أين الطريق لعلاقات سليمة قابلة للنمو بين الكيانات العربية(*)  

 د. أحمد فائز الفواز

(*) دراسة قدمت إلى مؤسسة الأهرام المصرية

منذ نشوء الكيانين السوري واللبناني، (بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية بنهاية الحرب العالمية الأولى، واقتسام المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا)، لم تستقر العلاقات السورية اللبنانية على حال، ولم تأسس أوضاع قابلة للنمو والتطور، كما هو المفترض بين بلدين بينهما تداخل يكاد أن يجعلهما بلد واحداً، وتوحدهما الجغرافية والتاريخ واللغة والصلات العائلية، عدا ما تتطلبه المصالح المشتركة، لم تعرف العلاقات بين الكيانين التحسن، إلا في فترات محدودة. بل أننا إذا تفحصنا مسار هذه العلاقات خلال أكثر من ثمانين عاماً، هي عمر الكيانين، اضطررنا للاعتراف بأسى، بأن أفضل فترة لها هي فترة الانتداب الفرنسي على البلدين. لنشر هنا إلى حرية المرور وحق العمل والتنقل الحر بين الأفراد والبضائع، والعلاقات الاقتصادية الوطيدة، والمؤسسات المشتركة مثل بنك سورية ولبنان الفرنسي المسؤل عن إصدار نقد كل من البلدين، وبعض الشركات المشتركة، لنشر كذلك إلى العلاقات المتينة بين الحركتين الوطنيتين المناضلتين من أجل الاستقلال في كل من البلدين، بل أن بعض الأحزاب والحركات كان له تنظيم واحد في البلدين كليهما. بعد الاستقلال في أواسط الأربعينات وجلاء القوات الأجنبية عن البلدين، جرى التراجع في كل هذه الميادين، أصبح التوتر والتردي والقطيعة الاقتصادية والتدخل في الشؤون الداخلية والتأمر ما يطبع، على الأغلب، العلاقات، بينهما الهدوء والتحسن وحسن الجوار نوع من الشذوذ.

على أن المرحلة المهمة، التي ينبغي التوقف عندها، هي المرحلة التي تمتد مابين دخول القوات السورية إلى لبنان في الأول حزيران (يونيو) 1976، وخروجها منها، في أواخر نيسان (أبريل) 2005. تنبع أهميتها ليس من طولها وحسب، بل أيضاً لأنها شكلت تاريخية نادرة، أهدرت، مثل كثير من الفرص الأخرى. فبعد نشوب الرحب الأهلية في لبنان في نيسان 1975، قام جزء من المجتمع اللبناني، ومن المسوؤلين اللبنانيين باستدراج التواجد العسكري السوري. لكن النظام السوري معداً نفسه لذلك التواجد، لأسباب مباشرة تتعلق بالدور الإقليمي السوري، ويجمع ((أوراق)) تساعد على التفاوض على حل سلمي مع إسرائيل، ولأسباب بعيدة تتعلق بالنظام نفسه أتناولها فيما بعد، هذا التواجد العسكري لم يكن من الممكن أن يتحقق، بدون موافقة دولية، خصوصاً من الولايات المتحدة الأمريكية، وبدون توافق إقليمي، وتغطية عربية. من غير المجدي الدخول في تفاصيل العلاقات بين الكيانين في هذه المرحلة التي امتدت لثلاثة عقود. لكن من المهم إبراز أن اتفاق الطائف الذي، كان تسوية تاريخية بين الطوائف والقوى المكونة للاجتماع اللبناني، أنهى مرحلة الحرب الأهلية الطويلة ووضع أسساً لإعادة بناء الدولة.

