حوار الحضارات و "قوانين الطوارئ"

د. طيب تيزيني : الإتحاد الإماراتية 11/4/2006

 

يلاحظ في تاريخ الأفكار أن مناقشة فكرة ما، قد تُنتج أفكاراً أخرى تُغني المناقشة، وتفتح أمامها آفاقاً جديدة. ومن هذه الآفاق ما يمكن أن ينعكس سلبياً على المناقِش أو على المؤسسة المنظِّمة للمناقشة والدّاعية لها. لقد قدم صموئيل هنتينغتون أطروحته حول صدام الحضارات وأعلن فيها ما هو زائف وخاطئ معرفياً وما هو خطير في نتائجه سياسياً بشرياً. قال: إن جوهر الحضارة يتجسّد في الدين، وإن هذا الجوهر لمّا كان يختلف من حضارة إلى أخرى، فإن الصدام بينهما لابد وارد، لأن الاختلاف المعنِي هنا بين الحضارات لا سبيل إلى حلّه أو ضبطه إلا بالصدام.
تلك الأطروحة الهنتنغتونية تهمنا هنا، ليس في ذاتها، وإنما في ما أثارته من ردود فعل ضمن "المعسكر" الآخر، أي في الفكر السياسي العربي الرسمي والإسلامي التكفيري في عمومه وإجماله. لقد ثارت ثائرة معظم النُّظم العربية على أطروحة هنتنغتون، خصوصاً حين وُضع الحوار حول ذلك في مسار "الإسلام والغرب". وفي هذه الحال تحديداً التقت ردودُ الفعل الرافضة من مرجعيتين اثنتين، واحدة متحدرة من ذلك الفكر السياسي الرسمي، وأخرى من المنظومة الإيديولوجية للاتجاهات التفكيرية الإسلامية. أما هذا اللقاء فقد تحدد في رفض المرجعيتين لأطروحة هنتننغتون، خصوصاً حين طُرحت وتُطرح بمثابتها تكريساً للهيمنة الغربية العولمية على العالم العربي والإسلامي، وتأكيداً على مقولة "الإرهاب الإسلامي والعربي". ومن شأن هذا أن يعني أن الرد على هنتنغتون اقتضى التأكيد على " حوار الحضارات والأديان"، بدلاً من الصدام فيما بينها.
وفي هذا السياق عُقدت منذ أسبوعين ندوة شبه دولية في مدينة "الرقة" بسوريا، حول "صراع الحضارات والحوار بينها". وقدّمنا، بدورنا، إسهاماً في ذلك تمثّل في عدة مسائل أبرزنا منها اثنتين، هما تحديد الحضارة أولاً، وضبط الأدوات الناظمة للحوار بين الحضارات ثانياً. وجاء تحديدنا مكثفاً مختصراً، حين لاحظنا أن "الحضارة" هي جُمَّاع القول فيما يوحّد بين المدنية والثقافة والحياة الروحية-النفسية. لكنا توقفنا عند تلك الأدوات الناظمة للحوار وقفة نقدية، حاولنا فيها أن نجيب على السؤال التالي: هل يمتلك الفريقان المذكوران هنا من المنظومات المنهجية السياسية والمعرفية والإجرائية ما يتيح إجراء مثل ذلك الحوار؟ وهنا، يغدو السؤال أكثر سخونة، حين يأخذ الصيغة التالية: هل يسمح كلٌ من الفريقين بالحوار إياه، إذا واجه استحقاقاته؟ في هذا المعْقد من المسألة، يجدر التعرف على شروط الحوار أو على أهم شروطه، والنظر إلى هذه الأخيرة (أي الشروط) على أنها المدخل إلى المشكلة عموماً.
إن إقراراً غير مشروط بالآخر على صعيدي الواقع الاجتماعي والفكر أو الإيديولوجيا، يكوّن "ألف باء" المشكلة المذكورة، ويلحق بذلك الاشتراطُ اشتراطٌ آخر يقوم على الإقرار بأن الحقيقة يمكن أن تكون عند كل الأطراف المتحاورة، بصيغة أو بأخرى وبقدر أو بآخر. وعلى صعيد هذين الاشتراطين لا يمثّل الاختلافُ بين المتحاورين حكم قيمة، بل يجسد حكم وجود موضوعي يمنع من جعل طرف ما حكماً على الأطراف الأخرى. أما الوصول إلى ما يعتبر حقيقة في هذا السياق فيتم عن طريق نمطٍ من الحوار، الذي يقوم على العقلانية، والاحترام المتبادل والتواضع، والجهد الحثيث المشترك، ورفض المصادرة المسبقة على الحقيقة، ورفض الاستقواء بمرجعية سياسية أو دينية أو مجتمعية قاهرة، وغير ذلك، سواء تحدرت من الداخل أو الخارج.
فإذا كان الأمر على هذا النحو من الجِدّية في الحوار وفي شروطه، فإن ذلك يمثل مدخلاً إلى مخاطبة "الغرب" من قِبل النظم العربية والإسلامية والإسلاميين ومطالبته بالامتثال له في إقامة علاقاته معه على هذا الأساس. والسؤال الآن الأكثر وعورة وإشكالية يتجلى فيما يلي: هل تسلك تلك النظم ويسلك هؤلاء الإسلاميون النهج ذاته "في الداخل"، أي مع الشعوب العربية والإسلامية ومع الأطراف الإسلامية الأخرى المخالفة لهؤلاء؟
ها هنا، تبرز قبضة قوانين الطوارئ والأحكام العرفية الاستبدادية من موقع النُّظم السياسية، وتبرز أحكامُ التكفير من موقع الاتجاهات التفكيرية. فهذه وتلك تمنعان الحوار مع الآخر وتحرّمانه وتسوقان إلى السجون أو إلى الموت من يخالف ذلك. هذا ما ظهر في ندوة "الرقّة" حين طرحنا السؤال التالي: كيف نطالب الغرب بالاعتراف بحقنا في الحوار النِّدي معه، ونمنع الحوار بيننا، في وقت نزعم فيه -منافقين- أننا ضحية الغرب؟!