سورية والمجتمع الدولي طبيعة الأزمة ومكوناتها 

 عبد الله تركماني

احتلت سورية طوال العقود الثلاثة الماضية، بسبب موقعها الجغرافي ودورها السياسي، موقعا إقليميا متميزا، ربما يفوق قدراتها الاقتصادية والبشرية، وهي في ذلك تعاملت باقتدار مع الكثير من الأوراق، من مثال الورقة الفلسطينية واللبنانية والعراقية، لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية. ولكنّ مشكلة سورية أنّ تغيّر الظروف الدولية والمعطيات الإقليمية حوّل هذه الأوراق من ذخر استراتيجي إلى عبء ثقيل عليها، وربما إلى تهديد لها. فالسياسة السورية التي اتسمت دائما بالمواجهة بين المثل القومية العليا وبين ضرورات الواقع، وجدت نفسها مطالبة بالاستجابة لضغوط وتحديات، وكذلك لانتهاز فرص قد لا تتكرر كثيرا.

إنّ كل مطلع على السياسات السورية، بعدما حصل من متغيّرات عالمية وإقليمية انتهت بموجبها مناخات الحرب الباردة والأهم بعد احتلال العراق وما أحدثه من تغيّرات جيو - استراتيجية، لن يجد أي جديد في حركتها الراهنة، بل ثمة استمرار وإصرار على معالم النهج القديم في تعاطيها مع المشكلات والأزمات الإقليمية.

ولكن يتضح الجديد في عمق مأزقها الراهن وانكشاف حجم الهوة على نحو فاضح بين ما تدعيه وما تستطيعه، وقد ضاق هامش مناوراتها عالميا وعربيا إلى حد لم تعهده منذ عقود وانعكس اضطرابا وارتباكا في مواقفها، لتتأرجح بين تعبئة شعاراتية لحقن روح التحدي، وبين مماطلة وتسويف ورهان على عامل الوقت وترقب ما يستجد من أحداث لعل بالإمكان تجيير بعض نتائجها بما يحافظ على الوضع القائم ويضمن أقل الخسائر والأضرار، فضلا عن إبداء مرونة عملية في تقديم بعض التنازلات إقليميا لتحسين فرص الحوار والتفاهم مع الإدارة الأمريكية، ولا بأس في هذا السياق من العزف على وتر التحذير بأن المس باستقرار سورية هو الأسوأ للمصالح الأمريكية أمام ((خطورة)) تيار إسلامي يتحين الفرصة للانقضاض على السلطة والمجتمع.

#التغيّرات الدولية واستحقاقاتها:

بعد أن شهدت العقود القريبة الماضية تفجر ثورة المعلومات والاتصالات، أضحت ‏العلاقات الدولية في ظلها أكثر تشابكا وترابطا، إلى درجة فقدان الجغرافية السياسية حدودها وتخومها الكلاسيكية. فالنظام ‏الدولي الجديد الذي تشكلت أولى ملامحه إثر سقوط جدار برلين، وتوضحت صورته أكثر مع جريمة 11 ‏أيلول/سبتمبر 2001، وتجسدت أكثر فأكثر مع الحروب الاستباقية لإدارة الرئيس بوش في كل من أفغانستان و‏العراق، أفرزت معادلة دولية جديدة.

باختصار يبدو أنّ الولايات المتحدة الأمريكية في ظل العولمة، والتنافس المحموم على المنطقة ومواردها، وبعد أن خرجت عن سيطرتها قوى الإرهاب التي رعتها خلال عقود من السنين، واستخدمتها خلال الحرب الباردة لتسخين بعض الجبهات مع الاتحاد السوفياتي السابق، ونظرا لتنامي الشعور بكراهية أمريكا لدى العرب، من جراء دعمها وانحيازها الفاضح لإسرائيل، وسلوكها ومواقفها المذلة للعرب، ودعمها للأنظمة الاستبدادية العربية، بذريعة المحافظة على استقرار المنطقة، كل ذلك وغيره دفع صناع السياسة الأمريكية للنظر في تغيير استراتيجيتهم تجاه المنطقة.

