سورية والعلاقات اللبنانية  

منصف المرزوقي

طرحت مجلة مقاربات السورية على نخبة من المفكرين العرب هذا السؤال:

الأزمة الحالية بين سوريا ولبنان وسوريا والمجتمع الدولي.... طبيعتها ومكوناتها؟

 ردّ الدكتور منصف المرزوقي

لنبدأ برفض الصيغة التي قدم بها الموضوع للنقاش، لأن الأزمة ليست بين سوريا (بما هي تاريخ وحضارة وشعب وأجيال صاعدة) وبين لبنان البلد التوأم، لكن بين عصابة استولت بالعنف والقهر والتزوير على سيادة الشعب السوري وتتحدث زيفا وبهتانا باسمه وبين عصابات أخرى توجد وراء الحدود وليست بالضرورة أحسن منها.

فالقضية إذن ليست بين بلدين ولا بين شعبين وإنما بين نظامين عربيين فاسدين بصدد تصفية حسابات قديمة تحت إشراف الشرطي العالمي وبإيعاز منه وقد قرّر الانتصار لعصابة على أخرى.

وليس هذا مكان العودة بالتحليل النظري لماهية الاستبداد العربي ـ والبعثي على وجه الخصوص ـ وكيف صادر الأحلام والمشاريع والآمال والسيادة والثروة والكرامة وكيف دنّس كل القيم وزوّر كل الأفكار النبيلة وكيف انتهى أو سينتهي قريبا في مزبلة التاريخ. إنما سيقتصر التحليل على وصف دور عقدة القوة المطلقة في تصفية كل دكتاتورية ومنها هذه التي ابتلي بها الشعب السوري المسكين.

إن الدكتاتورية هي أكمل شكل لإرادة السطوة التي يعتبرها الفيلسوف الألماني نيتشه من صلب قوة الدفع التي تحرّك كل الكائنات وليس فقط البشرية. نحن نجدها وراء كل الحوافز والدوافع التي تخلق طموح الشخص وطموح الجماعات وطموح الشعوب وبالطبع طموح الأنظمة السياسية ومن يمثلها.

إلا أن هذه الإرادة مواجهة ومحدودة بقوة مضادّة، وقد توزع السعي للسطوة والبأس والنفوذ والغلبة عند كل الأطراف المتنافسة، هذا ما يفرض الصراع الأزلي على الجميع. وعندما تستتب الدكتاتورية بما هي نجاح المشروع في الميدان السياسي أي قدرة التحكم في مصير شعب، فإن هذا يعني أنها استطاعت كسر كل القوى التي واجهت طموحها لكنها ستواجه حتما بتجدّدها حيث لا تموت إرادة السطوة إلا بموت الحياة ذاتها.

والخاصية المعروفة في كل دكتاتورية أنها مثل حريق الغابة فهي تحاول دوما توسيع مجال سطوتها من القريب إلى البعيد ومن البعيد إلى الأبعد. هكذا ترى غالب الدكتاتوريات عنصر حرب لأن الدكتاتور المهووس بجنون العظمة قلما يقنع بالمدى الذي يتحكم فيه. لا بدّ له من توسيع مجال سطوته إلى أبعد الدوائر الممكنة. ووفق هذا القانون رأينا هتلر وموسوليني وصدام حسين وقبلهم وبعدهم كثيرون ينخرطون في الحرب مع الجوار لأن دينامكية التسلط تفرض ذلك. والتاريخ واضح بخصوص القانون الذي يجعل من المغامرات الخارجية لتوسيع السطوة واحد من بين أهمّ الأسباب المباشرة وغير المباشرة للنهاية المحتومة. هكذا ترى أطول الدكتاتوريات عمرا من تلجم غريزتها وتبقى تصول وتجول داخل المرعى الذي اقتطعته مفضلة الدوام الناقص على المخاطرة بكل الرهان.

المشكلة بالنسبة للنظام البعثي في سوريا أنه لم يكن من السهل عليه تصدير إرادة السطوة بعد أن اكتمل سحق الشعب السوري المقهور، فالعراق وإسرائيل والسعودية بلدان قوية والأردن محمية أمريكية لم يكن من السهل ابتلاعها. لكنه لم يكن من السهل أيضا مقاومة الغريزة ولبنان يمر بمرحلة التمزق التي عرفها في السبعينات وبالتالي كان الحلقة الضعيفة القابلة وحدها لتصدير، واستيعاب جزء من الإرادة المريضة.

لكن فرض إرادة السيطرة على شعبين كانت بداهة فوق طاقة النظام بعد أن استهلك الأخضر واليابس داخل الوطن وبعد تغير معطيات الوضع الدولي.

