، وثمة أسماء أمريكية رائدة في الدفاع عن الحرية، ثمة مسرح وغناء. روايات وأفلام تمجد الحرية والعدالة، وثمة ثلاثة آلاف قصيدة لشعراء أمريكيون تدين غزو العراق نشرت قبل وقوعه. كل ذلك وأكثر بكثير تحول إلى مادة صلبة تشغل حيزا من البنية التحتية الأمريكية.

المحافظون الجدد يخوضون حروبا في الخارج، وحربا ضد إرث أمريكا الإنساني في الداخل، والمجتمع الأمريكي مازال قادرا على كبحهم إذا هم أسفروا عن وجههم الحقيقي.

ربما تلك هي إحدى قوى الردع الرئيسة المتاحة اليوم، والتي يجب أن نعمل عليها. في التعاطي مع الحالة الأمريكية الراهنة يجب الحذر من السقوط في الفاعلية الثأرية. الآلام التي في ذاكرتنا التاريخية كبيرة، فهي تكتظ بجرائم من طراز رفيع: الحروب الصليبية، واغتصاب فلسطين والاستعمار والقهر الداخلي. كل ذلك يولد حالة نفسانية تضغط على الفكر لتحصل على أفضلية شبه دائمة، يصبح التعاطي مع الواقع مادة لإشباع تلك الحالة. تلك هي الفاعلية الثأرية التي تقود إلى التطرف وباتجاهين: الأول يتبنى معاداة كل الولايات المتحدة ويعتبرها مطلق شر، والثاني ينهار تحت ضغط الواقع فيحول الثأرية إلى الداخل، ويقرر التحالف مع الثور الأمريكي، كما يفعل ليبراليون جدد من أصول عربية اليوم، متماهين في رؤيتهم مع الديمقراطيون الجدد، سياسيا واقتصاديا!.

حري بنا أن نكون محصنين من الثأرية الوخيمة العواقب: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)). عندما وصف الوزير الشرع الغزو الأمريكي للعراق في واحدة من جلسات مجلس الأمن بأنه: ((سطو مسلح))، كان موفقا وأمينا في تمثيل الشخصية السورية وهو يقول ذلك، فالمرونة السياسية ليست في التخلي عن صوتنا، لقد سمعت الولايات المتحدة أو قرأت خطاب معظم طيف المعارضة السورية، وهو خطاب بمستوى صلابة خطاب الوزير الشرع أو يزبد حول العراق وفلسطين وسوريا، وتوافق الخطابين هو ما يشكل القسم الأهم من درع حماية سوريا في وجه المخاطر التي تهددها، وطالما يعكس الموقف السوري هذا التماسك فإن فاتورة قهرنا ستكون باهظة التكاليف، وستعمل أطراف أمريكية وإسرائيلية على خلخلة هذا التماسك، وربما سيكون محور هجوما الرئيس: هو خلخلة كل من السلطة والمجتمع السوري، وفي هذا المجال سيكون الفساد في سوريا هو الحليف الأهم للجهد الأمريكي الإسرائيلي المشترك.

علينا أن ننظف عتبات بيوتنا ناهيك عن سجوننا، وعلينا أيضا أن نخطط لمد يد الصداقة إلى حلفاء لنا. إلى مؤسسات المجتمع المدني التي نظمت وقادت مظاهرات شعبية عارمة ضد غزو العراق، وضد العولمة المتوحشة، وكانت خلف ذلك الاستفتاء الشعبي الأوروبي الذي أدان إسرائيل، وأن نمد في الوقت نفسه يدا محاورة لشرائح التطرف في مجتمعاتنا. كيف نفعل كل ذلك؟، ومن سيفعل ذلك؟. تلك مسائل استراتيجية انطلاقا مما نحن عليه، ونحن أحيانا نربح في التكتيكي، لكننا نخسر غالبا في الاستراتيجي.