وفي هذا السياق، أوصلت أخطاء السياسات السورية الحال إلى ما هي عليه، إذ كانت في معظمها استراتيجية ومميتة، وكانت نتيجة رفض صانعي قرارها الاعتراف بالمتغيّرات الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة وعدم رغبتهم في تفهم الأجندة الأمريكية بعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001 مما أدى إلى تدهور علاقاتها مع الإدارة الأمريكية.

فمع وصول إدارة الرئيس بوش الجمهورية ذات التوجهات اليمينية في أوائل عام‏ 2001 ‏ ورحيل الرئيس حافظ الأسد في حزيران/ يونيو ‏2000‏ واندلاع الحرب الأمريكية ضد الإرهاب ‏ وأخيرا الاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان/ أبريل ‏2003‏ دخلت سورية، دورا ومكانة، في دائرة الاستهداف الأمريكية‏.‏ وبالنسبة لإدارة بوش الحالية فإنّ الدور السوري الإقليمي عموما، وفي لبنان تحديدا، لم يعد مقبولا ولا يستند إلى مقومات حقيقية ويعود إلى عالم موروث لم يعد قائما هو عالم الاستقطاب الثنائي خلال الحرب الباردة ولا يأخذ في اعتباره المستجدات الجديدة على الساحتين الدولية والإقليمية‏، ممثلة في هيمنة الولايات المتحدة عالميا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في العام‏ 1991‏ وحربها ضد الإرهاب بعد ‏11‏ أيلول/سبتمبر 2001 ووجود قواتها في العراق إقليميا‏.

وقد بدأت أولي خطوات استهداف سورية ـ عمليا ـ بإصدار الكونغرس الأمريكي قانون محاسبة سورية وسيادة لبنان في تشرين الثاني/ نوفمبر ‏2003، ‏ ورغم أنّ العراق كان الدافع وراء إصدار هذا القانون علي خلفية الاتهامات الأمريكية لسورية بدعم المقاومة العراقية وإيواء بعض عناصر النظام السابق‏، ‏ وتهريب النفط العراقي، إلا أنّ لبنان كان هو السبب الرئيسي وراء المصادقة علي هذا القرار‏.‏ وهو ما أكدته السياسة الأمريكية لاحقا من خلال إصدار قرارات مجلس الأمن ‏1559‏ و1636 1644 التي تدعو إلي انسحاب جميع القوات الأجنبية‏ وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحماية سيادة لبنان وتفكيك الميليشيات فيه، وإلى التعاون السوري ((غير المشروط)) مع لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.‏

فيما مضى أجمع المحللون الاستراتيجيون على ربط ضغوط الولايات المتحدة الأمريكية على الحكم في سورية بحاجتها لتحوير دوره الإقليمي في خدمة مخططاتها، بما في ذلك مقايضة صمتها عن سياساته الداخلية وهيمنته على لبنان بتنازلات يقدمها في صيغ تعاون صريح وملموس لضمان أمن العراق واستقراره، لكن بعد الانتخابات العراقية والنهج السلمي للقيادة الفلسطينية الجديدة، والنجاح في طي ملف الخلافات الأمريكية ـ الأوروبية حول العراق، ووحدة موقفيهما من تطبيق قرارات مجلس الأمن الآنفة الذكر. بعد كل ما سبق تبدو الإدارة الأمريكية أكثر تحررا من بعض أعبائها ومن حاجتها للمقايضة والتفاهم، ما يشير ربما إلى بداية مرحلة جديدة في العلاقات السورية - الأمريكية عنوانها المواجهة.

ومن البديهي أنّ ثمة نوعا من الغطرسة والصلف في تعاطي إدارة بوش مع سورية، كما مع غيرها من دول العالم. ولا جدال أنه من حق أية دولة في العالم، وسورية ضمنها بالطبع، الدفاع عن حقوقها ومصالحها ورؤاها في مواجهة محاولات الهيمنة أو الإملاء الأمريكية، لا سيما إذا كانت معطوفة على السياسة الإسرائيلية.

#التغيّرات الإقليمية واستحقاقاتها:

كانت سورية، منذ أربعينيات القرن الماضي، مسرحا تتصارع عليه وحوله الأدوار من قبل أطراف عربية ودولية، ذلك الصراع الذي كان محركا لانقلابات عديدة شهدتها سورية في تلك الفترة‏.‏ لكن منذ مطلع السبعينيات نجحت في بناء دور إقليمي بارز ارتكز على مقومات عديدة وظروف مواتية، ‏ وتمثلت مهارة الرئيس الأسد الأب في ملء فراغ القوة الناشئ في المشرق العربي عقب غياب مصر بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل وتورط العراق في الحرب مع إيران‏.

