مذكرات جزئيّة عن التلفزيون والسجن، أو الصندوقين حين يلتقيان

... ياسين الحاج صالح

إلى علي العبدالله

في 1988 انضمت إلى الإعلام السوري قناة تلفزيونية ثانية، تقدم أخبارا وبرامج وأفلاما ومسلسلات أجنبية. كان الإصغاء إلى نشرة أخبار اللغة الانكليزية المترجمة عن اللغة العربية وهي تتحدث عن القيادة التاريخية الحكيمة والمسيرات الشعبية العفوية وإنجازات الحركة التصحيحية والانتصارات الوطنية والقومية مسليا ومثيرا لاكتئاب عميق في الوقت نفسه. مسليا لأن ما ألفناه في اللغة العربية كان يتجرد من الإلفة في اللغة الإنكليزية وينكشف على حقيقته: خطابا غثا، فقيرا، منفصلا عن الواقع. ومثيرا للاكتئاب لأنه كان يكشف درجة الإذلال والتجويف التي أصابت اللغة العربية، ومدى ترويضها لحاجة السلطة إلى استعراض ذاتها وتسويق ذاتها وإطراء ذاتها.

كانت القناة تلك هي الخيار الوحيد المتاح للسوريين بعد القناة الأولى. وهذه بالطبع عربية خالصة. وفي صدارة أخبارها دوما أخبار الرئيس، وهذه قد تكون مديحا أزجاه صحافي نكرة من لبنان أو مصر، أو مهاجر يزور البلد لأيام قبل العودة إلى مهجره. كان خبرا، على سبيل المثال، ما كتبه كريم بقرادوني في كتابه السلام المفقود من تنويه بحدة ذكاء الرئيس وعمقه؛ هذا بينما منع الكتاب ذاته من التداول في سورية لأنه كان يحمل في ثناياه حسا إشكاليا غير مألوف في أدبيات المديح السورية، التي لا يرتاح لها ضمير إن لم تشارف التأليه.

في المقام الثاني تأتي أخبار حزب البعث والمنظمات الشعبية والحكومة. وبعدها أخبار الدنيا. وهي مصاغة جميعا بلغة تقتل الخبر قبل أن تبثّه، وأعني ذلك حرفيا: ذلك أنها تعرض الحدث السياسي على عقيدة رسمية ثابتة في يقينها، راسخة في علمها أحوال العالم، بريئة من كل حيرة والتباس، متربعة على عرش الحقيقة. وكانت تلك الميتافيزيقا السياسية البعثية عقيدة قديمة، غير مخلوقة، تجد سلامها في تصفية الحدث من حدثيّته، أي مما يجعل منه خبرا. وكان كل جديد تأكيدا لثوابت هذه العقيدة القديمة: صمود سورية، حكمة القيادة، التفاف الشعب حولها، مؤامرات الخارج، تواطؤ أو خيانة أنظمة وقوى عربية متعددة...إلخ. أما برامج المنظمات الشعبية من طلائع شبيبة وطلبة وعمال وفلاحين ونساء، فكانت نوعا من التعذيب الخالص، يفوق في قسوته قراءة الصحف الرسمية، التي قررت نكتة رائجة في سورية أن الله سيعاقب عباده البعثيين بقراءتها يوم القيامة.

كان موعد نشرة الأخبار الرئيسية في القناة الأولى هو الثامنة والنصف مساء. وموعد نشرة أخبار اللغة الانكليزية في القناة الثانية هي الثامنة مساء. ولما كانت هذه تستغرق قرابة ربع ساعة، فقد وفرت القناة الثانية لمن يرغب فرصة في النجاة من سماع أخبار القناة الأولى. إنما على مين؟ بعد شهور قليلة من تدشين القناة الثانية أُلهِم وزير الإعلام السوري الأسبق محمد سلمان بأن يوحد بث القناتين في موعد نشرة الأخبار الرئيسية في القناة الأولى. واقترن هذا الإلهام الرهيب مع وضع مقدمتين موسيقيتين للنشرة، واحدة تثير الرعب وأخرى تثيره أكثر.

