كي تصبح فلسطين عصيّة على الاستباحة  

 بقلم كلوفيس مقصود - النهار

الآن وقد استقبلت الاجراءات للانتخابات في فلسطين المحتلة، علينا في ضوء الشروط والقيود التي فرضتها اسرائيل على هذه العملية أن نتدارك ما يمكن أن تنطوي عليه نتائج هذه الانتخابات.

صحيح أن الانتخابات تشكّل، على الاقل شكلياً، تعبيراً عن ارادة الشعب وما يريده من السلطة التي تنبثق منها، لكن في الحالة الفلسطينية الراهنة تأتي هذه العملية الانتخابية في ظرف قد يؤول الى نتائج من شأنها عرقلة، ان لم يكن تعطيل، انجاز الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. نقول هذا لا لكوننا نعترض على العملية الانتخابية، خصوصاً اذا اُجريت في مناخ يتسم بالوضوح والشفافية، لكن الاوضاع في فلسطين المحتلة تجعل النتائج منطوية على نواقص قانونية وسياسية من شأنها أن تؤثر سلباً في مستقبل القضية الفلسطينية.

واذ نشير الى هذه النواقص والى الثغر المحتملة، انما نفعل ذلك لا انتقاصاً من الشرعية المحصورة التي قد تنتجها هذه الانتخابات، انما من الحرص على الا تتحول نتائج هذه الانتخابات الى ما يمكن اعتباره الشرعية الدائمة او الشرعية المكتملة عناصرها.

لماذا؟

أولاً: تأتي هذه الانتخابات في أراضٍ يعتبرها القانون الدولي أراضي محتلة، لكن السلطة المحتلة لا تعتبرها كذلك. هذا ما يفسر مثلاً أن القدس الشرقية التي لم يسمح بالمشاركة فيها، من اصل 110 آلاف ناخب، الا لـ6800 مقيم، أما الباقون فعليهم، اذا أرادوا المشاركة في الانتخاب، أن يذهبوا خارج حدود القدس من اجل الاقتراع. بمعنى آخر فإن اسرائيل التي قررت في شكل أحادي ضم القدس الشرقية وجعلها جزءاً من "عاصمة اسرائيل" تجعل الاتفاق على التصويت لنحو 5 في المئة والاقتراع في القدس الشرقية نوعاً من المنّة لتنفيس احتقان محتمل، كما ان هذه "المنّة" او "السماح" لـ6500 مقترع هي ناتجة من النظرية الصهيونية أن ما تقوم به اسرائيل في هذا الصدد هو بمثابة "تنازل أليم" مما يفسر  ايضاً اعتبارها ان تفكيك اي مستوطنة بمثابة تضحية تقوم بها، لكونها لا تقرّ مطلقاًَ بأنها في الاراضي المحتلة هي سلطة محتلة.

ثانياً: تعمل اسرائيل ويبدو ايضا بتفاهم مع الولايات المتحدة على جعل الانتخابات الفلسطينية فرصة لامتحان السلطة الفلسطينية وقدرتها على "تفكيك" البنى التحتية للارهاب، وهذا ما يفسر الاشارات الواضحة، بل بالعكس، السياسات الواضحة لجعل اي انجاز انتخابي مرموق لحركة حماس مدخلا لمعاقبة السلطة كما قال علنا ثلاثة ارباع مجلس الشيوخ بقطع المساعدات عن الشعب الفلسطيني اذا ساهمت "حماس" او شاركت في اي سلطة مرتقبة بمعنى آخر، في المنحى الديموقراطي الذي تتخذه الانتخابات الفلسطينية، يجب ان يتحمل الناخب تبعات النتائج التي قد لا يرضاها كل من السلطة المحتلة او الحكومة الاميركية.

ثالثا: ان اقصاء اللاجئين الفلسطينيين في مختلف اقطار انتشارهم عن حق المشاركة في هذه الانتخابات يعني ان قرار المصير الفلسطيني بأكمله محصور في الضفة الفلسطينية الرازحة تحت الاحتلال الاسرائيلي المباشر. فبالاضافة الى الثغرة القانونية لكون اسرائيل لا تعتبر نفسها محتلة، ان اقصاء فئة من اللاجئين الفلسطينين عن الاسهام يكاد يعني الحيلولة، ان لم يكن الالغاء لحق اللاجئين في العودة. بمعنى آخر، ان حرمان اللاجئين الاقتراع في هذه الانتخابات يقارب حرمانهم الهوية الفلسطينية الوطنية وحقهم في المشاركة في هندسة المستقبل الفلسطيني.