ولم تؤثر نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي السابق كثيرا على الدور السوري بل علي العكس، ‏ فحاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى مشاركة سورية في تحالفها ضد العراق في حرب الخليج الثانية، من أجل تأمين شرعية عربية للحرب، جعلها تتغاضى عن توسيع الدور السوري في لبنان، وطوال التسعينيات نجحت سورية في أن تصبح أحد أضلاع مثلث القيادة في النظام العربي إلى جانب مصر والسعودية، واستمرت في تحالفها مع إيران في الوقت الذي حافظت فيه علي شعرة معاوية مع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إدارة الرئيس كلينتون الديمقراطية.

ولكن، منذ خريف العام 1998 بدأ الفقدان السوري للأوراق الإقليمية، مع خسارة ورقة أكراد تركيا من دون الحصول على أي مقابل في ظرف أزمة كادت تنذر بحرب بين البلدين، فيما لم تستطع سورية في عام 2003 أن تلعب دورا بالأزمة العراقية وحربها شبيها بما لعبته بالأزمة الكويتية وحربها، بل خرجت خاسرة من اللعبة لتصبح محاصرة من الشرق بجنود القطب الواحد للعالم الذي أصبح حاضرا إقليميا، وهو ما أدى إلى تغيير كامل اللوحة الشرق أوسطية وخاصة مع اتجاه الإدارة الأمريكية، بعد حضورها المباشر إلى المنطقة، لإعادة النظر بالأدوار الإقليمية لدول المنطقة، الشيء الذي استطاعت القيادة الإيرانية حرفه مؤقتا، منعا من أن تكون البند الأول في جدول الأعمال الأمريكي، عبر سياساتها الأفغانية والعراقية الإرضائية للأمريكيين، فيما وقع الحاكم السوري في المطب عبر التمديد للرئيس اللبناني، مع أن مؤشرات كثيرة برزت في صيف العام 2004 كانت توحي بازدياد التوتر الأمريكي إزاء سورية بسبب سياساتها العراقية والفلسطينية، والتي انبنت - أي هذه السياسات - على تجاهلٍ لما قدمه وزير الخارجية الأمريكية باول في زيارته لدمشق بعد أسابيع من سقوط بغداد، في محاولته لإثبات أنّ الإقليمي مازال قادرا على كسر إرادة الدولي في المنطقة، كما جرى في عامي 1982 و1983 في لبنان، الشيء الذي ثبت الفشل الذريع له في فترة ما بعد 14 شباط/ فبراير 2005 عندما حصل العكس لما جرى في لبنان الثمانينات، لمّا أجبرت الشرعية الدولية سورية على الخروج من لبنان.

لقد واجهت سورية إثر تسارع المتغيرات الدولية، عقبات كبيرة في وجه دورها الإقليمي، وتوجهاتها وسياساتها الخارجية عموما. وكان ذلك نتيجة متغيّرات مهمة في بنيان النسق الدولي، وتوجهات السياسة الدولية، في عصر هيمنة القطبية الوحيدة، وتراجع دور الأنساق والنظم الفرعية، كالنظام الإقليمي العربي، وتراجع دور المنظمات والمؤسسات الدولية، التي طالما استندت عليها دول عالم الجنوب في تدعيم مراكزها. ومما يزيد من هذه العقبات تداخل الملفين السوري والإيراني ضمن الأجندة الدولية، فالإدارة الأمريكية تبحث عن ((أفضل الوسائل للتعامل مع التهديدات والتحديات التي يواجهها المجتمع الدولي بسبب خروج كل من سورية وإيران عن السياق الإقليمي والدولي وتهديدهما لأمن واستقرار المنطقة والعالم)).

#مكوّنات الأزمة السورية مع المجتمع الدولي:

منذ بداية تسعينيات القرن الماضي بدأت صياغة نظريات من القوى الكبرى تؤثر بالضرورة في الشأن الداخلي للدول الأخرى، كما بدأت مناقشة هذه النظريات في منابر ومنتديات سياسية، دفعا بها لتتبلور في توجهات سياسية عالمية جديدة، منها نظريات تراجع الدولة القومية، وتقلص سيادة الدولة، والتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول لأسباب إنسانية، واعتبار ممارسات الاعتداء على حقوق الإنسان قضايا جنائية، من حق المؤسسات الدولية أن تأخذها على عاتقها.