الاتفاق المذكور، الذي جرى برعاية سورية، قرر أيضاً إنهاء الوجود السوري بصورة تؤسس لعلاقات وطيدة وودية تقوم على الاستقلال والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. لكن واقع الحال يقول لنا شيئاً أخر، لقد تعاملت السلطة السورية مع لبنان من منطلقات السيطرة والتحكم، بالطريقة ذاتها التي تتعامل بها مع الواقع السوري. وكانت النتيجة تأسيس نظام أمني قريب الشبة بالنظام السوري محكوم من أجهزة المخابرات السورية مباشرة، الأمر الذي جمع أطياف المعارضة اللبنانية المتنوعة حول شعار واحد هو استعادة الاستقلال وحرية القرار وإخراج الجيش السوري وخصوصاً المخابرات السورية من الأرض اللبنانية. صحيح أن عدد الجنود السوريين في لبنان، منذ 2000، بعد تحرر الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، هبط من أربعين ألفاً إلى أربعة عشر ألفاً، تحت عنوان إعادة الانتشار لكن المسألة ليست كمية بل كيفية أولاً، ثانياً جرى تعويض إنقاص عدد الجنود بزيادة دور أجهزة المخابرات، الأمر الذي انكشف للقاصي والداني في ((عملية)) تعديل الدستور من أجل التمديد لرئيس الجمهورية اللبنانية، والذي كان الشعرة التي قصمت ظهر البعير، وجاء مصدقاً للدور الكبير الذي تلعبه هذه الأجهزة في نظام الحكم في لبنان، مما وفر الفرصة لمجلس الأمن لإصدار قراره المشهور 1559. بالطبع لا يمكن فهم القرار المذكور كما كان استجابة خالصة لوجه الله، للمطامح الشعبية اللبنانية في الاستقلال. فالقرار هو حلقة في سلسلة الوضع السياسي العالمي والإقليمي التي تبدأ من 11 أيلول (سبتمبر) 2001، مروراً بغزو أفغانستان، وبعد ذلك العراق، وتحول الولايات المتحدة إلى قوة إقليمية عسكرية كبرى في العراق والخليج، وإلى جار خطر وعدواني لسورية على حدودها الشرقية. وإذا ما تركنا السياسة الفرنسية جانياً، فالقرار أمكن توظيفه كجزء من السياسة الأمريكية في المنطقة، مثله في ذلك مثل الموافقة الأمريكية عام 1976 على دخول القوات السورية على لبنان. لكنة فرض على السلطة السورية ضرورة الالتزام به، مما ساعد على سرعة الخروج الذي جاء، في الواقع، نتيجة لحركة شعبية واسعة، اندفعت بزخم كبير، خصوصاً بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وفرضت جلاء القوات السورية والمخابرات السورية عن الأرض اللبناني.

أعود للأسباب البعيدة للدخول السوري إلى لبنان عام 1976. فهذا الوجود، خلال العقود الثلاثة الماضية، لم يكن وليد رغبة مجردة في تقديم مساعدة أخوية، بقدر ما كان وليد حساب بارد. لقد تمتع المجتمع اللبناني، على الدوام، بحريات نسبية، لم يتوفر مثيل لها في أي بلد عربي آخر، وخصوصاً في سورية. مسألة وجود الحريات، يمكن اعتبارها مصدراً للخطر، ((والخاصرة الضعيفة)) للنظام السوري. لذلك ففي خلفية الدخول إلى لبنان عام 1976 كمنت الرغبة في بناء ((خط دفاعي)) عن النظام، يعمل على تكوين نظام أمني شبيه بالنظام السائد في سورية. مع نمو النظام الجديد ازدهرت أنواع من المافيات المشتركة، وبالتالي فوتت فرصة بناء علاقات اقتصادية وسياسية وثقافية متميزة بين شعبين ودولتين، لا يستطيع أحد أن يشكك بقوة روابطهما وبمصيرهما الواحد، علاقات لم يكن من الممكن بناؤها بدون الإرادة الحرة للبنانيين، علاقات تبقى وتستمر وتتطور بعد جلاء القوات السورية، الذي كان لابد أن يحدث. بكلام آخر، التفكير الأمني القصير النظر هو الذي ساد، وليس التفكير البعيد النظر، بالأمن القومي لسورية كيان ودولة، وبالمصالح المشتركة للبلدين.

وضع العلاقات الآن ليس بخير، ومن المتوقع أن الأمور لن تتحسن في المستقبل المنظور.

لا أظنني أجبت إجابة وافية على أسباب العجز عن الارتقاء بالعلاقات بين البليد الشقيقين، اسمحوا لي إذاً أن أروي الحادثة التالية:

