"حماس": حكمة الانتصار في ادراك حدوده  

 بقلم كلوفيس مقصود - النهار

قيل وكُتِبَ الكثير، وسوف يكتب ويقال الكثير عن انتصار "حماس" في اراضي فلسطين المحتلة الذي شكّل مسلسلاً من العقوبات، ولكن ايضاً من حوافز لاخراج فلسطين من كونها، منذ توقيع اتفاقات اوسلو في دوامة من المشاكل جعلتها بالتالي قضية محورية للأمة العربية بأسرها وليس للشعب الفلسطيني وحده.

العواقب طالت اولاً كل الذين تعاطوا قضية مصير الشعب الفلسطيني تحت ستار "الواقعية" في شكل كاد ان يجهض حقوقه الوطنية، لا عن انحراف متعمد عنها بل لانبهارهم، وبالتالي احتوائهم في اطار وضع اسرائيل في مكان التحكم في المصير الفلسطيني نتيجة نظرية خاطئة، مفادها ان فلسطين لن تستطيع استرجاع حقوق لها الا من خلال المراهنة على النفوذ الاميركي "الضاغط" على اسرائيل المتمردة بدورها على الشرعية الدولية. وفي كثير من الاحيان تحولت المراهنة شكلاً من اشكال الارتهان.

انتصار "حماس" كان إذاًً مساهمة فعلية في احتمال تغيير مطلوب لاعادة تشكيل المعادلة في موازين القوى، وفي حال انجاز اعادة التشكيل هذه فقد تؤول الى تحوّل المحادثات التي جرت طوال الأعوام الماضية منذ اتفاقات اوسلو مفاوضات قد تبدأ بعد استقامة المعادلة في موازين القوى المطلوبة.

هذه المعادلة المطلوبة والمرغوبة في آن واحد لا بد من ان تكون نتاج توافق عربي حقيقي ان لم يكن الاجماع العربي المفروض. من هذا المنطلق يشكل انتصار "حماس" احتمالاً لعودة القضية الفلسطينية محوراً للقضية العربية بعد سنوات ما سمي بالقرار الفلسطيني "المستقل" والتكاذب اللفظي العربي وانفكاك الحق الفلسطيني عن كونه مسؤولية عربية شاملة.

ويعني انتصار "حماس" في هذه اللحظة احتمال اعادة تعبئة الطاقات العربية بمختلف مكوناتها في التزام فاعل وصادق لحق الشعب الفلسطيني بعدما ادى التفكك العربي والمبالغة في المراهنات على الولايات المتحدة الى استباحة لحقوق الشعب الفلسطيني.

ولعل الانتصار الذي حققته حماس كان بمثابة تذكير للادارة الاميركية بضرورة ان تكون اكثر احاطة لا بحقيقة المعاناة الفلسطينية والشعبية الذي الحقه الاحتلال الاسرائيلي بكل شرائح الشعب الفلسطيني فحسب، بل بشرعية، وضرورة، واحقية، وعدالة حقوق الشعب الفلسطيني التي تتمثل في ما اقرته الشرعية الدولية لهذا الشعب من حق في العودة، والسيادة واستقلال الوطن وفي ان تكون القدس عاصمة دولته، وبالتالي حق تقرير المصير.

كان هذا الانتصار عقوبة للتحيز الاميركي الكامل، لا الى وجود اسرائيل او حقها في الوجود، بل لأن هذا التحيز اعطاها ترخيصا لاستكمال مشروعها الصهيوني في الضم والتهويد والاستيطان والاذلال المنظم للشعب الذي تحمل اوزار التمدد الصهيوني منذ قيام اسرائيل.

وهذا يعني ان العقوبة التي انتجتها الديموقراطية الفلسطينية يجب ان تكون حافزا للولايات المتحدة الديموقراطية لتعيد ربط قيم الديموقراطية فيها بسياساتها في النزاع العربي الاسرائيلي. وهذه الاعادة للنظر هي الحافز الى تقليص حالة الارتباك التي ميزت ردود الفعل لدى مسؤوليها والكثير من اعلامها.