وبدون قتل الحريري ـ سبحان من جعل من مثل هذا الرجل بطلا وشهيدا- وبدون الاغتيالات البشعة للصحافيين الثلاثة، فإن قبضة النظام السوري على المحمية اللبنانية كانت ستتراخى عاجلا أو آجلا والنظام قد وصل إلى حافة الإفلاس السياسي والاقتصادي وخاصة الأخلاقي داخل سوريا نفسها.

إن ما نشهده اليوم هو تسارع مرحلة التفكك داخليا وخارجيا لدكتاتورية استهلكت كل وقودها واستنفذت كل عناصر بقائها مما يعني أن أزمتها في لبنان ليست إلا مرآة أزمتها في سوريا وأزمة النظام السياسي العربي الفاسد ككلّ.

ورغم تعدد القراءات فإن هناك اتفاق على أن النظام السوري بصدد إشهار إفلاسه السياسي الشامل والكامل والنهائي وأننا دخلنا في حيز الربع الساعة الأخيرة لتصفيته.

إن صاحب هذه السطور الذي جعل من النضال ضد الاستبداد العربي محور كل حياته الفكرية والسياسية آخر من سيترحم على الورطة التي يتخبط فيها اليوم نظام رفع الوحشية في التعامل مع خصومه السياسيين ـ وأولهم الشعب السوري ـ إلى درجة لم يضاهيها إلا سميّه في الشرّ والسوء: النظام الاستبدادي في العراق.

الإشكالية اليوم ليست في محاولة إنقاذ نظام ممرض ومريض لا مصلحة لأحد في شفائه، أو الاعتذار بأن من يريدون هلاكه ليسوا بأحسن منه، ولكن الانتباه لتغير معادلة إرادة السطوة عند الأطراف المورطة في قضية الحال.

إن كون القوى المعادية للعروبة في لبنان هي التي ستربح في انهيار النظام السوري لا يجب أن يكون حجة يخضع لها العروبيون ـ ويشرفنني أنني واحد منهم ـ فلا أحد ضرب مفهوم العروبة (بما هي مشروع استعادة الكرامة لكل عربي والسعي لوحدة شعوب مقهورة لها الحق في تجميع قواها وفرض مصالحها الشرعية والانخراط مجددا في تيار خالقي حضارة العصر والمستقبل) قدر أنظمة ((الجملكية) السورية و((الجملكية)) العراقية سابقا و((الجماليكية)) القذافية. فواجبنا كعروبيين جدد التنصل من أي صلة أو عاطفة مع هكذا أنظمة أذلت المواطن العربي، وأذلت الأقليات التي لها علينا الحقوق التي نطالب بها لأنفسنا، وأذلت الوطن وأذلت الأمة، كل هذا باسم مفهوم الوحدة الذي كّرهت فيه القاصي والداني جعلته أضحوكة الأضاحيك. بل من واجبنا أن نكون، نحن أكبر ضحاياها، لا القوات اللبنانية، أشرس أعدائها لأنها خانت مشاريعنا وأحلامنا.

كذلك لا يجب أن يخيفنا ضلوع الشرطي الدولي (تحت عباءة شرعية دولية تكيل بألف مكيال) في عملية تصفية الدكتاتورية، فمن السذاجة تصوّر أن تسير الأمور على غير هذا الشكل والسياسة منذ وجدت صراع القوى لتحقيق مصالح مبادئها ومبادئ مصالحها.

إن ما يجب أن يخيفنا هو أننا لم نعدّ العدّة للبديل. فالذي يتهددنا من قبل الشرطي الدولي عراق جديد تتقاسمه الفوضى والطائفية تحت غطاء ديمقراطية شكلية. كذلك تتهددنا ردة فعل مناهضة للعروبة داخل القطر الذي كان ولا يزال قلبها النابض، وقد ارتبط في عقول وقلوب الناس كره النظام الاستبدادي بالمشروع الذي كان له مجرّد غطاء.

إن واجب كل السوريين اليوم، بما هم المستهدفين الأولين، منع هذا المنزلق الكارثي بكل ما أوتوا من قوّة. وهذا يتطلب جبهة ديمقراطية عريضة تعيد رونقها ونضارتها لمفاهيم الجمهورية والديمقراطية والعروبة وتعيد لسوريا شبابها الذي أهدرته كمشة من الناس مكانهم في أي بلد طبيعي مستشفى المجانين للبعض وزنزانات الحق العامّ للأغلبية.

وفق الله إخوتنا في سوريا في رفع هذا التحدّي المصيري الذي هو التحدّي الذي يواجهه العرب في كل أرجاء وطن كبير محتل داخليا ومطوق خارجيا ويمرّ بأزمة وجود تذكرنا بأزمته وهو بين مطرقة ملوك الطوائف وسندان المغول.