أزمة العلاقات السورية اللبنانية  

عمر كوش

يشهد واقع الحال على أن تأزم العلاقات السورية ـ اللبنانية غير مرتبط بمؤامرات القوى الخارجية، بل هو نتيجة لنهج خاطئ طبق على مدى عقود عديدة، وأنتج ممارسات خاطئة أفضت إلى انهيار العلاقات التاريخية ((المميزة)) بين لبنان وسورية. وهذا لا يعني انتفاء التدخلات والضغوطات الخارجية وانتفاء الأجندة الأميركية التي تريد أن تحول كياناتنا إلى مجرد دويلات تتواشج مع المخططات والخرائط الأميركية التي لا تعنى بغير المصالح الأميركية والإسرائيلية وبسبل حمايتها واستمراريتها. لكن العامل الذاتي هو العامل المحدد لكيفية حماية الداخل وتوفير القدرة له لمواجهة كافة تحديات قوى الخارج.

 إن القراءة التي تعتمد على رؤية العامل الداخلي، المحدد والحاسم، تريد القطع مع الإرث المخادع الذي يصور الداخل بوصفه مهدداً على الدوام، وموضعاً لاطماع قوى الخارج، وبالتالي تريد القطع من الإرث الذي اعتاد على تحميل مسؤولية كل الأزمات والنكسات على العدو وقواه المتآمرة، وعلى وضع أية معارضة داخلية في خانة خدمة العدو ومؤامرته.

 والواقع هو أن العلاقات السورية ـ اللبنانية لم تبنى على أسس سليمة ومتوازنة، سواء من طرف النظام في سورية أم من طرف الزعامات السياسية اللبنانية المتناثرة التي تزعمت المجالين السياسي والاقتصادي للبنان ما بعد الحرب. فقد ساد نهج من الهيمنة وهاجس من الأمن وعلاقات من الضعف، وأريد للبنان على أن يكون ((ساحة)) لتصفية الصراعات على السلطة، وفي السلطة، واعتبر معبراً لكل المؤامرات التي تحاك ضد سورية. كما اختصرت العلاقات ما بين سورية ولبنان إلى علاقات ما بين أجهزة الاستخبارات وبين فئات سلوية ومافيوية فاسدة. ولم يستفد الشعبين السوري واللبناني منها إلا بمقدار ما تفرضه علاقات الجيرة والأخوة وبحدودها الدنيا.

 وباغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري تعرضت العلاقات السورية - اللبنانية إلى هزّة عنيفة، ودخلت مرحلة من التعقيد والتأزم لم تكن بحاجة إليها، نظراً لتراكم الممارسات الخاطئة التي أرساها النظام الشمولي، وللتوظيفات السياسية لبنانياً لحادثة الاغتيال، فضلاً عن المسبقات من الأحكام التي وضعتها وراكمتها الصور النمطية الراقدة في أذهان الكثيرين، وظهور الاختصار السياسي الذي بات ينظر فيه إلى الإنسان السوري وكأنه كائن نظام، والذي روّج له العديد من المعلقين والكتاب.

 وقد كتب، وسال، كثير من الكلام عن تصحيح العلاقات بين البلدين الجارين، من طرف الغيورين على الشعبين السوري واللبناني. لكن يبدو أن التصحيح المطلوب لن يأتي أبداً ضمن المعطيات الراهنة، خصوصاً مع استمرار النهج الخاطئ ذاته، واستمرار سطوة التدخل الأميركي والأوروبي. وبالتالي لن يتوفر المناخ الملائم الذي يمكن بوجوده تصحيح الخلل في هذه العلاقات والوصول إلى علاقات متوازنة وسليمة، ذلك أن سلامة العلاقات بين أي بلدين لا يمكن أن تحدث إلا في ظل مناخ ديموقراطي، ينهض على التفاهم والتبادل، ويحقق مصالح كلا الشعبين وليس مصالح فئات مهيمنة في كلا البلدين.

 وقد تشارك الشعبين السوري واللبناني في لحظات تاريخية عديدة، كان لها أثرها على استقرار ونماء البلدين، لكن السياسة غالباً ما اختصرت التأثير في نطاقها، وحصرت أوجه التفاعل والتبادل الأخرى بين الشعبين اللبناني والسوري، لتحضر توترات السياسة ومشادات التعصب وتهويمات الصور النمطية التي نسجت مكونات من التمركز، لبنانياً وسورياً، ومختلف مركباته وفق أشكال متخيلة ونمطية، تستلهم كل إمكانيات التهميش والإلغاء والعنصرية.

 إن السياسة التي مورست خلال العقود الثلاثة الماضية، والتي يرد في هذه السطور، ابتعدت عن السياسة بمعناها المدني الواسع، التي أرسى مفهومها أفلاطون وسواه من الفلاسفة في الأيام الغابرة من التاريخ الإنساني، فمثل هذه السياسة قد ماتت مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، كما أعلن ذات يوم ميشيل فوكو. وتظهر توترات السياسة التداخل في الشؤون الداخلية للبلدين خلال مجمل التاريخ المشترك بين الكيانين، لكن المفارق في الأمر أن يحضر اليوم الدور السوري الرسمي، وفي جانبه الأمني الاستخباراتي، على حساب تغييب تأثير العنصر المدني والاجتماعي الحي، وهذا عائد إلى تركيبة وطبيعة كلا النظامين السياسيين، وبما يفسر هذا الغياب والإقصاء.