وفي الواقع، فإنّ العلاقة بين الداخل والخارج تثير إشكاليات كثيرة، فمن الناحية الواقعية والموضوعية من الصعوبة بمكان الفصل بين ما هو داخلي وما هو خارجي في الظروف الدولية الراهنة، حيث يشهد النظام الدولي تحولات انتقالية نحو نظام جديد ومفاهيم جديدة. مما يستوجب: أولا، ((التكيّف الإيجابي)) مع التحولات الدولية على قاعدة تغليب لغة المصالح على لغة العقائد والأيدولوجيا، في العلاقات الدولية. وثانيا، ينبغي الاعتراف بمصالح الآخرين واحترامها، في الوقت الذي نطالب الآخرين باحترام مصالحنا الوطنية. وثالثا، رؤية جديدة للعالم الراهن، عالم العولمة، بمنظار مفاهيمه الخاصة الأساسية. فمن غير الممكن التعامل مع عالم اليوم، عالم المصالح، بلغة ومفاهيم الحرب الباردة، فلا بد من العمل على إنتاج فكر جديد، يؤسس لرؤى خلاقة بحثا عن المصالح العليا للوطن والأمة.

إنّ التعاطي المجدي مع التدخل الخارجي هو الذي يقدم أسسا لاحتواء هذا التدخل، بمنعه أو بتقليص أثره إلى أدنى الحدود، فالتدخل الخارجي أصيل في النظام الدولي وهو مترتب على توازن القوى، وقد غدا، منذ نشوء ظاهرة الاعتماد المتبادل والشركات العابرة للقارات وثورة الاتصالات والمعلوماتية، أمرا شائعا، وهذا فرض تغييرا على مفهوم السيادة الوطنية التي باتت تعني التأثير في الخارج بقدر أو أكثر من تأثير الخارج في الداخل. والسياسة الناجحة هي التي توفر مقوّمات هذا التأثير بحيث توازن التدخل الخارجي بدور إيجابي في العلاقات الإقليمية والدولية، وإقامة شراكات إقليمية ودولية ناجحة، وخلق مصالح مشتركة مع الخارج بحيث يصير بقاؤها مطلبا إقليميا ودوليا. وهذا أفضل إنجاز يمكن أن تحققه دولة ما حماية لداخلها من تأثير الخارج، وهو يختلف جذريا عن المبارزة الكلامية والتذرع بالمبادئ، فأساس السياسة الدولية هو المصالح، وهدفها ليس تحقيق العدل والمساواة بل تحقيق المصالح.

وفي هذا السياق، تبدو الدول الضعيفة أكثر تمسكا بالقانون الدولي لأنه يشكل نوعا من الضمانة لوجودها واستقرارها، في حين لا تعير الدول القوية اهتماما كبيرا لهذا القانون بحكم قدرتها على حماية نفسها ومصالحها بإمكاناتها الذاتية.

إنّ الإشكالية التي باتت تواجه سورية هي أنّ الإدارة الأمريكية عملت على محاصرتها بحزمة من القرارات الدولية، حيث تمكنت من قلب معادلة الصراع من خلال وضعها خارج حظيرة الشرعية الدولية والدخول إليها بدلا منها. وهذا ما جعل من الأسهل عليها إدارة الصراع مع سورية وعزلها تمهيدا ربما لضربها عسكريا، متسلحة في كل ذلك بإجماع دولي وتصريح من مجلس الأمن لمعاقبتها على عدم تعاونها في تطبيق القرارات الدولية، وهذا شرط لم يتحقق لواشنطن في الحال العراقية.

إنّ عودة سورية للاحتماء بمظلة الشرعية الدولية سينزع من يد الإدارة الأمريكية الحجج والذرائع التي تستخدمها لعزلها وإيذائها، أما الاستمرار بالشكوى من ازدواجية المعايير الدولية فلن يفيد كثيرا لأنّ النظام الدولي مبني - في الأساس - على القوة وليس على المبادئ.

