العاجل والمؤجل في العلاقات السورية ـ اللبنانية 

 فايز سارة

دخلت العلاقات السورية ـ اللبنانية في خلال العام الماضي الدائرة الأخطر منذ استقلال البلدين أواسط الأربعينات، حيث انتقل تردي العلاقات بين البلدين من مستوى العلاقات الرسمية وهو أمر تكرر مرات في الخمسينات والستينات والسبعينات حول أمور سياسية واقتصادية، قبل أن يتوغل الوجود السوري العسكري والأمني، ويصير صاحب القرار الرئيس في لبنان اثر دخول القوات السورية إلى هناك في العام 1976، وهو العمل الذي انتهى إلى التردي الراهن في العلاقات السورية ـ اللبنانية.

إن بين اشد التعبيرات قسوة في تردي العلاقات السورية ـ اللبنانية سماع هتافات ضد سوريا في لبنان، والاعتداء على أشخاص سوريين وممتلكاتهم هناك، وهو تعبير يوازيه اتهامات سورية ضد اللبنانيين، ظهرت في خطب وتصريحات رسمية، كما في مقالات وتعليقات إعلامية وخاصة على شبكة الانترنت، وأخرى جرى إطلاقها ضد لبنانيين في مظاهرات سورية، وفي الحالتين كان ذلك انعكاس لنقاشات في أوساط لبنانية وسورية حول أزمة العلاقات السورية ـ اللبنانية، التي تفجرت بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في شباط 2005.

لقد كانت تلك التعبيرات بعض محصلة الاعوجاج في علاقات البلدين والذي ترتب على تدخل سوريا المسلح والعنيف في لبنان منذ أواسط السبعينات لمحاصرة تداعيات الحرب الأهلية، قبل إن توسع سوريا تدخلاتها السياسية والعسكرية والأمنية في صياغة الحياة اللبنانية في جوانبها المختلفة، وهو أمر وجد رضى ومباركة من جهات إقليمية ودولية، وسط موافقة وتواطؤ من أوساط لبنانية، توافقت مصالحها في ظل أوضاع الصراعات اللبنانية الداخلية من جهة، والتدخلات الخارجية في الداخل اللبناني من جهة أخرى مع مصالح السيطرة السورية.

غير ان جملة من التطورات المحلية والإقليمية والدولية، أخذت تفرز تأثيراتها على الوضع اللبناني في بداية التسعينات، لترسم من خلال اتفاق الطائف 1990 افقأ يتيح انفكاك لبنان عن السيطرة السورية، وهو ما قاومته السلطات السورية في لبنان من خلال عدم المضي بعيداً في تنفيذ اتفاق الطائف الذي شاركت في صياغته، وأنيط بها رعايته وتنفيذه، ومما ساعد في تمرير الموقف السوري، توجه اللبنانيين نحو مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان وحاجتهم لكل دعم ومساندة لدفع الاحتلال خارجاً وقد تحقق ذلك في أيار 2000، وسط خلافات على لبنانية مزارع شبعا.

ومنذ العام 2000 أخذت تتعزز ملامح معارضة لبنانية لاستمرار الوجود السوري في لبنان، ثم جاءت عملية التمديد للرئيس أميل لحود من جانب السوريين في أواخر عام 2004 لتفجر خلاف بين سوريا وقطاع واسع من اللبنانيين بينهم عدد كبير من مؤيديها، مما وسع حجم معارضي سوريا في لبنان وأعطاهم بعداً شعبياً وسياسياً على قاعدة الحرية والاستقلال عن السيطرة السورية، وهو جوهر ما تردد من هتافات وخطابات لبنانية، ظهرت في أعقاب عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 14 شباط 2005، والتي كانت نقطة تحول في علاقات سوريا ولبنان في ظل اتهامات لبنانية بمسؤولية سورية في تلك الجريمة.

وتؤشر المحطات الرئيسة في تطور العلاقات السورية ـ اللبنانية ولاسيما في عامها الأخيرة إلى النقاط الأساسية المفترض معالجتها في علاقات البلدين وبخاصة لجهة استعادة وتحسين العلاقات، وأولها الحاجة إلى وقف الحملات الإعلامية بين الجانبين، والثانية التزام التعاون مع التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، والثالثة، مضي الجانبين السوري واللبناني في معالجة الملفات الثنائية، والتي يقع في إطارها موضوع الأمن المشترك، ووقف تدخلات كل بلد في شؤون البلد الآخر، وإقامة علاقات دبلوماسية، وترسيم الحدود بين البلدين، وتنظيم استغلال الموارد المائية المشتركة، وكل القضايا التي تتصل بتجاور بلدين.