وكذلك الامر بالنسبة الى الاجتماع المنعقد غدا للجنة الرباعية في لندن والذي مهد له باعلان شروط مسبقة تهدد بتوقف المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية في حال تولتها "حماس" مما يعتبر نوعا من الابتزاز، مضافا الى ان التصريحات التي ادلى بها المسؤولون في "الرباعية" خلال اعلان نتائج الانتخابات بينت ان اوروبا الغربية لا تزال تسلم عند المحك بالخطاب الاسرائيلي الذي يشابه الى حد كبير الخطاب الذي ميز الاستعمار والعنصرية طيلة القرن الماضي بأن كل مقاومة هي ارهاب. هذا الخطاب الاوروبي كان حريا به ان يكون اكثر الماما بحقيقة الدوافع التي ادت بالشعب الفلسطيني الى ان يعبر عن ارادته جعل السلطة المنبثقة من الانتخابات سلطة "مقاومة".

ويعني ذلك ان المقاومة تلجأ وتخطط لتوظيف الوسائل السلمية واللاعنفية من تظاهرات وعصيان مدني وشكوى في الامم المتحدة وكل وسائل الاقناع وتأليب الرأي العام العالمي لتأييد النضال الفلسطيني، واذا استنفدت كل هذه الخيارات اللاعنفية والسلمية والديبلوماسية، فبقيت من دون اي نتيجة كما حصل في الماضي القريب فتصبح المقاومة المسلحة عند ذلك الخيار الاخير. وهذا ما يميز الفرق الجوهري بين المقاومة المشروعة والارهاب المرفوض. فالارهاب يلجأ الى الخيار العنيف كخيار اول وآخر، وبالتالي لا يشكل مقاومة بل انتقاما.

يترتب اذاً على الدول المانحة ان تتكيف مع هذا الجديد في الحالة الفلسطينية الناشئة في شكل يمكّن السلطة الفلسطينية الجديدة من ان تفضل الخيارات السلمية من خلال ضغطها على اسرائيل المتمردة والتي لا تعترف بأنها سلطة محتلة، وان تضغط على اسرائيل لتكون اكثر احتراما وانصياعا لاتفاقات جنيف وقرارات مجلس الامن ولاحتمالات ان تؤول المفاوضات الى ما رسمته الشرعية الدولية لحل سلمي وعادل في المنطقة.

في هذا الصدد على هذه "الرباعية" التي اوكلت اليها مسؤولية المساهمة في وضع حلول للأزمة المتفاقمة في النزاع العربي الاسرائيلي، وبخاصة الفلسطيني منه ان تكون واعية لحقيقة ان الابتزاز المالي والخطاب السياسي المبتور، لأنه يتبنى تلقائيا الخطاب الاسرائيلي الذي يبرر تشنجه بأن "حماس" تريد "تدمير اسرائيل" كأن من قام بعمليات التدمير في الاراضي المحتلة ليس له رصيد في التدمير وفي الاغتيالات وزرع المستعمرات داخل فلسطين المحتلة والضم الاحادي للقدس وحرمان اللاجئين الفلسطينيين حق العودة لأنه يهدد يهودية  اسرائيل. فاذا لم يكن هذا وجها من اوجه الضغط فلم نعد نعرف ما هو تعريف العنصرية!

ان الاجتماع غدا في لندن يجب ان يعيد النظر في شكل جذري في تعامله مع الوضع الجديد القائم في فلسطين المحتلة، وان يُصر على اسرائيل لتعترف بأنها سلطة محتلة وبالتالي يصبح الاحتلال مرحلة انتقالية نحو السيادة الفلسطينية على كل الاراضي العربية الفلسطينية المحتلة بما فيه القدس، وعندئذ تتحول المحادثات مفاوضات ذات نجاعة وجدوى ولا تستمر كما كانت منذ اتفاقات اوسلو محادثات متقطعة تراوح مكانها.

والعقوبة الامرّ هي للنظام العربي السائد الذي اجاز انفكاكا لازم التعامل مع القضية الفلسطينية واوجد غبنا بالقاء مسؤولية المواجهة مع اسرائيل على الشعب الفلسطيني وحده

ولعل التبريرات التي أُعطيت ان هزيمة 1967 رسخت التفكك القطري، مما ادى الى تعامل النظام العربي مع "القطر الفلسطيني" الذي بلورته قرارات القمة 1974، وفيها ان منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

هذا الخطأ تحوّل خطيئة، وعلينا الاعتراف بأننا لم نستوعب فداحة هذا الخطأ ولم نعِ امكانات تداعياتها.