إنّ تشكيل لجنة التحقيق الدولية لكشف حقيقة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقرارات مجلس الأمن والتداعيات التي لحقت ذلك وما زالت تتواصل، كل هذا يشكل تطورا واسعا لمفهوم العدالة الجنائية التي أصبحت تتجاوز مجالها الوطني الداخلي إلى آفاق دولية غير مسبوقة. وهو الأمر الذي سيرتب نتائج خطيرة على الصعيدين السياسي والقانوني: فعلى الصعيد السياسي، يعتبر هذا التطور امتحانا عسيرا لمفهوم السيادة الوطنية بقدر ما يفتح الباب واسعا لمجموعة من الانتهاكات لمظاهر هذه السيادة. أما على الصعيد القانوني، فإنّ مفهوم العدالة الدولية أصبح يترسخ يوما بعد يوم بديلا محتملا للعدالة الوطنية تطرحه القوى الكبرى وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية حين تعجز أو تتراجع هذه العدالة الجنائية الوطنية.

وفيما يتعلق بلجنة التحقيق الدولية باغتيال الرئيس الحريري، فإنّ كل المواقف على الصعيد الدولي تدور حول مسؤولية سورية كونها الدولة التي فرضت وصايتها على لبنان وكانت مسؤولة عن تفاصيل الوضع فيه، وأقل ما يمكن أن تقوم به هو التعاون من أجل إظهار أنّ لا شيء تخفيه لتبرئة ساحتها دوليا. ولا يمكن لسورية على نحو خاص في هذه المرحلة الظهور بمظهر المعرقل أو غير الملتزم بالقرارات الدولية.

وبصرف النظر عما سيسفر عنه التحقيق الدولي، فإنّ أخطر ما ‏يمكن أن تتعرض له دولة ما هو أن تضطر مواجهة تحالف أوروبي ـ أمريكي ضدها. ولا ‏يمكن لأي نظام، مهما كانت الحيثيات والدوافع والتبريرات، أن يتحمل مثل هذا التحالف، ومن باب أولى أن ‏يسمح بنشوئه أو أن يدفع إليه، فهو يعني ـ لا أكثر ولا أقل ـ أنه يدين نفسه بالعزلة العالمية ويسد أمامه جميع ‏الآفاق. وفي منطقة مثل المنطقة العربية الخاضعة، بشكل لا مثيل له في أية منطقة أخرى، للهيمنة ‏الأمريكية ـ الأوروبية، التاريخية والمكشوفة معا، يعني مثل هذا الموقع، أكثر من ذلك، عزلة إقليمية كبيرة ‏أيضا، وبالتالي تعليق النظام نفسه في الفراغ.

‏ كما يصح القول إنّ قرار مجلس الأمن رقم 1644 وضع السياسة السورية في موقع لا تحسد عليه، بخلاف الأوهام والادعاءات الرسمية بأنه ((كان انتصارا)). وقد أظهر إصرارا حاسما للمجتمع الدولي على كشف ملابسات حادثة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ودعما لتقريري لجنة التحقيق الدولية المتتاليين وما يتضمنانه من رفض المماطلة والتسويف وتوجيه إصبع الاشتباه ـ مداورة أو مباشرة ـ لشخصيات سورية بعضها يحتل مواقع حساسة في المؤسسة الأمنية. والأهم أنه أكد مجددا على وضع القضية في إطار الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة إذا لم تستجب الحكومة السورية للتعاون الكامل وغير المشروط. وهذا الأمر يضيّق هامش الحركة السورية إلى أبعد الحدود أمام صلاحية معطاة لمجلس الأمن في فرض أقصى العقوبات، وحتى استخدام القوة ضد طرف صار يعتبر بصورة أو بأخرى مصدر تهديد للأمن والسلم الدوليين.

وإذا كان إجماع مجلس الأمن على القرار رقم 1636 أثار بعض الالتباس حول دور أممي ((متآمر)) على سورية لم توفره السياسة الرسمية لحشد وتعبئة الناس، فإنّ القرار 1644 والتدخل الفاعل لروسيا والصين والجزائر لتخفيف حدة المشروع الفرنسي والأمريكي ووقوفهم بوضوح ضد ما يمكن اعتباره تحاملا على سورية، يفترض أن يزيل هذا الالتباس تماما ويعيد بناء الثقة في الشرعية الدولية ويحترم المسافة بوضوح بين مجلس الأمن والسياسة الأمريكية.
فما يجري من تطورات في مجلس الأمن لا يعود إلى مخطط أميركي للنيل من سورية وسياساتها، بل يرتهن بقضية محددة هي جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، ويضع أسسا واضحة لتعاون السلطة السورية من أجل استكمال التحقيق وتسمية الجناة.

