ذاكرة ربيع دمشق : ما تزال البنية عصيّة علي الإصلاح

صبحي حديدي القدس العربي

 


في وسع المرء أن يصدّق الشطر الثاني من تصريح مصدر مسؤول سوري لصحيفة السفير اللبنانية، تعليقاً علي إطلاق سراح معتقلي ربيع دمشق ـ رياض سيف، مأمون الحمصي، وليد البني، فواز تللو، حبيب عيسي ـ بأنّ الإفراج الأخير يُنظر إليه في إطار انتهاء ثلاثة أرباع المدّة وليس له مدلولات سياسية أخري . ذلك لأنّ ثلاثة أرباع المدّة انقضت منذ سبعة أشهر، وليس في هذه أيّ هامش لأيّ طراز من الفتوي والألعاب الديماغوجية، وكان في وسع السلطة أن تستغلّ هذا الموعد في مناسبات سابقة (قبيل تقرير ميليس الأوّل مثلاً، أو أثناء جولات التفاوض الأخيرة العالقة حول الشراكة الأوروبية...).
والمرء يحار في فهم الأسباب التي تجعل ذلك المصدر يكره المدلولات السياسية إلي هذا الحدّ، إذ أنّ العكس هو الذي ينبغي أن يكون متوقعاً من نظام مأزوم يحتاج أكثر من أيّ وقت مضي إلي ربط خطوة كهذه بالسياسة، بل وتعمّد تضخيم ما تنطوي عليه من سياسة، ونفخها وتفخيمها وتنغيمها عن سابق قصد وتصميم. الأرجح، إذاً، أنّ السلطة تكره أن يُقال إنها تنحني أمام الرياح ـ خصوصاً إذا كانت من نوع رياح هذه الأيام: عاتية صرصراً! ـ أو تستجيب للضغوطات الخارجية، أو تسفح ماء الوجه أمام حفنة مواطنين سبق لإعلام السلطة أن قال فيهم ما قال مالك في الخمر، أو تكسر هيبة النظام الأمنية إزاء خمسة محكومين أدينوا بتهمة السعي إلي تعديل الدستور بصورة غير شرعية . الأرجح، كذلك، أنّ المدلول السياسي الوحيد الذي يخامر المصدر المسؤول هو هذا بالضبط: رغم الضغوطات التي تتعرّض لها البلاد، فإنّ السلطة لن تخفض رأسها ولن تفرج عن هذه الحفنة من المواطنين (المعتقلين لأسباب سياسية، أوّل الأمر وآخره!) إلا لسبب واحد وحيد: أنّ ثلاثة ارباع المدّة انقضت... قبل سبعة أشهر!
ومما يثلج الصدر، بعد خبر الإفراج ذاته وبعد تهنئة هذه الكوكبة من أبناء سورية بالسلامة، هو أنّ السياسة ليست البتة غائبة عن أذهانهم هم، أو بالأحري لم تكن غائبة عن عقولهم وضمائرهم طيلة أشهر الإعتقال، وقبيل الإفراج مباشرة (حين رفضوا التوقيع علي نصّ يفيد أنهم أصلحوا أنفسهم في المعتقل!)، وبعد الإفراج حين كانت تصريحاتهم تبرهن بجلاء أنّ الزنزانة لم تفتّ في عضد أيّ منهم. رياض سيف، علي سبيل المثال، صرّح أنه أوّلاً ينضوي تحت سقف إعلان دمشق ، وأنه ثانياً لم يعد في وارد مطالبة النظام بالإصلاح لأنّ التغيير هو وحده المطلوب اليوم. ولست أتردد في القول إنّ هذا التصريح أطربني علي نحو خاصّ، ليس لأنه صلب ومبدئي وشجاع وصائب فحسب، بل لأنني كنت علي الدوام من القائلين بأنّ بنية هذا النظام عصيّة علي الإصلاح، ولا مناص من التغيير الجوهري العميق.
أمّا ذاك الذي يحزّ في النفس، فضلاً بالطبع عن استمرار بقاء المئات من المعتقلين السياسيين خلف القضبان، فهو امتناع السلطة عن إطلاق سراح الدكتور عارف دليلة (65 سنة)، الذي اعتُقل وحوكم بالتهم ذاتها وفي سياق وأد ربيع دمشق أيضاً. لسنا نملك تصريحاً من أيّ مصدر مسؤول حول سبب استبعاد دليلة، وإنْ كان المرء للأسف لا يملك رفاه استبعاد أحد أبرز الأسباب: أنّ السلطة تعاقب المعارضين والمناضلين الديمقراطيين من أبناء الطائفة العلوية علي نحو مضاعف، ولهذا تأخر كثيراً الإفراج عن عبد العزيز الخيّر في أحدث الأمثلة. وهنا أيضاً كان في وسع السلطة أن تسبغ الكثير من السياسة، و المدلولات السياسية كما في تعبير المصدر السوري المسؤول، لو أنها ساوت دليلة بزملائه سيف والحمصي والبني وتللو وعيسي، وأرسلت إلي الداخل كما إلي الخارج رسالة بسيطة مفادها أنّ السوريين ـ بصرف النظر عن عقائدهم وأحزابهم وأديانهم وطوائفهم ـ متساوون في الحقوق والواجبات كما في الإعتقال و... الإفراج!
