صعود خطاب الهوية

رضوان جودت زيادة: المستقبل 2/2/2006

يمكن القول إن خطاب الهوية قد ورث خطاب القومية. بمعنى أن خطاب الهوية الثقافية قد حل تدريجياً محل خطاب التحرير القومي الذي شاع إبان مرحلة نزع الاستعمار، بل إن البعض يعتبر خطاب الهوية ليس إلا شكلاً جديداً للقومية يعبر عن نفسه بتعابير التناقض الايديولوجي أكثر مما يعبر بتعابير التناقض السياسي، فالشعوب التي كانت مستعمرة تعاني في الواقع الحالي عواقب عصرية تهدد القيم الخاصة بها التي بني عليها سابقاً الإجماع ضد المحتل. وعلى ذلك علينا أن نتساءل لماذا بدأ الكلام عن الهوية في لحظة معينة؟ وليس في لحظة أخرى. وفي أي سياق تاريخي واجتماعي ظهر هذا الأمر، فالثقافة تأخذ أسبقية على السياسة. إذ لم يسبق لنا أن تحدثنا عن الهوية أبداً بقدر ما نتحدث عنها اليوم، وذلك لأن الهويات باتت مهددة أكثر فأكثر، إن لم تكن مدمرة. إذ لا يطالب الشعب بهويته إلا عندما يبدأ بالشك في وجودها. وعلى حد تعبير جان ماري بونوا "هناك وسواس يسود عصرنا الذي أشبع تواصلاً، إنه وسواس انطواء كل منا وانعزاله في أرضه، أي في ما يحقق اختلافه وأعني هويته الخاصة، إنه الحلم بالتجذر في فضاء منعزل.
لكن، إذا كان الكلام عن الهوية حديث العهد، فلماذا يتم دائماً استحضار الهوية كتشكل في الماضي، على اختلاف مفاهيمها سواء أكانت هوية ثقافية أم قومية أم هوية اتنية، إن الهوية بحسب هذا الخطاب تصبح مفهوماً مكتملاً وناجزاً، وليس علينا سوى البحث عن صيغة التطابق مع المثل (الماضي) لتحقق الوجود (الحاضر).
وهذا ما دعا البعض الى التمييز بين الهوية وخطاب الهوية، فإن كانت الأولى حقيقة رمزية على الأقل تعيشها المجتمعات والأفراد، فإن الخطاب المنشئ عن الهوية هو خطاب ايديولوجي ينصب تحت استراتيجيات العمل السياسي وتحولاته.
فالهوية بوصفها ثقافة تشكل لحمة العمل الاجتماعي الشعبي، وهي بهذا المعنى تختلف عن الخصوصية التي هي محض خطاب ايديولوجي يتجه نحو الآخر بغية تأكيد الذات ورفض تماهيها مع الآخر ومع ما يطرحه، إنها سياسة الممانعة التي تتخذ صيغة ثقافية.
وإذا كانت مسألة الآخر مكونة للهوية، فذلك لأن كل معرفة للذات هي بالضرورة مشوبة ومختلطة بنفي الآخر بغية توكيد الذات. فكنه الذات لا يتم إلا عن طريق الآخر ومن خلاله.
فخطاب الهوية يطرح نفسه كخصوصية، على المجتمع في صيرورته أن يحافظ عليها، وعلى الآخر ألا يهددها أو يعمل على اختراقها. تصبح الهوية بذلك بنية مصمتة غير قادرة على التواصل والمثاقفة، على اعتبار أن الآخر دوماً هو راغب في محو ثقافتها وجاد في العمل على تغيير حضارتها ومعالم وجودها.
يرى جان فرانسوا بايار أن الهوية لا تعدو أن تكون وهماً، فليست هناك سوى استراتيجيات للهوية يتبعها محترفو السياسة.
فالعالم يعيش الآن قلقاً عاماً متعلقاً بالهوية، فهو يخشى توحيد الأشكال ويخاف من تلاشي التمايزات، إذ إن هناك حركة عامة رامية الى إزالة الحواجز بين المجتمعات بالعولمة مصحوبة باحتدام وتأجج الهويات الخاصة سواء أكانت عقائدية أو قومية أو اثنية.
ولذلك تغدو العلاقة الجدلية بين الاتجاه نحو الكونية وتأكيد الخصوصيات حاضرة وراء أغلب الظواهر التي تحتل مركز الصدارة في مختلف وسائل الإعلام من التوسع في الاقتصاد الى رواج الفكر الديموقراطي خارج العالم العربي، وانتشار الإعلام بشكل غير مسبوق. وجموح موجات الهجرة الى غير ذلك. ولكن السؤال الذي يجمع كل هذه التساؤلات، كيف يمكن أن نتفهم العلاقات بين الثقافة والسياسة دون الوقوع في فخ الانغلاق الثقافي؟
إذا اعتمدنا على ماكس فيبر في تعريفه للهوية. ذلك أن فيبر كان قد عرف الإنسان بأنه كائن يتشبث بشبكة المعاني التي نسجها بنفسه. وليس هناك أي نشاط، حتى النشاط المادي، ألا وهو منتج في الوقت نفسه لمعان أو رموز. لذلك فنحن لا نستطيع أن نفهم أي ظاهرة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية دون الكشف عن مبررها الثقافي، فالثقافة هي نفسها التي تصنع الفائدة.
تشتبك الهوية مع الثقافة، فالثقافة التي يتم تحليلها ترسم للأفراد التابعين لها هوية مبسطة أشبه بالأشياء والأثاث السابق التجهيز والمطلوب تجميعه بكل يسر، وعندها يتم خلف جو من العدائية لكل ما هو أجنبي، رغم أنه لا وجود لقيم تقتصر على حضارات دون غيرها. أو بطاقات ثقافية خاصة بمجتمعات معينة، فقيم "التقدم" و"الحرية" ليست حكراً على المجتمعات العربية فحسب وإنما هي نتاج إنساني يجب التشارك فيه، ذلك لأن الحضارات بأجمعها ساهمت في خلق هذه القيم وفي إنضاجها حتى وصلت الى الصورة التي عليها في الوقت الحالي.
وإذا كانت الثقافة كما رأينا تشكل الحاضر للهوية، فإن الثقافة نفسها إنما هي متعلقة بالسياسة، أو بصيغة أخرى إن التفكير الثقافي الانغلاقي يعتبر ضمنياً أن التوافق بين مجتمع سياسي ما وبين تماسكه الثقافي مسألة مفروغ منها، سواء كان ذلك التماسك الثقافي أصيلاً أو متوارثاً.