الشفافية : مصطلح مبتذل ومعنى مهجور!

د. حسن حنفي - الاتحاد

 

كثر استعمال كلمة ''الشفافية'' في الخطاب السياسي العربي في الآونة الأخيرة ويزداد الاستعمال كلما تعقدت الأمور وصعب إيجاد المخرج للأزمة على أرض الواقع فيأتي الانفراج باستحداث الكلمات ومن خلال اللغة وبصياغة خطاب سياسي وهمي مطعم بألفاظ بها مفتاح الفرج
ويستعمل اللفظ في كل الاتجاهات، وبكل المعاني، ولتحقيق كافة الأغراض حتى لو تعلق الأمر بمعانٍ متضاربة فاللفظ يجد هوى في النفس وهي صورة فنية في ثقافة تعشق الكلمات والأغاني والأشعار، وتستعمل التشبيهات، ومازالت الأمثال العامية فيها سلطة وحجة لفهم الواقع وتبرير أحداثه ومن كثرة الاستعمال في معانٍ متضاربة فقدت معناها الدقيق يستعملها القائل بأي معنى يشاء ويفهمها السامع بأي معنى يريد غرض القائل التمويه على السامع، وغرض السامع الترفيه عن النفس من القائل باعتباره مغنيا أو فتاة إعلانات أو لاعب كرة أصبحت كلمة ''شفافية'' غير شفافة لأنها لا تعني شيئا محددا بل وتستخدم لأغراض غير شفافة بل إنها أصبحت من ألفاظ النفاق في الخطاب الذي يهدف في العلن إلى غير ما يبطنه في السر
وهي كلمة غير عربية، كلمة غير أصيلة، ترجمة للفظ أجنبي
Transparence الذي يعني اشتقاقا ما يمكن الرؤية من خلاله أو ما لا يمنع الرؤية، وما لا يحجب أو يستر أو يمنع مثل الزجاج ويضاده لفظ المعتم .Opaque وفي الاستعمال تعني عكس المعنى الاشتقاقي تهدف إلى التعمية والتستر والتغطية والتمويه والتضليل وإبعاد الناس عن الفهم والرؤية يستعملها السياسيون والموظفون العموميون والمديرون ورجال الأحزاب والإعلام وكثير ممن يتصدون للحياة العامة بل ويستعملها الرؤساء أيضا للهروب من تحليل الواقع وتشخيص أزماته وكأن القضية في النفس فكلما صفت النفس وراق الذهن وصدق القلب ظهرت الشفافية، واتضحت الرؤية، وانحلت المسائل المعقدة، وخرج الناس من عنق الزجاجة الذي طال أكثر مما يجب بحيث بلغ عنان السماء، واستمر الناس محشورين فيه منذ قرنين من الزمان
يستعملها المزور للانتخابات من المشرفين عليها من أجهزة الأمن ابتداء من وزير الداخلية حتى رجالات الحزب الحاكم وكبار ضباط الشرطة حتى يغسلوا أيديهم من دم ابن يعقوب ويلبسوا قميص عثمان ''الشفافية'' ويستعملها بائعو القطاع العام وشركاته الخاسرة والرابحة بأرخص الأسعار للمشترين من أصحاب العائلات الكبرى بعد قيامهم بأداء الرشاوى اللازمة حتى يرسو عليهم العطاء بدعوى الشفافية وتستعملها أنظمة الحكم من المتهمين في قضايا الاغتيال السياسي في الداخل والخارج تهربا من المسؤولية بدعوى الصدق في الخطاب السياسي بناء على الشفافية في الرؤية وفي التعبير ويستعملها مديرو هيئات المعارض الدولية للكتاب لإقصاء النشاط السياسي منها بدعوى الشفافية فالنقاش السياسي يعبر عن مصالح وقوى، تسيطر عليه المعارضة وتجذب إليه الشباب فلا سياسة في المعرض ولا معرض في السياسة، تنفيذا للأوامر من لواء سابق وافتقدت المعارض عصر الأساتذة الجامعيين الذين كانوا يديرونها بروح الرأي والرأي الآخر، الحكومة والمعارضة ويستعملها مديرو الجامعات لإبعاد الطلاب والأساتذة عن السياسة فلا سياسة في الجامعة ولا جامعة في السياسة ويستعمل الشفافية رجال الدين لقصر الدين على أمور الآخرة، وعدم خلطه بأمور الدنيا، بدعوى الشفافية والتي تعني هنا تبرير المواقف المسبقة للسلطة السياسية ويتداولها الوزراء المسؤولون عن الفساد للتغطية عليه وعلى بيع موارد البلاد، الشركات والبنوك بل وقناة السويس التي حاربت مصر من أجلها بعد العدوان الثلاثي عليها في 1956 وظيفة اللفظ في التداول هي الدفاع عن النفس وتغطية الفساد السياسي والاقتصادي والهجوم على المعارضة ''غير الشفافة'' التي تهدف إلى الوصول إلى السلطة، وكأن السلطة حكر على فئة بعينها يُستعمل اللفظ إذن كسلاح سياسي بين نظم الحكم والمعارضة، بين الدولة وخصومها في الصراع على السلطة باسم الشفافية، وطهارة اليد، ونقاء الضمير