ثمة من قال: أن توجو رئيس وزراء اليابان إبان الحرب الكونية الثانية أخذ قراره بدخول الحرب ضد أمريكا، انطلاقا من أن اليابان ستكون مهزومة لا محال عند نهاية تلك الحرب سواء خاضتها أولم تخضها. وأنه اختار الحرب لأنها ستعطيه أفضلية عسكرية في الأشهر الستة الأولى، يمكن استخدامها كورقة تفاوض من أجل صيغة تحد من خسائر اليابان المفترضة عند نهاية تلك الحرب. الاستراتيجية الأمريكية المقابلة بنيت على معرفة دقيقة لمنحنى نمو الطاقة الأمريكية ولنظيره الياباني، فرفضوا التفاوض في فترة الضعف، ثم رفضوه وهم في القوة، ولم يقبلوا بأقل من استسلام اليابان بدون قيد أو شرط.

كلاهما تبنى استراتيجية، وكلاهما أنتج سياسة لخدمة استراتيجيته، لكن الذي ربح كان ذلك الذي حددت سياسته أهدافا يستطيع بلوغها بوسائطه، وخسر من لعب إرثه الثقافي والسلوكي دورا في استساغته لاحتمال ضعيف وقامر عليه.

ما كان حاضرا في رسم الاستراتيجيات، والسياسات تلك. عبر عن نفسه في المستويات الأدنى، ومنها الصراع العسكري. فقد ساهمت أخطاء نمطية يابانية قدمت من الموروث الثقافي والسلوكي في خسارة معارك كان التفوق الميداني واللوجستيكي فيها يابانيا.

عندنا أيضا سيكون السؤال والجواب، الاستراتيجية والسياسة، المشاكل والحلول من نتاج الوعاء التربوي السلوكي، الوعاء الذي يمثل ويحتوي أهم عوامل تخلفنا.

لقد أدرك الغرب الديموقراطي أن الفرد هو المنتج الأهم، وأن كفاءة ذلك الفرد هي الفيصل في الربح وفي الخسارة. وأدرك أن كفاءة الفرد تستند على محاور عديدة ومتنوعة تكون شخصية الفرد، وأن مهمة التربوي السلوكي هي منح كل من تلك المحاور ما هو لازم لحيازة الكفاءة، وأهم تلك المحاور هو قناعة الفرد بأن حقوقه مصانة. التربوي السلوكي هو حجر الأساس في بناء كل استراتيجيات الديموقراطيات, يجب أن نعيد النظر في مناهجنا التعليمية ((جون كنيدي عندما علم برحلة غاغارين)).

في المجتمعات الفقيرة، وفي تلك المتخلفة: تهمل معظم المحاور إلا واحدا يتم التركيز عليه وحقنه بالطاقة المتوافرة ليحقق بروزا ما للشخصية. ربما من هنا تولد نزعة الاستبداد عند معظمنا أو كلنا. فواحدنا ينشأ على استبداد نفسه إذ ثمة حالة طوارئ ذاتية معلنة تعززها حالة الطوارئ خارجية معلنة أيضا. تكرس الشخصية معظم الطاقات المتوافرة لديها لخدمة هدف رئيس، ويهمل ما سواه وبإجحاف. لاحقا وبعد صبر طويل تتظاهر الجوانب التي قمعت في الشخصية، يتظاهر العبيد داخل النفس البشرية فيجري قمعهم كي لا تنهار صورة الشخصية أمام الخارج.

هكذا نجد أفرادا يتمتعون بتوازن وبغنى كبير في شخصيتهم، وقادرون على إدهاشنا بشدة اضطرابهم وبفقرهم المدقع في الجوانب الأخرى لها. نحن نجلس الشخصية على خازوق ونستغرب لماذا هي قلقة. هل نحن في السياسة والاقتصاد، في الصحة وفي الهندسة، في العقائد وفي الصراع. هل نحن كذلك!!؟. إذا كان الجواب نعم، فإنه يسهم في الإجابة على سؤال قديم طرحه الشارع السوري عموما، وهو سؤال مقارب لأحجية الإستراتيجي التكتيكي تلك: لماذا نتفوق كأفراد في كل بقاع المعمورة، ونفشل كجماعات في بلداننا؟. إذا كان الجواب نعم، فإنه يفسر نقص الكفاءة على العموم، ويعطي الفرصة للقول أن من هزم حزيران كان المجتمعات العربية، وأن الهزيمة كانت كامنة فيها تنتظر حاويا.