كذلك، في هذا الصدد، لم نسمع أيّ تعليق من عبد العظيم المغربي نائب رئيس اتحاد المحامين العرب، الذي التقي الرئيس السوري بشار الأسد والأمين العام المساعد لحزب البعث محمد سعيد بخيتان، وصرّح بعد اللقائين أنه تلقي وعوداً قطعية بالإفراج عن جميع معتقلي ربيع دمشق . وإذا كانت السلطة تأبي القول إنها أفرجت عن مواطنيها بسبب تزايد الضغوط الخارجية علي النظام (وكأنها، إنْ فعلت، تكون قد ارتكبت إثماً أو أتت معصية!)، فإنّ أحداً في السلطة لا ينفي أنّ الأسد استجاب بالفعل لطلب اتحاد المحامين العرب (والبعض تحدّث عن شرط لا غني عنه وضعوه أمام القيادة السورية) تمهيداً لانعقاد المؤتمر التضامني مع سورية يوم غد.
مدهش أننا، ونظلّ في السياقات ذاتها، لم نسمع قائلاً من أهل السلطة يقول إنّ بعض السبب وراء قرار الإفراج هو ما بات يُعرف باسم انشقاق نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام، إنْ لم يكن علي سبيل مجابهة حملاته الإعلامية المتواصلة (حتي بعد إغلاق المنابر السعودية)، فعلي الأقلّ لأنّ جهابذة من أمثال عبد القادر قدورة (رئيس مجلس الشعب السابق، وفي رئاسته الميمونة تمّ رفع الحصانة عن سيف والحمصي تمهيداً لتقديمهما إلي المحاكمة)، ومحمد حبش (عضو مجلس الشعب والفقيه اللوذعي المتأسلم)، وفيصل كلثوم (البعثيّ عضو المجلس أيضاً، الذي لا يتقن شيئاً قدر إتقانه توجيه تهمة الخيانة العظمي علي الميمنة والميسرة) يتهمون خدام بالمسؤولية عن وأد ربيع دمشق !
ومن مفارقات الأقدار أنّ خدام نفسه (صاحب تصنيف ظاهرة المنتديات والحراك الديمقراطي إجمالاً تحت خانة الجزأرة ، وصاحب اللوم الشهير للرفاق البعثيين الذين يذهبون إلي المنتديات ليدافعوا، لا ليهاجموا ...)، هو اليوم شيخ البعثيين المطالبين بالإصلاح والديمقراطية ومحاربة الفساد! أم هي ليست البتة من مفارقات الأقدار، إذْ هكذا كان ديدن النظام علي الدوام، وكان هناك خدام خلف خدام خلف خدام؟ ألم يحدث، في فترة اعتقالات النشطاء وإغلاق المنتديات، أن أطلق وزير الإعلام السوري الأسبق عدنان عمران صفة عملاء سفارات أجــنبية و قابضي فلوس علي دعاة المجتمع المدني هــؤلاء؟ هل كـــان خـدام هو ملفّق هذه التهمة أيضاً؟
ثمّ لماذا لا نعود بالذاكرة إلي بشار الأسد نفسه، خلال الفترة إياها؟
ففي حديث مطوّل مع صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، في الفترة ذاتها مطلع العام 2001، اضطرّ الأسد إلي تسفيه آراء وزير إعلامه حول قبض الفلوس والعمالة، فقال: في كلّ المجتمعات هناك الأبيض وهناك الأسود وهناك حسنو النيّة وسيئو النية. لا نستطيع أن نقول إننا أمام حالة مطلقة.. هل يمكن أن نقول بأنّ كلّ الناس عملاء؟ هذا مستحيل.. هل يمكن أن نقول إنّ كلّ من يطرح فكرة ظاهرها إيجابي هو وطني؟ أيضاً هذا مستحيل . ما الذي كان الممكن، أي عكس المستحيل، في نظر الأسد آنذاك؟ الأسد استبدل مهزلة الوزير عمران بالمأساة، حين اعتبر أنّ أفعال هؤلاء المثقفين (وهي، في كلّ حال، لم تتعدّ البيانات وارتياد المنتديات) إنما تمسّ الإستقرار علي مستوي الوطن ، وهنالك احتمالان استطراداً: أن يكون الفاعل عميلاً يخرّب لصالح دولة ما أو أن يكون جاهلاً ويخرّب من دون قصد . أمّا النتيجة فهي أنّ الإنسان في كلتا الحالتين يخدم أعداء بلده !