قبل خمسين عاماً، كنت في عداد مجموعة من طلاب الجامعة السورية (دمشق حالياً) في لقاء مع أحد السياسيين المشهورين وتناول الحديث موضوع الوحدة العربية، الذي كان شاغل الشباب في ذلك الزمن، قال السياسي إن الاستعمار هو الذي يعيق الوحدة، وضرب مثل العراق وسورية وزعم أن خط نقل البترول العراقي إلى ميناء بانياس السوري، لوحده، كاف لتوحيد البلدين، حتى لو كان مختلفين في التاريخ واللغة والثقافة، فكيف وهما على ما هما علية من وشائج؟ كانت النخبة السياسية السورية، في غالبيتها معادية للوحدة مع العراق دفاعاً عن النظام الجمهوري، والاستقلال الوطني، بينما كان العراق محتلاً من بريطانيا. فماذا حدث؟ حدث أن العلاقات المحدودة بين البلدين، التي كانت سائدة خلال حكم البريطانيين والفرنسيين للبلدين، تدهورت، خصوصاً منذ بداية ستينات القرن الماضي، أي عندما استولى تنظيم عسكري على السلطة في البلدين ينتمي إلى حزب واحد يرفع شعار الوحدة العربية هو حزب البعث العربي الاشتراكي؟ أما عن الجمهورية التي دافعنا عنها، مفوتين فرصاً لا تعوض، فالحصيلة هي التالية: من تسعة وخمسين عاماً منذ الاستقلال، حوالي عشر سنوات تحت ظل أوضاع ديمقراطية أو شبة ديمقراطية، وخمسون عاماً تحت ظل الاستبداد، وحالة الطوارئ، تحولت الجمهورية خلالها إلى نظام لا علاقة له البتة بإرادة الجمهور، وانتهت أخيراً إلى توريث الأبناء مقاعد الآباء.

أين المشكلة، إذاً، في العلاقات السورية اللبنانية؟

إنها قائمة قبل دخول القوات العسكرية السورية في لبنان، ومستمرة بعد الخروج منه. وهي أيضاً قائمة في العلاقات السورية العراقية، وفي غيرها من العلاقات، التي هي ليست موضوع حدثينا، وإن جرى الاستشهاد بها، للتدليل على الصعوبات، التي تعترض التعاون بين الدول العربية المتجاورة. وهي ليست بسبب سوء فهم تاريخي عند السوريين تجاه الكيان اللبناني، فالتاريخ لا يصنع سياسات لا عند السوريين، ولا عند اللبنانيين. التاريخ يساهم في صنع إيديولوجيات لتبرير السياسات التي تمليها المصالح. والمصالح تكون ضيقة عندما تكون السلطة محصورة بأيدي القلة، وغير خاضعة لإرادة الناس.

وهي أيضاً، ليست في المصالح الاقتصادية للشعوب، التي تتطلب إقامة علاقات وطيدة فيما بينها، تمكنها من التقدم، وفي الحد الأدنى، تحقيق حرية المرور والعمل والنشاط الإنتاجي، في الوقت الذي تتجه فيه مناطق كثيرة في العالم، لا ترتبط كياناتها لا باللغة ولا بالتاريخ ولا بالثقافة، تتجه للتعاون فيما بينها لتحقيق التقدم، الذي لا تستطيعه منفردة. والمثال الأوربي عميق الدلالة.

باعتقادي المشكلة تتعلق بالدولة التي تحكمنا، أي بالمرحلة التي وصلت إليها. بكلام أوضح، الدولة، لدينا، ليست نتاج العقد الاجتماعي بيت الأفراد الأحرار، في لبنان مثلاً، وعلى الرغم من الحريات النسبية المتاحة، العقد المؤسس للدولة ليس بين الأفراد الأحرار، بل بين الطوائف المكونة للاجتماع اللبناني، الذي يعكس توازن القوى بينها. وهذا هو عقب أخيل النظام اللبناني، الذي يميل للانعزال عن وسطه الطبيعي، حفاظاً على توازن المواقع بين مكونات هذا الكيان. في سورية، بالمقابل، الدولة، أيضاً، لا تعبر عن الكل الاجتماعي، بل هي موضوع غزو من تنظيمات سرية في القوات المسلحة، يجري الحفاظ فيها على السلطة بالاستبداد والديكتاتورية، بهدف إبعاد المجتمع عن تقرير السياسات. في هذه الحالة تتضاءل الدولة لتتماهى مع السلطة، وينصب جل اهتمام أهل السلطة على الاحتفاظ بها. (نتذكر، في هذا السياق، ابن خلون وترسيمته عن الدولة، التي هي موضوع غزو من عصبية ما).

طالما أن الدولة ليست نتاج عقد اجتماعي بين الأفراد الأحرار، فهي لن تكون قادرة على التعبير، فعلياً، عن الكل الاجتماعي، ولن تعكس المصالح الحقيقة للمجتمع. فقط بتأسيس دولة الكل الاجتماعي، دولة الحق والقانون، الدولة الديمقراطية، التي تتيح المجال للمجتمع ككل، ولفئاته المختلفة في التعبير الحر عن المصالح، يمكن شق الطريق نحو بناء وتطوير علاقات بينية عربية، تحدم كل الأطراف وتؤمن لها التقدم.