شرطة التنوير   تركي

علي الربيعو : السفير 14/4/2006


يتساءل الباحث المتابع لما يجري في أروقة الخطاب العربي المعاصر: لماذا يعاود خطابنا المعاصر طرح التساؤل النهضوي: ما التنوير؟ وذلك في نهاية القرن المنصرم وبداية الألفية الجديدة وبعد مضي أكثر من قرن ونيف على طرحه من قبل الرواد الأوائل؟، أضف الى ذلك أن إعادة طرح التساؤل في نهاية القرن وبداية القرن الجديد من شأنها أن تثير من التساؤلات والإشكالات الفكرية الكثير: ما العلاقة بين الحداثة والتنوير؟ وهل الحداثة تكملة للتنوير كما تساءل ميشيل فوكو؟ وإلى أي مدى استطعنا أن نجيب عن الأسئلة المتفرعة عن التساؤل الأساسي: ما التنوير؟ والتي يتحدد بها التنوير إلى حد كبير وأقصد: من نحن وفيمَ نفكر وما نعمل اليوم كما حددها فوكو؟ والأهم من هذا كله: إذا كان المشروع الثقافي الغربي قد استنفد أهدافه لصالح الحداثة التقنوية التي ساهمت في إنتاج <<الإنسان ذي البعد الواحد>> كما وصفه هربرت ماركيوز، أو الإنسان المحاصر في عصر المراقبة الإلكترونية الشاملة بحسب الفيلسوف الفرنسي بول فيريليو، فإلى أي مدى يستطيع المشروع الثقافي العربي الذي نعثر عليه في صورة التابع والباحث عن الحداثة في ماضي أوروبا القريب والذي ما ملّ من رسم الخطاطات التطورية لهذه الحداثة، أن ينجح في تقديم الإجابة على التساؤل المركزي: ما التنوير؟ خاصة ان إعادة طرح التساؤل ما التنوير هو بمثابة إقرار ضمني بأننا قد وصلنا الى أنفاق مسدودة وأن الإظلام هو السائد وأن التعصب هو القاعدة كما يكتب جابر عصفور في كتابه (ضد التعصب، المركز الثقافي العربي، 2001)، وذلك انطلاقا من أن التنوير ليس سوى رد فعل تنويري على الإظلام كما يجمع العديدون على تعريفه.
في أواخر القرن الثامن عشر (1784م) كتب الفيلسوف الألماني كنط مقالته الشهيرة: ما الأنوار؟ عبر نص قصير لما يزل غامضا على حد تعبير ميشيل فوكو. في هذا النص دفع كنط بالتساؤل الجوهري الى الواجهة: ما الأنوار؟ وأجاب كنط بأن الأنوار هي حالة خروج الانسان من قصوره الذي هو نفسه مسؤول عنه. قصور يعني عجزه عن استعمال عقله دون إشراف الغير، قصور هو نفسه مسؤول عنه لأن سببه يكمن ليس في عيب في العقل، بل في الافتقار الى القرار والشجاعة في استعماله دون إشراف الغير. والنتيجة التي يقودنا اليها كنط في سعيه الى تجذير العقلانية والحرية التي تضمن استعمالات العقل هو الشعار التالي: تجرأ على استعمال عقلك أنت فذاك هو شعار التنوير؟ وذلك دون أن ينسى أن الجمهور لا يمكن أن يصل الى الأنوار إلا ببطء، فقد تساءل كنط في خاتمة نصه القصير: هل نعيش حاليا في عصر مستنير؟ وكان جوابه: كلا، بل في عصر يسير نحو الأنوار؟
بعد قرنين من الزمن وفي إطار حفرياته الإركيولوجية في <<الكلمات والأشياء>> علّق ميشيل فوكو على النص الذي كتبه كنط بقوله: قد يكون نصا قصيرا، لكن يبدو أنه فتح، في السر، تاريخ الفكر على سؤال لم يكن بمقدور الفلسفة الحديثة أن تجيب عنه لكن لم يتأت لها التخلف عنه أبدا. ومن وجهة نظر فوكو أن هذا التساؤل ظلّ يطرح بأشكال مختلفة، بدءا من هيغل الى هوركهايمر وهابرماس مرورا بنيتشه وماكس فيبر، إذ ليس ثمة فيلسوف واحد تقريبا، لم يواجه نفس السؤال بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وهذا هو تاريخ الفلسفة الحديثة التي تحاول الإجابة عن التساؤل المطروح، منذ قرنين وبتفطن بالغ: ما التنوير؟ إن الحفر الذي يلجأ إليه ميشيل فوكو في طبقات التنوير الغربي يهدف الى الرد على تساؤلين إثنين، الأول: لماذا غاب التنوير لصالح حضارة البعد الواحد وعصر المراقبة الإلكترونية الشاملة؟ والثاني: لماذا تراجعت الكينونة على أعتاب المجتمع الصناعي وما بعد الصناعي ولم يزدهر الاثنان معا كما أراد هيدغر، بل طغى أحدهما (التقنية) على حساب الآخر وانتهى المشروع التنويري الغربي الى عكس ما يريد؟.