والحال أنّ توصيف الوزير عمران كان أرحم، لا لشيء إلا لأنه يندرج في باب الإطلاق والتعميم والتجريم كيفما اتفق: الكلّ عملاء، والكلّ يقبض، وكفي الله المؤمنين شرّ التمييز بين رياض الترك ورياض سيف وعارف دليلة. أمّا في حكم الأسد فإنّ المثقف الذي يطالب بالتغيير لا يقوم بما هو أقلّ من المسّ بالعجل الذهبي المقدّس الذي يُدعي الإستقرار ، وهو مثقف ينتمي إلي فئة الأسود استطراداً، سواء أكان عميلاً عن عمد أم جاهلاً عن غير قصد. أين حسنو النيّة والحال هذه؟ أين فئة الأبيض ؟ وأين شعار التغيير إذا كانّ مسّ الإستقرار يستدعي كلّ هذا التجريم؟
وفي مسألة المجتمع المدني ، التي كانت تبدو الشاغل الثاني الأهمّ، كانت مهزلة الوزير قد أصدرت حكمها الجامع المانع: هذا مصطلح أمريكي، استعماري، والقائلون به يقبضون الفلوس. الأسد سفّه آراء وزيره هنا أيضاً، بل ورمي بها إلي سلّة المهملات عملياً: المجتمع المدني هو مجتمع حضاري نشأ عن تراكم الحضارات عبر مئات أو آلاف السنين . كلام جميل وقول صحيح، إذا عُزل عمّا جاء بعده، وهنا المأساة: الرئيس، باديء ذي بدء، يتهم مواطنيه المثقفين بأنهم يريدون بناء مجتمع مدني، الأمر الذي يعني أننا نريد أن نلغي كلّ هذا التاريخ لنبدأ بتاريخ جديد . و... طبعاً هذا غير واقعي بل خيالي عدا عن أنه يعني رفضاً لهذا التاريخ ومحاولة للخروج منه .
الجانب الثاني الهامّ في المسألة أنّ معظم المثقفين السوريين كانوا قد طالبوا بـ إحياء وليس بناء المجتمع المدني، لا لشيء إلا لأنّ سورية هي حصيلة حضارية طويلة أوّلاً، وهي ثانياً كانت أوّل بلد عربي شهد تجربة ديمقراطية ودستورية متقدّمة بعد الإستقلال وحتي أثناء مرحلة الإنقلابات، وها هنا تمكنت امرأة عربية من التصويت الحرّ للمرّة الأولي في تاريخ العرب! لم يكن غريباً أن يتناسي الأسد هذه المرحلة المضيئة بالذات، فيركّز علي أنّ تاريخ البلد قبل حكم حزب البعث مرّ بمرحلتَين أساسيتين كما يقول: مرحلة الإنقلابات و مرحلة الإحتلال التي يقصد بها الإستعمار والإنتداب علي الأرجح. وليس غريباً، في البناء علي هذا التقسيم المنتقِص والمنتقَص، أن يتهم الأسد بعض مواطنيه بأنهم يفضّلون لبلدهم مرحلتَي الإنقلاب والإحتلال علي مرحلة الإستقرار التي بدأت عام 1963 وتعززت في عام 1970 واستمرت حتي اليوم !
في المقام الثاني اتهم الأسد ذلك المثقف بوضع المصطلحات فوق المجتمع، وتحويل المصطلحات إلي قوالب صغيرة يحشو فيها مجتمعات كبيرة فيعيق حركتها ويدفعها للضمور ، قبل أن يلقي عليه موعظة فلسفية في أصول العلاقة بين المصطلح والمجتمع: المصطلحات لا تنتج مجتمعات بينما المجتمعات هي التي تنتج المصطلحات المناسبة لها وتعطيها شكلها ومضمونها الذي يتناسب مع ظروفها المختلفة بحيث تكون مرنة تتماشي مع حركة هذا المجتمع . لا نعرف مَن صاحب المشورة (إلا إذا كان خدّام، هنا أيضاً!) الذي أقنع الأسد بأنّ المثقفين السوريين يقولون إنّ المصطلحات هي التي تنتج المجتمعات، ولكننا نعرف أنّ الذين أقنعوه بأنّ المجتمعات هي التي تنتج المصطلحات المناسبة لها تعمّدوا بتر المعادلة عند الطرف الثاني الذي لا يقلّ أهمية: المجتمعات تفعل ذلك حين تكون حرّة، وحين تكون السياسة حيّة وقائمة ومتداولة، وحين تكون المؤسسات المدنية قادرة علي إحياء حوار/صراع اجتماعي وسياسي وفكري سلمي حول هذا أو ذاك من المصطلحات. أمّا حين تُفرض علي المجتمع مصطلحات من نوع الأب القائد و الحزب القائد ، فإنّ من الطبيعي أن لا تكون هذه المصطلحات مرنة إلا بما يتماشي مع مصلحة النظام الشمولي الدكتاتوري المستبدّ، وليس مع مصلحة الشعب.
تلك ذاكرة متصلة مستدامة. وأن يكره المصدر السوري الرسمي ما يكمن وراء الإفراجات الأخيرة من سياسة، أمر لا يغيّرحقيقة المأزق الشامل الذي يغرق فيه النظام كلّ يوم، أكثر فأكثر. وأن يبقي عارف دليلة حبيس الزنزانة أمر يضيف المزيد من الدلائل علي أنّ البنية مستعصية ولا مناص من التغيير الشامل.

ہ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس