فشل السياسة البراغماتية السورية في الاستجابة

    للمتغيرات الدولية والداخلية

 

رجاء الناصر

          

   تمكنت السياسة الخارجية البرغماتية السورية من أن تحمي ( سورية ) من كثير من العواصف التي تعرضت لها المنطقة خلال العقود الثلاثة الماضية , فبفضل هذه السياسة أمكن الحفاظ على الخطاب القومي للنظام السوري , وعلى دور إقليمي متميز في المنطقة , وعلى علاقات مقبولة من الغرب وعلى رأسه الولايات الأمريكية المتحدة .

اعتمدت السياسة البراغماتية السورية على إمساك العصا من الوسط , وهو ما جعلها غير مضطرة لأحداث انعطافات هامة وحادة في مواقفها وسياساتها الدولية والعربية , ففي ظل العلاقات الاستراتيجية مع الأتحاد السوفياتي قبل انهياره , كانت خطوط السياسة السورية مفتوحة على الغرب عموماً وعلى الولايات المتحدة خصوصاً , وفي ظل خطاب قومي ( متشدد) أعطيت سورية ضوءاً أخضر للدخول إلى لبنان عام 977 لتقيم وتضبط توازنات وصراعات وصداقات متباينة ومتبدلة . وفي ظل الحرب العراقية – الإيرانية وتمكنت السياسة السورية من إقامة علاقات جيدة مع الثورة الإيرانية , ومع دول الخليج العربي المتحالفة آنذاك مع الجانب العراقي , وعلى جبهة الصراع مع العدو الصهيوني حافظت على الهدوء في جبهة الجولان السورية ولكنها ساهمت على الجبهة اللبنانية – الفلسطينية  بدعم المقاومة اللبنانية في صراعها مع العدو الصهيوني ، وعندما تعرضت السياسة السورية لضغوط كبيرة من أجل تعديل مواقفها استطاعت بسهولة أن تحني رأسها للعاصفة دون أن تحدث تغيرات درامية في سياساتها كما حدث في عدوان عاصفة الصحراء عندما شاركت سورية ضمن قوات التحالف الدولي المعادي للعراق ، رغم خطابها القومي المعارض للعدوان ، وكما في التجاوب مع الضغوط التركية وأبعادها للزعيم الكردي أوجلان .

تلك السياسة البراغماتية السورية . بدأت تفقد فعالياتها تحت ضغط المتغيرات الدولية وخصوصاً بعد احتلال العراق ، حيث بدا المخطط الأمريكي متجاوزاً لقوانين ومعطيات المرحلة السابقة وللتفاهمات الضمنية التي استقرت خلال أكثر من ربع قرن والتي عملت في ظلها السياسة البراغماتية السورية ، وهو ما عبر عنه بوضوح كبار المسؤولين الأمريكيين وهم يوجهون املاءاتهم لسورية ولغيرها من الدول العربية بعد أن حددوا هدفهم بوضوح وبشكل علني بالإجهاز على الخطاب الأصولي ببعديه القومي والإسلامي ضمن مخطط إعادة صياغة المنطقة ، وفي هذا السياق يبرز قانون محاسبة سورية أمام الكونغرس الأمريكي المسلط على سورية من أجل إجبارها على تعديل سياساتها بشكل جذري .

هذه المتغيرات في قواعد السياسة الدولية التي ترسم معالمها بشكل شبه منفرد الولايات المتحدة الأمريكية لا يبدو انه قد تم استيعابها بشكل جيد لدى صنّاع القرار السوري ، حيث لا يزال الرهان على إمكانية الاستمرار وفق السياسة التقليدية السورية , أي بتقديم تنازلات محدودة على بعض الجبهات والحفاظ على جوهر الموقف السوري على جبهات أخرى .

السياسة الأمريكية الحالية وضعت النظام السوري في خانة المستهدفين ضمن إعادة ترتيب أوضاع المنطقة باعتباره  من بقايا الأنظمة الشمولية القومية وبعد أن انتهت وظيفته في السياسة الدولية الأمريكية باحتلال العراق ومحاصرة " إيران " وتحجيم الحركة الوطنية الفلسطينية ، وما يقدمه من تنازلات سواء على جبهة التعاون مع الولايات المتحدة فيما يسمى بمكافحة الإرهاب أو في قبول وتسهيل الطرق أمام " خارطة الطريق " وأمام الاحتلال الأمريكي للعراق لن يساهم في تحسين العلاقات السورية الأمريكية وإلغاء مخططها في الإجهاز على النظام السوري ضمن إعادة صياغة المنطقة ، وهو ما روج له بعض المسؤولين الذين تحدثوا عن وجود حاجة أمريكية للنظام السوري في المنطقة . وعلى العكس من ذلك فإن التنازلات التي ستقدمها سورية لن تساعد إلا على تفكيك جبهتها الداخلية ضمن ما يمكن أن تولده من تسابق على خدمة المخططات الأمريكية .

سورية لا تتعرض لأزمات خارجية حادة فحسب تستوجب عليها تحديد سياساتها الخارجية بوضوح بل تتعرض أيضاً لأزمات داخلية عميقة اقتصادية واجتماعية فالفساد الذي نجم عن سياسة مبرمجة من اجل إحكام قبضة النظام الشمولي على المجتمع أضحى غولاً يصعب التحكم فيه .

