العراق: فواتير ديمقراطية الـ بزنس المضرجة بالدولار

صبحي حديدي القدس العربي


طريف، رغم أنها طرافة مريرة سوداء، أن يزور المرء موقع المفتش الخاص لاعادة اعمار العراق
SIGRI علي الانترنيت، فيقرأ ما جاء في تقريره الأخير من فضائح واختلاسات وهدر أموال عراقية، علي يد بعض ممثلي سلطة التحالف، وبمشاركة أو بعلم أو بتشجيع أو باغماض العين من جانب سلطات الاحتلال الأمريكية. الصحافة الأمريكية، ثم العديد من وسائل الاعلام الدولية، تناقلت طرائف المسؤول العسكري الأمريكي الذي رافق فريق الملاكمة الأولمبي العراقي الي الفليبين، فأنفق 40 ألف دولار من مخصصات الفريق علي موائد القمار؛ أو الموظف الذي أخفي مليوني دولار، سيولة خالصة، في صندوق أحد المراحيض؛ أو المتعهد الذي قبض 100 ألف دولار لاعادة تجهيز المسبح الأولمبي، فلم ينجز سوي دهان مضخة المسبح، فقط لا غير؛ أو ذلك المتعهد الذي أعاد تجهيز مستشفي الهلال بمصاعد جديدة، وقبض أكثر من 660 ألف دولار، فهوي أحد المصاعد الي الطابق السفلي وكاد أن يودي بحياة ثلاثة أشخاص...
المفتش العام هذا يرفع تقريره الي اثنين من كبار صانعي القرار في الولايات المتحدة، وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، الأمر الذي يعني أنه يمزج الشأن السياسي بالشأن العسكري من جهة، وينتهي بالتالي الي خلاصات وتوصيات ذات طابع استراتيجي بعيد الأثر من جهة ثانية. وكانت هذه ستمر مألوفة عادية علي هدي ما يجري من فساد هنا وهناك في العالم شرقاً وغرباً، لولا أن التفاصيل مذهلة في جانبين جوهريين، بين جوانب أخري أقل اثارة للانتباه: أن الفضائح تلك تدخل، أولاً، في سياقات منهجية منتظمة تجعلها أقرب الي النسق الدائم وليس المظاهر العابرة؛ وانها ثانياً تتم في شروط احتلال عسكري تمارسه ديمقراطية عريقة يحدث أنها أيضاً القوة الكونية الأعظم، ودائماً تحت شعار تحرير العراق من دكتاتورية العهد البائد.
هنالك، في ميادين الفساد والهدر والنهب هذه، قطاع محدد زاخر بالأسئلة وعلامات الاستفهام، هو عائدات النفط العراقي: أين تذهب؟ ما قيمتها؟ مَن يتحكم بها؟ متي ستوضع في خدمة العراقيين؟ ذلك لأن المعلومات الرسمية، التي توفرت قبل نحو عام من الآن، تقول ان كامل عائدات مبيع النفط والغاز العراقيين، بالاضافة الي مليار دولار اقتُطعت من برنامج النفط مقابل الغذاء ، ذهبت الي صندوق تنمية العراق الذي تم انشاؤه قبل أكثر من عام بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483. والقرار ذاك نص علي وضع الصندوق في عهدة الاحتلال، بغرض استخدام الأموال علي نحو شفاف لتلبية الحاجات الانسانية للشعب العراقي. كذلك نص علي أن يعين العراق هيئة محاسبة تتابع أوجه صرف تلك الأموال، بما في ذلك قانونية العقود التي تبرمها سلطات الاحتلال مع مختلف المتعاقدين.
ما لا يعرفه الكثيرون، ولكن كان يعرفه حق المعرفة أمثال غازي الياور واياد علاوي، ويعرفه اليوم جلال الطالباني وابراهيم الجعفري، أن هيئة المحاسبة هذه لم تتمكن أبداً من أداء عملها كما ينبغي (وعلي سبيل المثال فقط، لم تفلح في تدقيق عقود الاحتلال مع الشركة العملاقة هاليبرتن، ذات الارتباطات الوثيقة القديمة والمتجددة مع نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني)، وجابهت عشرات العراقيل البيروقراطية. في المقابل، وعلي نقيض مما هو شائع، لم تنفق سلطات الاحتلال سوي 500 مليون دولار من مبلغ الـ 18.7 مليار التي وضعها الكونغرس في تصرف البيت الأبيض بهدف انفاقها في العراق، حسب معلومات صحيفة واشنطن بوست الأمريكية. من جانبها كانت صحيفة نيويورك تايمز قد خفضت المبلغ الي 400 مليون، وأوضحت أن معظم الصرف ذهب لصالح متعاقدين أمريكيين وشركات أمريكية، وهذه لم تشغل أكثر من 15 ألف عامل عراقي!