الرعب حقا. كنت وقتها في السجن. كان عقد الثمانينات من القرن العشرين هو العصر الذهبي للاعتقال السياسي في سورية. وكنا نحن الموقوفين العرفيين أو الاحترازيين محرومين مما يمكن تسميته الحق في معرفة المصير، فلا نعلم ما سيجري لنا، ولا إن كان سيفرج عنا ومتى. كانت حياتنا وأعمارنا ومصائرنا ملك السلطة، وكانت هذه نفسها أسيرة لحريتها المطلقة، بقدر ما كنا نحن أسرى توقيفنا العرفي الذي يتمدد تلقائيا كل ستة أشهر، مراعاة لخاطر حالة الطوارئ والأحكام العرفية، توأم الحكم البعثي (ولدت بعده بساعات) وملاكه الحارس. وكانت قد انقضت سنوات ست قبل أن يسمح لنا بجهاز تلفزيون واحد لثمانية مهاجع، أودع فيها قرابة 120 سجينا، وأكثر من ثلاث سنوات إضافية قبل أن يستقر التلفزيون الذي سحب منا أكثر من مرة بعد أن كنا دفعنا ثمنه.

كان توحيد بث القناتين، وقد دام عاما أو عامين، يحاصر خياراتنا (كنا نغتنمه من أجل إعداد وجبة العشاء)، لكنه كان يعطينا انطباعا مفيدا عن مزاج النظام. فكلما ازدادت نضالية التلفزيون وطالت نشرات أخباره وتعددت مرات بث الخطب والاحتفالات الرسمية، زاد الإلحاح على أن الأخطار داهمة والمؤامرات متربصة والوطن صامد والقيادة استثنائية، وكلما اقتربت الأخبار من الثوابت أو انحلت فيها، عنى ذلك لنا أن سلسلة أيامنا في السجن، المفتوحة على المجهول، ستطول. لذلك كان توحيد بث القناتين مخيفا، كحال أي حصار. ومكمن الخوف هو ما كان ينطوي عليه فرض ذاك الطقس المضجر حتى الموت من كمّ ضخم من الاحتقار والكراهية لحرية المتفرجين وتنوع خياراتهم.

ترى، كيف اجتمعت حقيقة ثابتة لا تتغير ولا تكف عن الاحتفاء بذاتها مع حالة طوارئ تفترض أن كل لحظة تحمل خطرا جديدا طارئا، وتبرر الأحكام العرفية وقوانين الاستثناء تجمعهما الوظيفة التي يقومان بها؟ إن وظيفة جهاز الحقائق الخالدة وجهاز الطوارئ المتغيرة واحدة: حراسة سلطة تعشق ذاتها. لقد اعتدنا أن نقول إن وظيفة الجهاز الأول هي تسمية الأشياء بغير أسمائها، فيما وظيفة الثاني منع تسمية الأشياء بأسمائها. ومعرفة الأسماء، منذ آدم، حيازة للسلطة. لكن، منذ آدم أيضا، كان ثمن تلك السلطة خسارة الخلود والدخول في العالم الزمني، عالم الآجال المحتومة. فكل ما نعرفه ميت، وخالد فقط ما لا سبيل إلى معرفته وما لا نملك له اسماً. ربما لذلك كان ينتصب أمام معرفة الأسماء حاجزان: السجن والتلفزيون، أو الأمن والإعلام.

وكم يتشابه الجهازان: أليس التلفزيون في الواقع زنزانة لمستهلكيه، قد تكون مؤبّدة عند بعض من يعيشون متفرجين على التلفزيون؟ أليس السجن، في المقابل، التوقيف العرفي المديد تحديدا، دراما مسلسلة لا تنتهي، معزولة عن العالم الواقعي، تتواجه فيها إرادات متصارعة، وكثيرا ما تنتهي بصورة تراجيدية؟

على أن التقاء الصندوقين يحد من مفاعيلهما معا. في السجن، أي في مختبر السلطة السري، يغدو التلفزيون، وجه السلطة العلني، عامل تنويع، مهما يكن فقيرا وغثا كحال التلفزيون السوري. اللقاء المعاكس غير متصور اليوم: لا مجال لعرض المختبر السري في جهاز بيع السلطة واستعراضاتها العشقية لذاتها الخالدة. وحين يغدو العرض ممكنا فلا ريب أن ما سيكون قد لحق به التغير ليس صندوقي السلطة وحدهما، بل ما وراء الصناديق.

الحياة.