ولم تعد تنفع الحملات الدعائية عن مكافحته ، وأضحى من القوة بحيث تصعب مواجهته دون استخدام مبضع الجراح المؤلم ، والبطالة ارتفعت حدتها ، حيث توجد أكثر من مليون ومئة ألف يد عاطلة عن العمل حسب الأرقام الرسمية وهي زادت كثيراً عما كانت عليه قبل عامين حين قالت الحكومة السورية : أنها وضعت سياسة عملية لمكافحة البطالة ، والاقتصاد السوري منهك بفعل الفساد والبيرقراطية من جهة وبسبب نضب الموارد الاستثنائية ( أموال الدعم العربي والبترول المكتشف والسوق العراقية في مرحلة الحصار ) من جهة ثانية , وبسبب عجز وهرم البنى الاقتصادية والتضارب في القوانين الاقتصادية من جهة ثالثة .

سياسة الاستمرار في السياسة الخارجية مع تحولات جزئية لجهة القبول بالاملاءات الأمريكية توازيها سياسة الاستمرار في السياسة الداخلية مع تبني " إصلاحات تجميلية " تحت شعار التطوير والتحديث .

خلال السنوات الثلاث السابقة تمكنت السلطات السورية من إدارة الأزمات ، لكنها لم تقدم أي حلول جدية للازمات التي تمر بها فعلى مستوى العلاقات الخارجية لا يزال الضغط الأمريكي عميقاً ومستمراً . رغم تجميد الاشتباكات على الجبهة الفلسطينية ورغم التنازلات المحدودة على الجبهة العراقية

وعلى المستوى الداخلي فشلت دعوى أولوية الإصلاح الاقتصادي فشلاً ذريعاً وهو ما أدى إلى رفع شعار الإصلاح الإداري " في تجاهل مقصود للمدخل الطبيعي للإصلاح وهو إصلاح البنية السياسية عبر التحول الديمقراطي .

سياسة الإصلاح المتدرج الذي قبلت به قوى الحراك الاجتماعي والسياسي لم تتقدم أية خطوة إلى الأمام فرغم مرور ثلاث سنوات على طرح هذه السياسة لم يتم التقدم على طريق إنجاز المقدمات الأولى للإصلاح مثل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين أو عودة المبعدين أو السماح للرأي الآخر عن طريق إطلاق حرية التعبير وإبداء الرأي , بل على العكس حدثت تراجعات إذ اعتقل نشطاء في مجال الدعوة الديمقراطية وألقي القبض على آخرين , وصدر قانون للمطبوعات هو الأسوأ في العالم , وأعيد تطبيق الأحكام العرفية في كثير من الحالات رغم كل ما قيل عن تجميد تطبيق هذا القانون .

السلطة السورية لم تعترف حتى اليوم رسمياً بوجود رأي آخر ولا بقوى المعارضة رغم كل ما تضمنته أحاديث المسؤولين من إشارات إلى تلك المعارضة بل حاولت مصادرتها في بعض الأحيان عبر الإيماء بعدم وجود مطالب جدية لها مستفيدة من ضعف قوى الضغط الداخلية بسبب التغييب الطويل للسياسة من المجتمع وربط كل المصالح الحياتية والمعاشية للمواطنين بالسلطة , هذا التغييب وتجاهل المعارضة ومطالبها , والحديث عن ضعفها سيعمق الأزمات السورية وسيؤدي إلى مزيد من التآكل والنخر الداخلي في بنى الدولة والمجتمع بكل ما يمكن أن يتولد من انفجارات غير محسوبة ومدمرة .

توازن الضعف الذي يطرحه البعض كمدخل لرسم الأدوار في السياسة السورية الداخلية لا يخدم الوطن وهو غير دقيق من جهة أخرى لأنه يقوم على تجاهل

دور الشارع  السوري الغائب .

خلال السنوات الثلاث كان خطاب المعارضة السورية خطاب مطالب  موجهة للسلطة وهي سلطة محكوم عليها بالعجز بدل توجيهها إلى قاعدتها الشعبية وهي إحدى إشكاليات الحركة الإصلاحية السورية وهو طريق سهل لكنه غير مجد  على المدى الاستراتيجي وهو يخدم التركيز على السلطة باعتبارها المسؤولة وحدها عن الإصلاح .

مهمة المعارضة الأساسية الدفع للتغيير وليس مجرد المطالبة به وهو ما يتطلب حراكاً مجتمعياً من قبل قوى التغيير الوطني الديمقراطي والدفع لتشكيل تيار إصلاحي داخل السلطة وخارجها وتشكيل أدوات ضغط داخلية مؤثرة عبر مؤسسات المجتمع المدني ، وفي هذا السياق تأتي الدعوة لعقد مؤتمر وطني تشارك فيه قوى الإصلاح والتغيير الديمقراطي مهمته صياغة نهج الإصلاح ومتطلباته وهو مؤتمر يجب أن تسبقه حوارات موسعة بين جميع أطراف وقوى المجتمع على قاعدتي الاعتراف بالآخر والديمقراطية في الداخل ومقاومة العدوان الخارجي .