إذا كان الجواب نعم، فإن قليلا من الخيال، وبعض الترتيب كافيان لإخبارنا: كيف أن النخبة عندنا ومنذ قرون تشبه صومعة تعلو بيتا من الصفيح الصدئ. ولماذا انفصلت تلك النخبة المتخلفة عن مجتمعها المتخلف، وكيف تصارعت في ما بينها على السلطة فقط.

إذا كان نعم، فإن ما يجب إصلاحه أولا هو: الثقافة وليس الثقافي. هو السياسة وليس السياسي.

من سيفعل ذلك، من سيواجه الخطر الذي يلوح في الأفق، وكيف؟.

إنه نحن، ونحن جميعا نعاني نقصا في الكفاءة. لكن دائما هناك الفرصة لفعل الأفضل الممكن، ونحن اليوم في وضع لا تنفع فيه عبارة: ماشي الحال. إذا كان حملة العلم الأمريكي من المعارضة العراقية نتاجا موضوعيا بل وطبيعيا للحالة العراقية، وهم كذلك 0فإن ذلك المنتج أضاف النخاسة وبالجملة إلى الاستبداد.

ويفتي لنا نظرائهم من سوريا وغيرها: إن الهزيمة سافرة وتظهر سرتها للعين المجردة، وهم جاهزون لقيادتنا بمسيرة طوعيه إلى محراب الفوضى الشاملة، وتبشر ناشطة منهم المرأة العربية ((الطباخة المساحة))، تبشرها بأنها: ستعلمها الديمقراطية.

الديموقراطية مقرر تعليمي. ياله من خيال. وهكذا ستحل كل المشاكل وباستخدام الفانوس السحري الأمريكي.

ثمة خطوة إيجابية تسجل لصالح المعارضة السورية في إطار النهوض من ضعفها وتخلفها. فهي وإن كانت ما تزال تخوض صراعا مريرا مع نفسها للتحرر من إرثها الشمولي، ومن عزلتها عن المجتمع ومن نرجسيتها، من ضعف خيالها ومن عشقها لسردها الممل. فإنها أبصرت وبحصافة أن الاعتدال، والنأي بالنفس عن التطرف هو أكرم للنفس وللغير، وهو الأنسب للخروج من صومعة القداسة.

المعارضة السورية تنتقد السلطة منذ فترة طويلة د=740 لكن الجديد في نقدها هو أنه بدأ يوصف، ويخرج من فوضى الأفكار إلى الملموس الواضح: مؤسسات حكومية تكرس سيادة القانون، ومنظمات غير حكومية تراقب ذلك المسار وتقدم اقتراحاتها لتصويب الانحرافات. قدمت تلك التصورات كإسهام في مشروع للإصلاح في سوريا. المعارضة تبنت العلنية، والعلنية تعني أن ينطلق متبنيها للعمل من حجمه الطبيعي على أرض الواقع (وهذا مخيف ويحتاج لجرأة)، وأن يتبنى أهدافا يمكن الوصول إليها، وهذا يعني أن حجم الكذب في السوق لا بد له أن يتناقص. طرحت المعارضة أيضا جدلية القوة والضعف، فالضعف سمة مشتركة للسلطة وللمعارضة، وسوريا قويه لن توجد إلا بنمو القوتين معا كمدخل لإطلاق مزيد من طاقة المجتمع.

قال الشاعر السوري الراحل بدوي الجبل قبل نصف قرن في قصيدته: اللهب القدسي، والتي كانت أوجاع تجربته السياسية محرضا رئسا لها:

يطير ما انسجما حتى إذا افترقا هوى ولم تغن عن يسراه يمناه نخلص مما سبق إلى القول بأن صناعة الفرد يجب أن تكون على رأس سلم أولوياتنا.

إذا مشينا في هذا الطريق فإن استنباط السياسة المناسبة لمواجهة الخطر الأمريكي الإسرائيلي سيكون حاضرا، وإن لم نفعل فإن أية سياسة نستنبطها ستكون عقيمة.