الغواية الطائفية في البلاد العربية

د. برهان غليون : الإتحاد الإماراتية

رغم المقاومة القوية التي أظهرتها الشعوب العربية لمشعلي الفتن الطائفية في السنوات الأخيرة، في العراق وفي غيره أيضا، إلا أن الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها أطراف متعددة، رسمية وأهلية على السواء، من الخارج ومن الداخل أيضا، تدفع بشكل متسارع نحو جعل المخرج الطائفي حتمية لا تمكن مقاومتها في العديد من أقطار العالم العربي. بل إن هناك من بدأ يتحدث بصراحة عن مخاوف من انجرار المنطقة برمتها إلى نزاع طائفي لن تكون نتيجته سوى الدمار المعمم. وشيئا فشيئا يكاد الرأي العام العربي يستسلم في بعض الأقطار، بل في أكثرها، لفكرة قبول النزاعات الطائفية كما لو كانت عاهة ولادية مرتبطة ببنية المجتمعات العربية وثقافتها.
والواقع أنه ليس لهذا الانجرار وراء المخرج الطائفي، أي علاقة بواقع التعددية الدينية والمذهبية والعرقية، أو حتى بالحساسيات والحزازات المحلية القديمة بين الطوائف المتواجدة منذ قرون طويلة على الأرض نفسها. فكما يمكن أن تقود التعددية إلى التعايش المثمر والمثري والمبدع، كما أظهرت ذلك قرون طويلة من الحكم العربي، ليس في أسبانيا أو في بلاد الأعاجم الشاسعة في آسيا ولكن أيضا في بلاد المشرق جميعها، يمكن أن تقود أيضا إلى النزاع وتشريع القتل المأساوي على الهوية. وبعكس ما يعتقد الكثيرون، ليست لهذا النزاع علاقة بطبيعة العقائد ومضمونها واختلافاتها وإنما بالظروف التي تشرط حياة الجماعات وتحدد العلاقة بين الوحدة منها مع الأخرى. فمن الممكن أن تكون العقائد متباينة تماما بين الأطراف ويكون التعايش كبيرا في ما بينها، كما أنه من الممكن أيضا أن يولد النزاع بين جماعات تنتمي إلى الأصول ذاتها ولها منظومات عقائد وأعراف وتقاليد واحدة، كما تبرهن على ذلك الصراعات التي غالبا ما تندلع داخل القبائل والعشائر والطوائف، بل والعائلات نفسها.
وهكذا، فعندما عززت حقبة الاستقلال الانخراط في العالم الحديث وخلقت آمالا كبيرة بالتقدم والارتقاء لدى الجميع، وفي جميع المجالات، ولدت حركة وطنية وقومية واسعة وحدت بين جميع الأطراف ودفعت إلى تجاوز الانقسامات التاريخية الطائفية والأقوامية والاندماج في كل وطني حديث واحد. وبالعكس، يغذي الانسداد والجمود اللذين تقود إليهما نظم متحجرة ولا إنسانية، وما ينجم عنهما من حرمان الجميع من فرص التقدم والارتقاء، شعورا عميقا بالإحباط والخوف وانعدام الثقة، مما يشجع الجماعات والأفراد معا على التحلل من قيم التضامن الإنسانية وعلى القبول بجميع الطرق والوسائل اللاأخلاقية للخروج مما يبدو وكأنه حالة حصار وموت محقق، بأي ثمن وعلى حساب الجماعات والأفراد الآخرين.
ومن هنا يشكل الخيار الطائفي، بالمعنى الديني والأقوامي معا، التعويض المباشر عن غياب الخيار السياسي، أي الجماعي الوطني. وطالما بدت شروط تحقيق هذا الخيار الأخير مفقودة أو مستحيلة التوليف، تنزع الجماعات إلى الحلول الانفرادية لعلها تجد لنفسها مخرجا لا أمل في إيجاده بالتوافق مع الغير. فالطائفية هي رديف إعدام السياسة، والقضاء على روح التواصل والألفة، وتمجيد الوصولية والانتهازية القائمتين على الأنانية، وانهيار مفهوم القانون، بما يعنيه من احترام الحق والعدل أمام استئثار العصبية العمياء التي تقوم على مبدأ نصرة الأخ ظالما أو مظلوما. وهذه الشروط هي تحديدا ما يتحقق في العديد من الأوضاع والحالات العربية، حيث تشعر جميع الأطراف بأنها في بداية نفق مظلم طويل لا تعرف ما إذا كانت ستخرج منه أم لا.