من وجهة نظر بعض الباحثين العرب أن المشروع الثقافي العربي الذي رفع رايات التنوير، لا يملك تاريخية المشروع الثقافي الغربي الذي يشكل مرجعيته وسلفه بآن، ولم يتمكن من الهجرة من النقيض الى النقيض، فهو لا يزال أسيرا للخطاب المعرفي القديم، ولما يدخل بعد في مواجهة مع خطاب معرفي نقيض، وفي سعيه للإجابة عن الأسئلة المتفرعة عن فعل التنوير والمتمحورة كما يرى فوكو حول: من نحن وفيمَ نفكر وما نعمل اليوم؟ ظلّ أسير إشكالياته ولم يتحرر من هيمنة السلف الغربي، والأنكى من ذلك أنه ظل ممعنا في استغرابه كما يقول جلال أمين، أي كان تنويرا فيه من التغريب أكثر مما كان لازما لتحقيق النهضة المنشودة، باختصار فقد كان في مجمله قياسا على الغرب وتغريبا على أرض الواقع، ولم يرق الى مستوى القطيعة مع ما سمّاها كنط ب<<إشراف الغير>>، فقد ظلّت الإجابة عن التساؤل من نحن أسيرة حضور الآخر /الغرب، ففي كل مرة يطرح المفكرون والمثقفون العرب على أنفسهم التساؤل من نحن، فإن صورة معينة للغرب تندرج تحت هذا التساؤل كما بيّن عبد الله العروي في <<الأيديولوجيا العربية المعاصرة، 1996>> لتجعل منه نموذجا وسلفا كما بين محمد عابد الجابري في تحليله للخطاب العربي المعاصر، أو تحاول أن تلغيه عبر المعادلة المستحيلة إما نحن وإما هم.
وفي رأيي أن الخطاب العربي المعاصر الذي يعاود التساؤل: ما التنوير وذلك في نهاية القرن المنصرم وبداية الألفية الجديدة، ما يزال أسير إشكالياته العديدة ومطارحاته الفكرية القديمة، ولا يزال يقيس على الغرب بدلا من الاستئناس بتجربته. وما يزال يدبج بياناته التنويرية مع اقراره بانتكاسة التنوير وبهزيمته التي يجعل منها جابر عصفور شاهدا على هزيمة أمة، وهو ما يزال عاجزا عن مراجعة تجربته وتحليل بياناته التنويرية التي تشهد على عكس ما يريد، فانتكاسة التنوير لا ترتد الى ضخامة الهجمة المضادة كما تذهب الى ذلك بيانات التنوير، بل الى علة في من يدعون التنوير؟
وفي رأيي أيضا، أن الخطاب العربي المعاصر الذي ينظر الى التنوير كفعالية اجتماعية كفاحية تتطلب منازلة الظلام في وضح النهار على حد تعبير مطاع صفدي في كتابه <<نقد العقل الغربي 1990،>> سرعان ما نجده يجنح وبسرعة من التنوير كفعل معرفي محكوم بإرادة معرفة، الى الأيديولوجيا ليصبح بيانا أيديولوجيا وسياسيا محكوما بالتبرير وبنزعة استبعاد الآخر ونفيه مع أن شرط الحرية يقوم على ضرورة توفير حرية الرأي للآخر وقد نعثر على مادة دسمة في خطابات التنويريين العرب بعد الانتخابات الأخيرة التي جرت في مصر أو تلك التي أدت الى فوز حماس. من هنا يمكن القول إن خطاب التنوير العربي وكذلك مشروع التنوير وأخص خطاب الحداثة والعقلانية والتنوير كون التنوير شرط العقل ظل أسيرا لما يضاده، محاصرا داخل الخطاب عينه الذي يرفضه ويريد تدميره، وبذلك انحدر التنوير العربي من مشروع كينونة على حد تعبير مطاع صفدي الى بديل أيديولوجي. وعندها أصبح أدعياء التنوير هم حراس الأيديولوجيا وشرطة الأفكار وباعة الاوهام على حد تعبير علي حرب في نقد لأوهام النخبة، وانحدر التنوير عندها الى شكل آخر من أشكال الظلام مع أنه نذر نفسه لإنارة المخفي فيه؟