العجيلي معارضاً

صبحي حديدي  القدس العربي

 

ذات يوم، أواخر السبعينيات اذا أسعفتني الذاكرة، نزلت مجلة العربي الشهرية الكويتية الي المكتبات والأكشاك السورية وقد اقتطعت منها الرقابة ثلاث صفحات. لم يكن الأمر مألوفاً، بل كان نادراً تماماً، لأن المجلة لم تكن سياسية من جانب أول، ومن جانب ثانٍ لم يكن مجمل ما يُنشر فيها من موضوعات سياسية الا من النوع الذي لا يغضب السلطة العربية، أينما كانت في الواقع، من المحيط الي الخليج الي المتوسط. المثير أن فهرس مواد ذلك العدد كان يشير الي أن الصفحات المقتطَعة كانت مجرد مقال عن... كيفية شراء كيلوغرام من البندورة، بواسطة رافعة (ونش) ضخمة! والمدهش، بعد المزيد من الاثارة، أن المقال كان بتوقيع... الدكتور عبد السلام العجيلي (1918 ـ 2006)، الطبيب والسياسي والكاتب والروائي والقاص الكبير الذي فقدته سورية قبل أيام.
اليكم خلفية المقال، أولاً. في ذلك الزمن، اواخر السبعينيات، كانت سورية تعيش أزمة تموينية خانقة وخارقة لكل ما هو معقول، تبدأ من فقدان أو ندرة مواد أساسية مثل السكر والشاي والزيت والسمن، ولا تنتهي عند المعارك اليومية التي يتوجب خوضها للحصول علي ربطة خبز أو كيس بندورة أو بطاطا أو بصل، أو علبة محارم ورقية. ولست أبالغ حين أقول، وأثق أن المواطن السوري الذي عاش تلك المرحلة يتذكر معي، أن حامل علبة سمن (وأقصد السمن النباتي، الرديء جداً، غير الصحي بأية حال) من نوع النواعير مثلاً، كان يسير في الشارع وفي وجدانه يتلاطم شعوران: الزهو، لأنه جلب ما يعادل الجزة الذهبية، أو رأس غليص كما كان والدي رحمه الله يردد؛ والخجل، لأن الناظرين اليه كانوا يحسدونه علي نعمة ليست من نصيبهم!
العجيلي تناول واقعة من باطن هذه الحال، شاهدها بأم عينيه في بلدته الرقة. كانت أعداد غفيرة من المواطنين تتجمع أمام أحد مراكز ما عُرف آنذاك باسم الشركة العامة للخضار والفواكه ، التابعة لوزارة التموين والتجارة الداخلية، حيث كان يجري توزيع أكياس البندورة (كيلوغرام ونصف، ليس أكثر!). ولما كان المواطنون يتدافعون بالأيدي والمناكب، لأنهم يعرفون مسبقاً أن هذا الذهب الأحمر سوف يتبخر خلال ساعة أو أقل، فان العاملين في شركة كهرباء الرقة توصلوا الي حل عبقري يكفل كسر الطابور وتجاوز الدور وتأمين البدورة... ليس دون الاستعانة بمخيلة سوريالية بعض الشيء: لقد جلبوا الرافعة المخصصة لاصلاح أعمدة الكهرباء، وجلس زملاء لهم في سطلها، ثم أنزلوا السطل أمام الطابور وسدوا بذلك كوة التوزيع علي مَن يصطف خلفهم!
لم يكن غريباً، اذاً، أن تقتطع الرقابة السورية الصفحات التي حملت مادة العجيلي، خصوصاً وأن رسام مجلة العربي آنذاك، فنان الكاريكاتير المصري الكبير حسن حاكم، زاد الطين بلة حين صور الواقعة في رسم بديع لاذع آسر. وأرجو أنني لا أغبن أديبنا الكبير الراحل حين أعترف أنني، من بين أعماله الكثيرة ومواقفه الشجاعة وسجله الوضاء، تذكرت هذا المقال أولاً حين بلغني نبأ وفاته. لقد بدا المقال قطعة في الأدب الساخر، أو هكذا اعتبره تحرير مجلة العربي علي الأرجح، من معلم ماهر وكاتب خبير وابن بار للمدينة التي يحكي عنها. لكن هذا لم يكن رأي وزارة الاعلام السورية، لأن رجال الرقابة علي المطبوعات فهموا المادة علي نحو صائب للانصاف، تماماً كما فهمها أو كان سيفهمها كل السوريين: أنها، ببساطة وقبل كل اعتبار، سخرية سوداء ومادة احتجاج وأدب معارض!
لست أقصد القول ان العجيلي كان معارضاً للنظام، وهو بالطبع لم يكن من أهل النظام علي أي نحو. لكن تلك المقالة كانت تنطوي بالضرورة علي حس المعارضة، وتسجل نبض الاحتجاج الاجتماعي، كما تؤدي في تفضيح النظام الحاكم وظيفة ليست أقل فاعلية من أي بيان سياسي معارض. كذلك يقتضي الانصاف ذاته التذكير بأن السلطة في تلك الأيام كانت قد بلغت في الاستبداد أوجاً عارياً لا يسمح بمعارضة من هذا النوع ولا يتقبلها، خصوصاً اذا أتت من اسم أدبي مرموق وشخصية بارزة، ليس في سورية وحدها بل في العالم العربي بأسره. فوق هذا وذاك، كان الراحل قد كتب المقالة ونشرها وهو مقيم في الرقة، التي كان محافظها آنذاك واحداً من أشرس طغاة السلطة: محمد سلمان، النجم الصاعد الذي سيصبح وزير الاعلام، وأحد أعمدة النظام.
وقبل سنوات مر الراحل في باريس، التي كان يحبها علي نحو خاص، وتشرفت بلقائه علي فنجان قهوة. كان طبيعياً أن يقودنا الحديث الي أحوال بلدنا السياسية والاجتماعية، فذكرته بمقال مجلة العربي ، وأعدت التشديد علي تثميني للمحتوي المعارض كما فهمته حينئذ، وأفهمه الآن أيضاً. رد العجيلي بأن لقطة سطل الرافعة المحمل بالرجال والبندورة كان طريفاً علي نحو لا يمكن الا أن يلفت انتباهه، ومأساوياً بحيث يصعب أن لا يدونه علي الورق، وأشد مغزي في التعبير عن روح سورية تلك الأيام من أن يتردد في كتابة الحكاية ونشرها. وشراسة السيد المحافظ، ألم تتخوف قليلاً يا دكتور؟ سألته، فأجاب مبتسماً: أنا أعشق هذا البيت من المتنبي:
وما الخوف الا ما تخوفه الفتي
وما الأمن الا ما رآه الفتي أمنا...