وإذا كانت النقاط السابقة، تقع في دائرة العلاقات الثنائية السورية ـ اللبنانية، فان ثمة مستوى آخر من النقاط يقع في دائرة العلاقات الإقليمية والدولية التي تهم البلدين بصورة مشتركة، وأول هذه النقاط، تفاهم البلدين في أن لا يكون أي منهما ساحة لتدخلات خارجية (من أي مستوى كانت) في شؤون الآخر الداخلية وخاصة فيما يتعلق بالجانب الأمني، والتشديد في هذا الخصوص، يتصل في الأهم منه بالتدخلات الإسرائيلية، والنقطة الثانية، ابتعاد أي من البلدين عن ربط سياساته بعلاقات إقليمية ودولية، يمكن أن تنعكس سلبياً على علاقته بالبلد الآخر، خاصة وان المنطقة عامة وسوريا ولبنان في المرحلة الحالية عرضة لتدخلات وتحالفات من شأنها التأثير على الأحوال السياسية والاقتصادية والأمنية في البلدين.

وسط هذه المجموعة من القضايا في تنوعها وتعقيداتها، يبدو من الطبيعي السؤال عن العاجل والمحتمل تأجيله من قضايا في العلاقات السورية اللبنانية، خاصة وان ترتيب هذه القضايا في هذين المستويين لا يتصل بأهمية هذه القضايا، إنما بمقدار حساسيتها السياسية الراهنة وتأثيرها في تطور العلاقات في الاتجاهين الايجابي والسلبي.

إن البلدين متفقين في موضوع التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وفي التعاون مع لجنة التحقيق الدولية حسب إعلاناتهما الرسمية، الأمر، وهذا يعني انه ينبغي وقف المماحكات السياسية حول هذه القضية بين الجانبين السوري واللبناني، خاصة وان التحقيق الدولي، ثم المحكمة الدولية أو المختلطة، هي التي ستقول الكلمة النهائية في الموضوع، وسوف يخفف وقف المماحكات السياسية حول هذه القضية من حدة الحملات الإعلامية بين الجانبين، لكن من الصعب القول، انه يمكن تحقيق تقدم في وقف الحملات الإعلامية في ظل الواقع الحالي للعلاقات، وهو أمر لا يتعلق باختلاف النظامين الإعلاميين في البلدين، بل أيضا باختلاف طبيعة النظامين السياسيين، وما يتركه ذلك من اثر في الميدان الإعلامي. فبالإضافة إلى اختلاف ملكية وسائل الإعلام، حيث أكثريتها تابعة للدولة في سوريا، مقابل تملك القطاع الخاص لأكثرية المنابر الإعلامية في لبنان، فان الحريات الإعلامية في لبنان واسعة ومن المستحيل السيطرة عليها، ولا يندرج عملها في إطار وظيفة دعاوية، بخلاف ما هو عليه الحال في الإعلام السوري الموجه والمسيطر عليه، وهذا يجعل من الصعب حصول اتفاق سوري ـ لبناني على وقف الحملات الإعلامية.

ولاشك، إن وقف الحملات الإعلامية، لا يتأثر فقط بواقع الاختلافات حول ملكية الإعلام ووظيفته، بل تعلق أيضا بالقضايا المطروحة فيما يتعلق بعلاقات البلدين، كما في موضوع تدخل أي من الجانبين في شؤون البلد الأخر، ولدى اللبنانيين حساسية شديدة في موضوع التدخلات السورية بالاستناد إلى تجربة العقود الماضية، وهذا يتطلب بالفعل من الجانب السوري تأكيد نهج جديد يقوم على مبدأ عدم التدخل في الشؤون اللبنانية كافة بصورة مباشر أو غير مباشرة، وهذه تشكل إلى جانب وقف الحملات الإعلامية بعض من القضايا العاجلة في علاقات البلدين.

والخلاصة، فيما يتعلق بالعاجل من قضايا العلاقات السورية ـ اللبنانية من اجل تحسين علاقات البلدين، فان هناك مشاكل وانسدادات، ينبغي تجاوزها، وإذا كان من الصعب تجاوزها في الأوضاع الحالية، فان ذلك لا يقلل من أهمية الاشتغال عليها من جانب البلدين في المستويات الرسمية والسياسية، ويحتاج الأمر في كل الحالات الانتظار بعض الوقت لنضوج ظروف أفضل، وهو ما يمكن إن يتحقق في حال تحقيق خرق جديد في التحقيق بجريمة اغتيال الحريري، أو حصول تطورات سياسية على صعيد السياسات السورية، أو حصول انقلابات إستراتيجية في الشرق الأوسط.