 ورُفعت منذ ستينيات القرن العشرين المنصرم، على المستوى السياسي، شعارات تحث على الوحدة العربية وتؤكد عليها، ونشأت أحزاب قالت بوجود أمة عربية واحدة، كما قالت بوجود شعب عربي واحد، لكنها لم تعمل بالفعل على تقوية الوحدة الوطنية حتى في داخل البلد ذاته، ضمن مفهوم حديث للمواطنة والانتماء للوطن، فكانت الانتماءات ما قبل المدنية تفعل فعلها. وبالتالي فقد كان المطلوب تقوية الروابط التاريخية بين الشعبين اللبناني والسوري، كجماعات من المواطنين الأحرار في دولتين مستقلتين، من خلال إقامة علاقة متوازنة ومدروسة ومتبادلة بين القوى الحية في كلا البلدين، تكون مادتها المؤسسات والمنظمات المدنية والأهلية. ويبدو أن مثل هذه العلاقات لن تنشأ بشكل حقيقي، ولا يمكنها أن تنمو وتقوى إلا في ظل مناخ ديموقراطي وتعددية سياسية حاملة لها، وفي ظل العمل على تحقيق التكامل الاقتصادي المدروس بين البلدين.

 وخلال ستينيات القرن العشرين المنصرم، انتقل النشاط المالي والاقتصادي لجزء هام من رأس المال السوري إلى لبنان، حين حاصرت الإجراءات والشعارات الاشتراكية والثورية حركة الرساميل وأوقفت العديد من نشاطاتها. وفي مقابل ذلك كانت العمالة السورية تنمو في لبنان وبأعداد كبيرة من فقراء الشعب السوري، لكن سطوة الهيمنة أنتجت علاقات نفعية ما بين فئات عديدة من المرتزقة والمنتفعين والأزلام في سورية ولبنان. وتشكلت فئات حاكمة، سياسية ومالية، في كل من سورية ولبنان خلال فترات الصراع المحلية والإقليمية، وهي متداخلة المصالح والمطامح، لكن مع التحولات العالمية والإقليمية المتسارعة، وخصوصاً بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وظهور مشاريع التغيير الأميركية والأوروبية، فإن مثل هذه الفئات والنخب الحاكمة تعيش في حالة من البحث عن مخرج، وتفتش عن حلول مناسبة لمستقبلها المأزوم.

 وكان هناك ثمة خطوات لمأسسة العلاقة ما بين سورية ولبنان، منذ بداية خمسينيات القرن العشرين المنصرم مع إلغاء الوحدة الجمركية وقيام المصرفين المركزيين اللبناني والسوري، وغيرها من الخطوات الأخرى، لكنها بقيت محدودة، ولم تذهب بعيداً في هذا المجال، حيث شهد لبنان أحداث حرب دامية على طوال سنوات عديدة، وتشكلت في إثر الحرب مقولات، تصور أن سوريا مستهدفة من لبنان وفيه، في حين أن المعارضين لهذه المقولات قالوا بأن سوريا تستهدف سيادة لبنان، وتريد الهيمنة عليه، وزاد من قناعتهم بذلك قوة الوجود العسكري والأمني السوري في لبنان.

 لقد لعبت سورية دوراً هاماً في لبنان، في حقبة معينة من تاريخه، بفضل جهود أبنائها من العسكريين البسطاء والمدنيين، وتمكنت من تخليص لبنان من أتون حرب أهلية شنيعة، لعب بعض اللبنانيون أدواراً قذرة فيها. لكن هيمنة الشمولية أدت أدواراً أخرى في لبنان، ولوّثت صورة الجار المنقذ والمساعد على الخلاص والاستقرار.

 نعم، كانت سوريا حاضرة بقوة في حماية التسوية التي اتفق عليها اللبنانيون، والتي أدت إلى إحياء دور الدولة ومؤسساتها، بصرف النظر عن مواضع الخلل العديدة التي اعترت التسوية والدولة معاً. لكن الأهم هو الخلل الذي طاول العلاقات السورية اللبنانية، والذي بات من غير المبرر السكوت عنه، والتحجج بالظروف الدولية والإقليمية الدقيقة.

 إن المطلوب في المرحلة الراهنة هو البحث عن مخرج هادئ للأزمة، وبما يضمن توفير فرصة حقيقية لإعادة بناء العلاقات السورية اللبنانية على أسس عقلانية وواقعية، تضمن احترام كل بلد لسيادة البلد الآخر والكف عن التدخل في شؤونه، وتعمل على إيجاد تعاون يوسع دائرة المصالح المشتركة بين شعبي البلدين. لكن يبدو أن هذا المطلوب بعيد المنال والتحقق في المدى المنظور.