وإذا كانت السلطة في العام الماضي قد استطاعت أن تدير الأزمة المتعلقة بالتحقيق الدولي في الجريمة بنجاح نسبي، مستفيدة من فضيحة الشهود الذين اعتمد عليهم تقريرا المحقق الدولي ديتلف ميلتس، ولاعبة على اختلاف المصالح الدولية تجاه ما يجري في المنطقة، خصوصا بين روسيا والصين من جهة، وأمريكا ومعها بعض الدول الغربية من جهة أخرى، مستغلة الخوف الدولي والإقليمي من حصول فوضى عارمة في المنطقة في حال استمرت الضغوط عليها، إلا أنّ وضعها أصبح أكثر تعقيدا مع انشقاق النائب السابق لرئيس الجمهورية عبد الحليم خدام، وتحوله إلى شاهد إثبات في القضية.

وما يمكن أن يسهّل الأمر هو التعامل مع التحقيق باعتباره تحقيقا جنائيا وقضائيا بحتا من دون أن تتدخل جهات رسمية في التعليق عليه، مع ما يترتب على ذلك من السماح للجنة الدولية بمقابلة كل من تشاء من دون تحفظ، والامتناع عن كل ما من شأنه أن يشعر المحقق الجديد بأنه موضع عدم ترحيب.

#خطايا السياسات الخارجية السورية:

تعاني السياسة الخارجية السورية من حالة قصور المحددات وجمود الآليات الذي حوّل السياسة، التي أساسها المرونة والعيانية والمتغيّر وفق مقتضيات الأحوال، إلى حالة ثابتة ومجردة، وسيطرة ثقافة الشعار، وليس الفعل، على إدارة الملفات والأزمات. فقد كشفت رعاية سورية لعملية التمديد للرئيس اللبناني أميل لحود عن بساطة، تقارب السذاجة، في قراءة المشهد الإقليمي والدولي والتعاطي معه دون اعتداد بميزان القوى، أساس كل عملية سياسية، وبالقدرة السورية على تلافي الضغوط الخارجية واحتواء الأخطار.

لقد فوتت القوى المحافظة التي تدير السياسة الخارجية السورية فرصا عدة لإجراء قراءة واقعية للمتغيّرات الإقليمية والدولية التي برزت، خصوصا منذ جريمة أيلول/ سبتمبر 2001، بحيث تعمل جديا على إعادة ترتيب العلاقات. وأمعنت تلك القوى في الرهان على بدائل خاسرة لتفادي مواجهة ما ترتبه المتغيّرات الإقليمية والدولية على مجمل التوجهات الأساسية للسياسة الخارجية السورية وعلى الأخص في شأن العلاقة مع لبنان، استنادا إلى اطمئنان زائف بأنّ هذه العلاقة في منأى عن تلك المتغيّرات.

وتجلت الرهانات الخاسرة أيضا في الملف الضاغط الآخر وهو العراق، والتي أوصلت السياسة السورية اليوم إلى مأزق حقيقي مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع القوى الحاكمة الجديدة في العراق. وقد بدا أولا، أي قبل الغزو العسكري للعراق، وكأن هناك رهانا على أنّ الإدارة الأمريكية ستكتفي بالتهديد ولن تخوض الحرب، ثم كان هناك رهان على هزيمتها في الحرب، ثم على فشلها في إدارة مرحلة ما بعد الحرب. وبسبب انكشاف موقفها، لم تستطع القيادة السورية الإفادة حتى من الارتباك الأميركي الأمني والسياسي في العراق، بل أنّ الضغوط الأمريكية كانت تتزايد عليها كلما تعرضت القوات الأمريكية إلى المتاعب، على رغم لجوء الأمريكيين في بعض المراحل إلى الاستعانة بالسلطات السورية من أجل تهدئة بعض المناطق الملتهبة في العراق.