ومن كثرة تداول لفظ ''الشفافية'' أصبح معتماً لا شفافاً، لا يعني شيئاً، ولا يساعد في رؤية شيء أو إيضاح مسألة أصبح ثقيلاً على النفس، لا ينير الذهن وانضم إلى باقي المفاهيم الشائعة والتي كثر استعمالها في ثقافتنا المعاصرة مثل: الديمقراطية، المجتمع المدني، الأقليات، المرأة، حقوق الإنسان، الإصلاح، واستغلال إسم ''الإسلام''، والتي هي كلمات حق يراد بها باطل إذ تعني الديمقراطية الخصخصة والأمركة والانفتاح على الغرب، والعولمة، والاستهلاك، وليس حرية التعبير والاختيار وتداول السلطة ويعني المجتمع المدني البديل عن الدولة الوطنية لصالح المجتمع المفتوح لحرية رأس المال، وليس قوة الرقابة الشعبية من خلال الإعلام المستقل والحسبة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعني الأقليات تفتيت الأمة تحت دعاوى العرقية والطائفية، وليس التعددية السياسية والمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين وتعني المرأة شق صف النضال الوطني ضد الاستبداد في الداخل والهيمنة في الخارج، وتحويل العدو الفعلي وهو الطغيان إلى عدو وهمي هو الرجل، وكلا المرأة والرجل ضحية له وتعني حقوق الإنسان حقوق الأفراد بالمعنى الغربي أكثر مما تعني حقوق الشعوب في الاستقلال في عصر الهيمنة الجديدة ويعني الإصلاح مشاريع الشرق الأوسط الكبير والشرق أوسطية والمتوسطية وليس تجاوز كبوة الإصلاح الأولى منذ فجر النهضة العربية إلى إعادة صياغته في بداية النهضة العربية الثانية ويعني الإسلام مواجهة القهر في الداخل والعدوان في الخارج كما صاغه الأفغاني وتحقيق مصالح الأمة في الاستقلال الوطني، وحرية المواطن والعدالة الاجتماعية، ووحدة الأمة، والتنمية المستقلة، والدفاع عن الهوية، وحشد الناس ومن ثم أصبح تشويه المفاهيم البريئة أحد مظاهر الفساد العامة في البلاد للاتجار بها في اقتصاديات السوق، وللتستر على كل مظاهر الفساد في الواقع، وجعل الحل في الداخل وليس في الخارج فتغيير النفس سابق على تغيير الواقع، والجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس، أصعب من الجهاد الأصغر وهو جهاد الأعداء في الداخل والخارج فلم يعد شيء حتى اللغة عصيا على التجارة به في سوق النخاسة
إن المهمة الرئيسية للثقافة الوطنية هي تحليل اللغة التداولية في الحياة اليومية لمعرفة كيفية استعمال الألفاظ بعد اختراعها للتمويه على الناس كمخدرات لغوية وفكرية في مجتمع انتشرت فيه المخدرات الفعلية من أجل تسكين البدن والروح، وإيهام الجسم والعقل بموفور الصحة وكمال العقل
انه نوع من تدنيس المقدسات في مجتمع لم يعد فيه شيء مقدساً بعد أن تمت التجارة بكل شيء حتى بالأوطان وبالتاريخ وبالأمم وبمستقبل الشعوب وبعد بيع القطاع العام والتفريط في حقوق الشعوب واستقلال الأوطان يتم بيع لغتها في ثقافة مازالت اللغة وأشكال التعبير خاصة الشعر هي ما يحافظ على وجودها واستمرارها في التاريخ ولما كان الواقع أبلغ من الألفاظ، وكانت هناك حدود لتحمل الزيف الإعلامي في الخطاب السياسي، فقد تندلع الثورات الشعبية ضد كل مظاهر الزيف اللغوي والنفاق السياسي