وفي الجزء الثالث من دراسته الممتازة المخططات الأمريكية لاستنزاف ثروات العراق وسرقة أمواله: ارقام وحقائق ، وهو الجزء الذي يفصل القول في طرائق النهب المباشر عن طريق الاستيلاء أو وضع اليد، والتي تبلغ شأو السطو الصريح، يسرد محمد القيسي عشرات الأمثلة المذهلة التي لا يمكن أن تندرج في الخانة المألوفة للفساد المألوف، بينها:
ـ وضع اليد، بقرار مباشر صدر عن البيت الأبيض سنة 2003 أثناء العمليات العسكرية لغزو العراق، علي الأموال العراقية المودعة علي نحو أو آخر، هنا وهناك في العالم، والتي تقدر بأكثر من 13 مليار دولار. أضيفت الي هذا أموال العراق داخل الولايات المتحدة، البالغة أكثر من ثلاثة مليارات.
ـ بمصادقة من مجلس الأمن الدولي، استولت سلطات الاحتلال الأمريكية علي الرصيد المتراكم من اموال برنامج النفط مقابل الغذاء ، والتي كانت في حساب العراق حتي آذار (مارس) 2003، بقيمة 21 مليار دولار.
ـ جمعت سلطات الاحتلال سيولات مالية متفرقة، عُثر عليها في القصور الرئاسية والمقرات الخاصة، لا تقل عن ستة مليارات، تُضاف الي أربعة مليارات من الدولارات كانت في المصرف المركزي العراق.
غني عن القول ان هذه الأموال لم تذهب الي خزينة انماء الشعب العراقي أو تطوير الديمقراطية أو بناء المشافي والمدارس ورياض الأطفال والجامعات، بل جري هدرها لصالح الشركات الأمريكية الكبري، وشراء الذمم السياسية، وتوزيع الهبات والأعطيات علي الأزلام والموالين، أفراداً وقوي سياسية ومذهبية علي حد سواء. وكانت الـ
BBC قد أجرت تحقيقاً مثيراً حول اختفاء مبلغ 11.300 مليار دولار قبيل ساعات معدودات من مغادرة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر العراق نهائياً، وأشارت تقارير صحفية الي أن المبلغ طار ـ بالمعني الحرفي للكلمة، وعلي ظهر حوامة عسكرية! ـ الي جهة مجهولة في كردستان العراق، قبل أن يسافر من جديد الي بنك مغمور في سويسرا، كما رجحت صحيفة الـ فايننشيال تايمز آنذاك.
ثمن باهظ يدفعه أبناء العراق من اجل الديمقراطية... باهظ حقاً، بل لعله الأبهظ في تاريخ الديمقراطيات جمعاء!
وفي صيف 2002 جري حوار لافت، عبر الفيديو، بين نائب الرئيس الأمريكي وستة شخصيات عراقية زعمت تمثيل الشعب العراقي آنذاك، شهد جزماً قاطعاً من جانب ديك تشيني بأن الولايات المتحدة لن تجازف بأرواح جنودها ولن تضحي بشبابها من أجل استبدال دكتاتور بآخر. الوفد العراقي سمع كلاماً مماثلاً من وزير الخارجية في حينه، كولن باول، ومن وزير الدفاع رامسفيلد. الأهم من هذا وذاك هو التتمة التالية: أعضاء الوفد العراقي أنفسهم شددوا، بدورهم، علي أن فصائلهم (نعم: فصائلهم!) لن تخوض الحرب مع أمريكا اذا كان الهدف هو استبدال دكتاتور بآخر! تصريحات مثل تلك جرت علي لسان أمثال جلال الطالباني والشريف علي بن الحسين وأحمد الجلبي، ممن كانت الديمقراطية ترشح من أصابعهم كما الزيت المبارك، وتســــري فـــــي عروقهم مختلطة بالدماء، ولهم في الممارســـة الديمقراطية باع طويل طويل! هؤلاء، بقيادة رجال من أمثال تشيني ورامسفيلد، كانوا فرسان تحرير العراق من الدكتاتور، ومشاريع بُناة النظام الديمقراطي العراقي الذي ينبغي أن يكون ــ أيضاً وبالضرورة ــ النظام الديمقراطي العربي الأول، والأمثل، والأقوي، والأصلب عوداً.
أين نحن، اليوم، من تلك العهود والوعود؟
بل أين نحن من تلك العهود والوعود في بلد آخر شهد حملة صليبية أمريكية أولي من أجل الديمقراطية، هو أفغانستان؟ توماس فريدمان، المعلق الشهير في صحيفة نيويورك تايمز ، اعترف ذات يوم أن الولايات المتحدة كسبت الحرب في أفغانستان عن طريق الـ ريموت كونترول ، أي عن طريق التحكم عن بُعد: سلاح الجو الذي لا يُقابَل بأي نوع من المقاوِمات الأرضية، طائرات بلا طيار، صواريخ كروز، ميليشيات قبائلية محلية، وحفنة محدودة من القوات الخاصة الأمريكية. لكن فريدمان اعترف أيضاً أنه لا يمكن الفوز بالسلام عن طريق الـ ريموت كونترول ، وهذا صحيح تماماً.