وخلاصة القول، إنّ السياسة السورية لا تزال تمارس أسلوب الممانعة حتى آخر لحظة تهربا من تقديم تنازلات تعتقد أنّ في الإمكان تجنبها، وهو أسلوب يقوم على الترقب وانتظار أن يقع الخصم في أخطاء أو ينشغل في أمور أخرى، وصولا إلى لحظة يكون ممكنا فيها إجراء مقايضة أو مساومة ما تلبي مصالح كلا الطرفين. وربما أنّ صناع السياسة الخارجية السورية لا يزالون يعتبرون أنّ هذه السياسة هي الحال المقابلة لسياسة التسليم السريع بمطالب الخصم، وهو ما قد يسمى في القاموس السوري تنازلا وتفريطا، ومن دون أن يمحّصوا جديا الخيارات الأخرى التي قد تكون أكثر جدوى للتعامل مع أوضاع تتطلب القيام بكل المبادرات الضرورية والاستباقية لتجنب الوصول إلى مواجهة غير متكافئة، خصوصا أننا نعيش زمنا تتراجع فيه أهمية المبادئ السياسية والمعايير الأخلاقية إلى درجة يكون من العبث معها التمترس عند خطابات مثالية تعتمد المحاججة المنطقية المجردة ومعايير الحق والعدل التي، للأسف، لم تعد تفيد كثيرا في غياب عناصر القوة الكافية لإسنادها وتثبيتها.

هذه السياسات تتجاهل التغيير النوعي في السياسة الخارجية الأمريكية، الذي حصل على خلفية جريمة 11 أيلول/ سبتمبر 2001، إذ انتقلت الولايات المتحدة من سياسة الحفاظ على استقرار الأنظمة العربية، إلى تغيير هذه الأنظمة، بدعوى نشر الحرية والديموقراطية والازدهار في المنطقة.

وماذا بعد:

بالانسحاب من لبنان، ينتهي دور لطالما استمتع النظام السوري بلعبه، فإما أن يكون له دور آخر يقوم على أسس داخلية وعربية جديدة، أو أن لا يكون هناك غير تكتيف نفسه بانتظار بدء المعركة الأخيرة ضده، بعد أن زالت مصادر قوته الدولية، وتراجعت إلى درجة تكاد تكون تامة قدرته على امتصاص مشكلاته الداخلية بفضل علاقاته الخارجية، وتبدلت توازنات القوى تبدلا جذريا لغير مصلحته، وتغيّرت الحاضنة الدولية والعربية التي أنجبته، وحلت محلها بيئة مغايرة، معادية، تطالب برأسه، الذي لن يتمكن من حمايته إذا ما واصل التمسك بأبنيته السلطوية الراهنة: المتقادمة والضعيفة والعاجزة.

فمع نهاية دور سورية الإقليمي، يُطرح بديلان: إما البقاء دون دور جديد، وبديله قيام النظام الحاكم بدور يرسمه الطاغوت الأمريكي ليخدم مصالحه وخططه، وإلا فمواجهة عواصف أشد خطرا وهولا من عاصفة لبنان. أو أن يقتنع، أخيرا، بضرورة إجراء تحولات هيكلية في أبنيته ونهجه، ويؤمن أن خروجه من لبنان يجب أن يكون بداية حقبة ميدانها وموضوعها الرئيس وساحتها الحاسمة الداخل السوري، أو علاقاته مع مجتمعه وشعبه.

ويخطئ من يظن أنّ المجتمع الدولي الذي فتح لسورية بوابة الخروج من لبنان ردا على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، قد أقفل باب الحوار نهائيا معها بل هو يحرص على أن لا يغرق في تجربة عراقية جديدة، لا تزال تثير الجدل في أمريكا والاعتراض في أوروبا والاحتجاج في العالمين العربي والإسلامي، نظرا لعدم جدواها أو ارتفاع كلفتها.

إنّ الخطر الوحيد في هذه اللحظات هو التشوش الذي يبدو في القيادة السورية، والذي يمكن أن يسفر عن سوء تقدير أو عن خطأ في الحساب يمكن أن يجعل سورية بالفعل الهدف التالي للحرب، وليس فقط الهدف التالي للإصلاح وإعادة التأهيل.