هنا يتضح ان هناك مسؤولية قومية يجب ان يحددها النظام العربي في ضوء التطورات على الساحة الفلسطينية والتوجه الى اعادة تفعيل اطر ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ويجب ان تسبق هذا الاستنفار المطلوب بالحاح مشاركة صانعي القرار وصانعي الرأي لإنضاج سياسة عربية قادرة على اعادة موازين القوى فلا تتحول المفاوضات، كما كانت في المحادثات، املاءات اسرائيلية "ملطفة" اميركياً.

هذا يعني أن على ادارة عربية مقترحة ازالة الالتباس بين سلطة ومقاومة وان يقنع النظام العربي نفسه، وبالتالي يقنع العالم، بأن السلطة الوطنية في فلسطين هي وطنية بقدر ما هي مقاوِمة لتحقيق الوطن المنشود للشعب الفلسطيني.

هذه الادارة العربية تستوجب  التنسيق الملزم الذي يعيد الاحتضان القومي لمنظمة التحرير والسلطة الناشئة في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وهذا هو الحافز للنظام العربي السائد كي يتدارك العقوبات الناتجة من المخاض الشعبي الذي يميز حالة الكبت للشعوب العربية، والتي تستشعر بأن الغبن الذي يعيشه شعب فلسطين منذ قيام اسرائيل يشكل جزءاً من الغبن الذي تستشعر به الشعوب في كل الاوطان العربية، مما يعني ان الرابط القومي لا يتحمل ان يستمر مهمشاً، وبالتالي ينظر الى نتيجة الانتخابات باعتبارها مساهمة في عملية تصحيح حالة التفكك العربية الراهنة.

عملياً هذا يعني ان على الامين العام لجامعة الدول العربية، الذي يمثل الاطار القومي الجامع للنظام العربي، ان يعد دراسة فورية تحليلية تشكل قراءة مشتركة تسهّل الحوار المطلوب للتكيف مع المتغيرات التي انتجتها الانتخابات الفلسطينية.

جاءت الانتخابات الفلسطينية تزيح حالة اليأس التي سادت الفلسطينيين، أو معظمهم، ولكن يبقى السؤال هل أوجدت حالة للأمل؟

هذا هو التحدي! ولكوننا نريد ألا يشكل هذا الانتصار اي عقوبة محتملة لـ"حماس" من اسرائيل وانصارها، أو نتيجة لأي تقاعس عربي في توظيف هذا الانتصار لاستقامة التوازن الاستراتيجي في المنطقة، على شرائح الشعب الفلسطيني ومكوناته العقائدية وفصائله، ولاسيما "فتح"، ان تكون في مستوى هذه اللحظة المفصلية، فتؤخذ على محمل الجد المؤشرات التي صدرت عن "حماس" الى ضرورة تمكين الوحدة الوطنية الفلسطينية وترسيخها بسرعة، لكون "حماس" ادركت ان انتصارها لن يستكمل اذا ما انفردت بالسلطة، رغم نيلها الغالبية الساحقة في المجلس التشريعي، لأنها استوعبت اخطار أي انتقاص في الوحدة الوطنية الفلسطينية. وهذا الشعور بالمسؤولية يجب ان يُدعّم بمسؤولية مقابلة تعطي الوضع الفلسطيني مناعة وألا يكون هناك تذاك في جعل موقع الرئاسة كأنه سلطة اخرى مقابلة لسلطة "حماس". مما يفترض ان على كل الفصائل الفلسطينية ان تجعل ارث نضالاتها وتجاربها واخطائها حصناً للموقف الفلسطيني، وربما يلهم ذلك الحالة العربية ان تكون بدورها أكثر وحدة والتصاقاً بمتطلبات تأمين كل حقوق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية.

ادركت "حماس" حدود امكاناتها كما ادركت ايضاً ان نجاحاتها قد تكون اكثر من امكاناتها. وعلى الفصائل الفلسطينية ان تشاركها في المسؤولية الوطنية، وعلى الدول العربية والمجتمعات العربية اعادة المسؤولية القومية المباشرة الى حيز الوجود والفعل.

هذه الحكمة التي تميز بها خطاب "حماس" بعد الانتصار يجب ان تكون عنصراً مطمئناً لكل من اختلف معها او تباين مع بعض سياساتها، الا ان انفتاحها على غيرها يوفر الفرصة المناسبة لاخراج فلسطين من كونها سلسلة مشاكل، وارجاعها الى كونها قضية مركزية، لا للوطن العربي فحسب، بل للضمير الانساني ايضاً.