المحيط الإقليمي ومشروع إيران النووي

فايز سارة - السفير

 

يبدو ملف ايران النووي أحد أهم الموضوعات الساخنة في السياسة الدولية الراهنة، ذلك أن هذا الملف هو موضع خلاف بين ايران وكل من الولايات المتحدة الاميركية وأوربا، بسبب معارضة الاميركيين والاوربيين مساعي ايران تطوير قدراتها النووية، الامر الذي يدفع الطرفين باتجاه إحالة ملف ايران النووي الى مجلس الامن بهدف اتخاذ عقوبات رادعة تمنع طهران من المضي في مشروعها، الامر الذي تعتبره طهران حقاً طبيعياً من حقوقها، لا يحق لأي كان منعها من متابعة الوصول اليه.
ورغم ان الخلاف الاميركي الاوروبي مع طهران حول الملف النووي له بعد عالمي، فإن الاهم فيه هو بعده الاقليمي، بمعنى انه يتعلق بما سيفرزه امتلاك ايران قدرات نووية من تأثيرات إقليمية في منطقة الشرق الاوسط وبلدانها، ولا سيما تأثيراته المحتملة على اسرائيل، التي يؤكد الغرب وخاصة الولايات المتحدة الاميركية مبدأ الحفاظ على وجودها وأمنها في ظل العداء الايراني المعلن للدولة العبرية.
وتجاوز البعد الدولي في موضوع ملف ايران النووي الى البعد الاقليمي، يبين أن ثمة مواقف إقليمية مختلفة في الموقف من مساعي ايران النووية في المنطقة. وأهم المواقف، الموقف الاسرائيلي، حيث تعارض اسرائيل توجه طهران في هذا الاتجاه، وهو تفصيل في موقف اسرائيلي قديم أساسه منع حصول أي من بلدان المنطقة على قدرات نووية، وقد عملت الدولة العبرية مبكراً على منع مصر من التوجه الى بناء قدرات نووية، وقابلت مساعي العراق الى بناء قدرة نووية بهجوم جوي على المفاعل النووي العراقي بالقرب من بغداد في العام 1980، وغالباً فإن اسرائيل سوف تؤكد معارضتها توجه تركيا نحو امتلاك قدرات نووية، طبقاً لما تردد مؤخراً في تصريحات أطلقها وزير الطاقة التركي من سعي بلاده لبناء مفاعلات نووية.
والسبب الرئيس لمعارضة اسرائيل لامتلاك دول المنطقة قدرات نووية، يكمن في رغبتها احتكار تلك القدرات سواء في جانبها العسكري أو المدني، وهو أمر لا يتعلق فقط بما يمكن أن ينتج عن ذلك من توازنات رعب نووي في المنطقة، وانما رفضها حتى التقارب العلمي والتقني الذي سيفرزه امتلاك قدرات نووية بين اسرائيل وأي من دول المنطقة، اذا امتلكت الاخيرة قدرة نووية.
ومعارضة اسرائيل لإيران ليست الوحيدة في المنطقة. اذ تتخذ تركيا موقفاً ممائلاً من الجهود النووية الايرانية، وهو ما أكده رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي الحالي الذي يستند في معارضته الى ضرورة عدم الاخلال بالتوازنات الاستراتيجية القائمة بين تركيا وايران، إضافة الى أن الحد من الانتشار النووي في المنطقة، توجه تتبناه معظم دول المنطقة، التي يضيف أكثر دولها مطلب إجبار اسرائيل على نزع أسلحتها النووية، وإخضاع منشآتها وأنشطتها للرقابة الدولية، وهو ما ترفضه الدولة العبرية بكل قوة.
وبطبيعة الحال، فإن أغلب الدول العربية في الخليج، تعارض امتلاك ايران قدرات نووية لأسباب تتماثل مع الدواعي التركية مع ملاحظة وجود خصوصيات في علاقة معظم دول الخليج العربية مع ايران، كما في حساسيات علاقة ايران مع دولة الامارات العربية المتحدة، حيث تتطالب الاخيرة باستعادة الجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وابو موسى التي احتلتها ايران في العام 1969، والتي سوف يعقد امتلاك ايران قدرات نووية المفاوضات حولها، ويعيق عودتها الى الامارات.
وبخلاف الموقف العام في اختلاف حثياته ودواعيه في معارضة مساعي ايران، فإن موقف سوريا، يبدو مميزاً حيال المساعي الايرانية، انطلاقاً من ثلاثة عوامل أساسية، أولها حق ايران بالتساوي مع الدول الاخرى في هذه المساعي. اذ لا يجوز منع ايران من ذلك في وقت تواصل فيه اسرائيل الحفاظ على قدراتها النووية وتطويرها في المجالات كافة، والعامل الثاني، أساسه تأكيدات ايران على الطابع السلمي لبرنامجها النووي، والثالث وجود علاقات مميزة تربط بين سوريا وايران، وتدفعهما نحو تحالف قوي في مواجهة الضغوطات والتهديدات الخارجية.
إن مشروع ايران النووي سواء كان مشروعاً مدنياً سلمياً، كما يؤكد الايرانيون، أو كان له برنامجان مدني وعسكري، كما لم يستبعد مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي، يجد له معارضة اقليمية متعددة الخلفيات والمستويات، والاخطر فيها موقف اسرائيل، التي أعلنت تكرراً وعلى أعلى المستويات معارضتها امتلاك ايران قدرات نووية، وذهبت في معارضتها تلك حد التهديدات بتدمير مساعي ايران النووية بواسطة القوة العسكرية، وهو ما يضع المنطقة أمام احتمالات هجمات اسرائيلية على ايران، ليس فقط بسبب طموحات ايران النووية، وانما بفعل عدوانية اسرائيل وإصرارها على الاحتفاظ بتفردها وتفوقها النووي المدني والعسكري على بلدان المنطقة، وقد يوفر مجلس الامن الدولي من خلال قرارات يتخذها خلفيات سياسية للهجمات الاسرائيلية.
(
) كاتب سوري