والرجل، الذي قام بجولة ميدانية في شوارع كابول، أبدي الكثير من الدهشة الدراماتيكية ازاء عدد من المشاهد وجدها أدلة قاطعة علي الفوضي والخطر الكامن: رجل يقود دراجة بقدم واحدة، أناس يغسلون سيارة بمياه المراحيض، حمار أبيض يخب علي الاسفلت خلف موكب السيد فريدمان، السادة وزراء الحكومة الجديدة يأتون لمقابلة مندوب الأمم المتحدة الأخضر الابراهيمي في سيارة أجرة... كان مندهشاٌ، ولكنه كان قلقاً أيضاً. صحيح أنه يتفهم تردد ادارة الرئيس الأمريكي جورج بوش في التورط أكثر فأكثر، ويقدر حجم المخاطر التي يمكن أن تنجم عن الغرق في الرمال الأفغانية المتحركة. ولكن اذا كانت الادارة لا تنوي امتلاك أفغانستان، فان من واجبها أن تستأجره لبعض الوقت، والا فان هذا البلد سوف يرتد سريعاً الي ما كان عليه: جيرة السيد بن لادن . ألم يستعطفه آنذاك وزير الداخلية يونس قانوني: نتأمل أن الولايات المتحدة لن تتخلي عن أفغانستان ؟ ألم يحاول رئيس الحكومة حميد كرزاي استمالة قلبه: لقد استقبلت أكثر من 2500 مواطن أفغاني، وكلهم يطالبون بالأمن ؟ ومَن يملك مفاتيح الأمن سوي اليانكي؟
غير أن فريدمان تغافل عن حقيقة أخري مفادها أن الولايات المتحدة تملك وتستأجر وتحكم أفغانستان عملياً وفعلياً وقانونياً، ليس عسكرياً فحسب، بل بسبب الحقيقة التي تقول ان نصف أعضاء الحكومة الأفغانية... حائزون علي الجنسية الأمريكية، وهم مواطنون أمريكيون بكل ما تعنيه الكلمة من معني الولاء! هنالك، أولاً، رئيس الحكومة حميد كرزاي الذي شغل منصباً رفيعاً في تمثيل احدي شركات النفط الأمريكية الكبري. وهنالك، بعدئذ، وزراء المالية والثقافة والتربية والتعليم العالي والري والأشغال العامة...
وفريدمان رأي أن تمويل عمليات اعمار أفغانستان هي مهمة الدول الاسلامية، النقطة التي تمكن فريدمان من استعراض مهاراته في السخرية والمفارقة: لعل العالم الاسلامي، الذي أبدي الكثير من القلق علي المدنيين الأفغان حين كانت أمريكا تقصف هنا، يستطيع الآن ارسال المال بعد أن توقف القصف وبات الناس في حاجة الي أن يأكلوا ! تماماً كما فعلت أمريكا، والاطلسي، في سراييفو وكوسوفو: نخرب، ثم نبني أو نعيد بناء ما خربنا، وعليكم أنتم سداد الفاتورة. سلام البلقان بعد حرب البلقان، وسلام أفغانستان بعد حرب أفغانستان، وسلام العراق بعد غزو العراق... والفواتير متعاقبة دسمة!
هي، كذلك، فواتير اختبار كل أسلحة التدمير الشامل ما عدا السلة النووية، لاعتبارات لم تعد ذات صلة بالرأفة علي بني آدم. فواتير أخلاقيات غوانتانامو، حين لا يكون المعتقل في الحرب أسير حرب، وحين لا تكون له أي حقوق كما تفاخر وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، في نبرة بذيئة وقحة متغطرسة أين منها أقذر تصريحات عتاة الفاشييين في الماضي والحاضر. فواتير العالم الجديد، الذي لا يكف عن بعث أشباح العالم القديم. فواتير الماضي بوصفه سيد الحاضر، والشبح الذي يحوم في المستقبل أيضاً. فواتير البناء بعد التخريب، والتخريب بعد البناء، وفواتير الكثير من الـ بزنس والأرباح بين تخريب وبناء وتخريب!
ط
ريف، اذاً، أن يقرأ المرء ما تقوله المؤسسة الحكومية الأمريكية ذاتها، بلسان المفتش الخاص لاعادة اعمار العراق ، عن الفواتير الباهظة التي يتوجب علي العراقيين سدادها ـ قسراً، وليس طواعية! ـ من أجل ديمقراطية البزنس ، هذه المضرجة بالدماء والدولار!