رابعا: عندما ينبثق من هذه الانتخابات مجلس تشريعي يُطرح سؤالان اساسيان:

أ هل المجلس التشريعي هو مجلس تشريعي في ارض محتلة، وبالتالي يشكل مجلسا انتقاليا ريثما تستكمل فلسطين المحتلة سيادتها!

وهل تعترف السلطة المحتلة أو هل هي مستعدة لأن تعترف بأن وجودها في الارض المحتلة هو مرحلة انتقالية الى السيادة الفلسطينية فوق هذه الاراضي الفلسطينية التي احتلتها اسرائيل عام 1967؟

ب هل المجلس التشريعي صار عملياً الوارث للمجلس الوطني الفلسطيني الذي تنطوي في إطاره فئات الشعب الفلسطيني داخل الاراضي المحتلة وخارجها؟

ج هل المجلس التشريعي المنتخب والسلطة المنبثقة منه تبقى تجتر الاصلاحيات اللاسيادية ووحدها تقوم بـ"المفاوضات" مع اسرائيل؟

خامساً: نأتي الى المعضلة الرئيسية، وهي هل الانتخابات ا لتي سوف تحصل وتستكمل في 25 الجاري هي تعبير عن مقاومة الاحتلال، وبالتالي السلطة الانتقالية للسيادة الكاملة لدولة فلسطين؟ أم هل هي عملية تأسيس للتدرج في انتزاع حقوق معترف بها للشعب الفلسطيني من خلال وسائل المفاوضات والتباحث والارتكاز على "ضغوط" اللجنة الرباعية على اسرائيل استنادا الى التزام الرباعية وخصوصا الولايات المتحدة، تأمين هذه الحقوق الوطنية من خلال التخلي عن خيار المقاومة اذا استنفذت كل الوسائل السياسية والديبلوماسية لإنجاز هذه الحقوق؟ من هذا المنظور ايضا، هل ستفرج السلطات الاسرائيلية عن السجناء الذين قد ينتخبون للمجلس التشريعي المقبل؟

كيف ستتعامل السلطة في ترسيخ الوحدة الوطنية داخل الاراضي المحتلة؟ وكيف ستتمكن من اعادة النجاعة والفاعلية الى المشاركة الفلسطينية الاوسع والشاملة.

***

نشير الى هذه التساؤلات والمحاذير في ضوء أهداف المشروع الصهيوني الذي يعمل في شكل متواصل على إجهاض لكل القرارات الدولية المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، والتي أصبحت آخذة بالعيش وعدم الاصرار على بلورتها لكونها المرجعية القانونية لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. ولعل الدليل الاخير الذي ظهر في الايام الاخيرة كيف ان السفير الاميركي لدى الامم المتحدة جون بولتون اثار موضوع الخريطة التاريخية لفلسطين التي ظهرت اثناء يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني في 29 تشرين الثاني الماضي بشكل يتطلب "جوابا عن مشكلة جوهرية"، كأن خريطة فلسطين التاريخية لم تكن موجودة قبل قيام اسرائيل، وكأن جون بولتون يريد ان يلغي حقبة من تاريخ فلسطين من الذاكرة العالمية والذاكرة الفلسطينية. ولن تنفذ الى دوافع بولتون المعروف بكونه من صلب المحافظين الجدد الى دوافعه في اثارة هذا الموضوع، لكن تبقى خريطة فلسطين التاريخية واردة، ما دام بولتون واسرائيل لا يعلنان ما هي خريطة اسرائيل، وما دامت اسرائيل ومعها بولتون وما يمثله غير مستعدين لأن يعطوا خريطة بديلة لفلسطين التي يتصورونها، تبقى خريطة فلسطين التاريخية هي ذاكرة الشعب الفلسطيني.

ولعل افتعال جون بولتون هذه الأزمة يفسر الى حد كبير النواقص الكائنة في المعادلة القائمة التي تشكل الانتخابات في الايام القليلة المقبلة تعبيراً عن احتدام أزمتها.

واذ نركز على هذه النواقص التي قد تنتجها الانتخابات، نفعل ذلك كإحتياط لدرء تداعيات ممكنة، وبالتالي لتحصين القضية الفلسطينية كي تتمتع بمناعة تمكنها من استعادة كونها حقوق عصية على الاستباحة.

كلوفيس مقصود