والحال، فإنّ طبيعة متغيّرات النسق الدولي وتوجهاته، باتت تتطلب من صانع السياسة الخارجية السورية التكيّف مع المتغيّرات التي تؤثر في دولته، مما يتطلب صوغ أنماط جديدة في التعامل، تأخذ في الاعتبار مصالح سورية الحقيقية، وكذلك قدراتها وإمكاناتها، مع المحافظة على دورها المميز في بيئتها الإقليمية والعربية، وذلك يتطلب من القيادة السورية صوغ معادلة استراتيجية مختلفة في مبناها ومعناها عن الممارسات المرتبكة في السياسة الخارجية الحالية.

وفي تقديرينا أنّ الإدارة الرشيدة للأزمة تتطلب فهم واستيعاب حقيقة ما يجري على الصعيدين العالمي والإقليمي في هذه المرحلة الدقيقة والبالغة الحساسية، والتعاطي مع ما تفرضه من متغيّرات بطريقة تختلف عن أسلوب العنتريات الذي ثبت عقمه وإفلاسه، واستبدال ذلك الأسلوب التقليدي بأساليب أخرى تخاطب العقل بدلا من إثارة المشاعر. فبتصويت مجلس الأمن في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2005 على القرار رقم 1663 الذي يفرض على سورية التعاون الشامل ومن دون قيد أو شرط مع لجنة التحقيق الدولي انتهت مرحلة المراوغة، فقد وضع القرار مصير سورية في قبضة اللجنة الدولية ومن ورائها المجتمع الدولي. وليس لدى مجلس الأمن أية أغراض مبيتة ضد سورية إن هي امتثلت للشرعية الدولية دون مناورة أو التفاف، بل على العكس يعتبر التعاطي الإيجابي مع قراراته الطريق الوحيدة التي تساعدها على تقوية حضورها وتحسين سمعتها في أوساط الرأي العام العالمي، وتشجع الأطراف الصديقة والحيادية في مجلس الأمن على مزيد من دعمها والتصدي لأية محاولة تقصد دفع نتائج التحقيقات أبعد من حدود هذه الجريمة ومقتضياتها.

وطالما أنّ قدر سورية أنها وجدت في منطقة حساسة من العالم، منطقة لم تعرف الاستقرار طيلة عقود بسبب قوة حضور المصالح الغربية وتنامي الدور الصهيوني ومخاطره. لكنّ الصحيح أنه لم يعد من المجدي التعاطي مع هذه الخصوصية من خلال منطق تحوير الحقائق وطمس الوقائع أو من خلال حملات تعبئة ساخنة، أيديولوجيا وسياسيا، تستهتر بماهية الأخطار القادمة وتستخف بحجم الخسائر والأضرار التي سوف تتكبدها البلاد ومستقبل أجيالها إن دفعت إلى معركة غير متكافئة وغير مبررة سياسيا وقانونيا مع العالم والشرعية الدولية.

إنّ الكف عن المساواة بين السلطة والوطن، وعن دمج مسؤولية بعض رجالات النظام بالدولة أو بالمجتمع السوري ككل، أمر بديهي بالنسبة لسلطة مشكوك في شرعيتها الدستورية أصلا، فثمة مسافة يجب أن تؤخذ بوضوح بين النظام وأفراد موضع اشتباه واتهام وبين سورية كدولة وشعب. فالشعب لا يتحمل وزر جرائم ارتكبها بعض السياسيين أو المسؤولين الأمنيين، وهؤلاء هم المعنيون - أولا وأخيرا - بالرد على مسار ونتائج التحقيقات، عبر دلائل وقرائن معاكسة تؤكد براءتهم مما جرى في الرابع عشر من شباط/ فبراير 2005.

إنّ الوطنية الحقة هي تلك التي يمكن معايرتها في ضوء الإجابة عن تساؤلات الواقع الذي نحن فيه، وهي إجابات لا بد أن تنطلق من طبيعة العصر الراهن، ومعطياته، وضروراته. بمعنى آخر هي تلك التي تجيد لغة المصالح، دون أن تتخلى عن مبادئها القومية، وتركز على تنمية البلد، وتحقيق تقدمه وازدهاره، بلدا حرا ديمقراطيا، يقدم أنموذجا جاذبا للأقطار العربية الأخرى.

(*) كاتب وباحث سوري مقيم في تونس