وأول من يبدو عليه الضعف أمام إغواء الطائفية اليوم هو تلك النخب التي تحكم منذ عقود طويلة من دون مشاركة ولا قيود ولا التزامات واضحة، والتي تواجه اليوم استحقاقات خارجية خطيرة، في الوقت الذي كانت قد أحرقت فيه جميع سفنها مع شعوبها، وتخشى أن تتعرض لتهديدات مصيرية من دون أن تكون لديها أية فرصة لمواجهتها. وبقدر ما سدت على نفسها باب الحلول السياسية، وبدأت تكتشف محدودية وسائل القمع التقليدي، فإنها تندفع اليوم وراء الحلول الجانبية لعلها تنجح في خلط الأوراق وتجنب المحاسبة والمسؤولية وإجهاض حركة المعارضة الديمقراطية.
لكن النخب الحاكمة، أو بعضها على الأقل، ليست الطرف الوحيد الذي يمكن أن يجد في إحياء المنطق الطائفي مهربا إلى الأمام من مشاكله السياسية المستعصية على الحل. فالضغط الذي تتعرض له قطاعات واسعة من المعارضة السياسية والمدنية المحرومة من حقوقها والمعرضة باستمرار للملاحقة، يدفع بعضها أيضا، أي قواها الأكثر استعجالا والأقل حكمة، إلى التفكير باستخدام الطائفية لفك عزلتها.
بيد أن المجتمعات نفسها ليست محصنة ضد الاستخدامات الطائفية أيضا. وتشكل الظروف الصعبة التي تعيشها أغلبية السكان والضغوط المستمرة التي تتعرض لها، وغياب أفق الحلول الجماعية والسياسية، أي الوطنية، تربة خصبة لنمو المشاعر السلبية عند الأفراد والجماعات، وتوجهها نحو الخيارات التصفوية التي تجعل كلا منها يعتقد أنه لا حل لأزماته المستفحلة والمديدة إلا بالتخلص من الآخر، بتحييده أو إقصائه أو القضاء عليه والسطو على حقوقه وموارده. الحرب الطائفية إذن هي شكل من أشكال حروب التصفية والتطهير العرقية. ونحن مهددون بالانجراف أكثر فأكثر نحو حالة الاحتراب التي تميز المجتمعات الفقيرة والمعزولة والمحاصرة. وما منع هذه الحرب من الانتشار حتى الآن في بلدان عربية عديدة، هو رفض المجتمع بأغلبيته المدنية الانخراط في سياسة العصبية هذه وسعيه إلى استيعاب النزاعات الطائفية من داخل المفاهيم والأطر السياسية. لكن هنا تكمن المشكلة بالضبط. فمع القضاء على مفاهيم السياسة المدنية وأطرها أو تفريغهما من معناهما، وتحت ضغط التدهور المتسارع للأوضاع المعيشية والسياسية والنفسية الراهن، أصبحت هذه المقاومة مهددة بالفعل.
والحال أن الحرب الطائفية، التي يصعب على أحد اليوم السيطرة عليها إذا اندلعت، لا تشكل مخرجا من أي مأزق قائم، لا مأزق الحكم ولا مأزق المعارضة ولا مأزق المجتمع والرأي العام التائه والمتخبط. بالعكس، إنها تعمق ورطة الجميع وكل الأطراف. فهي لن تحرر النخب الحاكمة من مواجهة الاستحقاقات القادمة ولن توفر عليها الاعتراف بحقوق هذه المجتمعات والتزاماتها تجاهها، ومن باب أولى أن تمكنها من استعادة السيطرة عليها. كما أنها لن تعطي للمعارضة أي دفع جديد يساعدها على التغلب على الحصار المضروب من حولها. أما بالنسبة للمجتمع، فهي تقود حتما إلى الدمار العام بقدر ما تهدد وجود الدولة وتبدد موارد البلاد وتعرضها للتهديدات الخارجية. إن المستفيد الوحيد منها هو بالتحديد إسرائيل وشبكات المصالح "المافيوزية" نفسها التي قادت إلى إفلاس الدولة والسلطة، والتي لا تستطيع أن تنمو وتزدهر وتتحول إلى زعامات تاريخية إلا في مناخ الحروب والأزمات. وأصحابها الذين يحتقرون بالتعريف فكرة وجود التزامات جماعية وقيم تضامن إنسانية وحقوق سياسية وحريات فكرية ويفتقرون إلى أي شعور بالمسؤولية... هم المعنيون الوحيدون بتغذيتها وتفجيرها.