المتغيرات... أيضاً تتغير

معن بشور - السفير

 

الذين دعوا العرب الى التخلي عن كثير من ثوابتهم المبدئية فعلوا ذلك بداعي وجود متغيرات ضخمة في العالم ينبغي فهمها والتعامل معها والتكيف مع متطلباتها بل حتى الاستفادة منها حين يكون ذلك ممكنا...
والمتغيرات كثيرة حسب هؤلاء لعل ابرزها سقوط الاتحاد السوفياتي ومعه الحرب الباردة وبروز الولايات المتحدة كقوة رئيسية وحيدة في العالم، ثم جاءت احداث 11 ايلول/ سبتمبر وتداعياتها ايضا خصوصا اطلاق العنان لاستراتيجية المحافظين الجدد الراغبين عبر حروب استباقية ان يشيدوا في العالم امبراطورية اميركية وحيدة، مديدة العمر، ظاهرها نشر الديموقراطية في العالم وجوهرها مد النفوذ الاميركي الى كل بقاع المعمورة.
ولا يستطيع اي مراقب عاقل ان ينكر الحقيقتين الآنفتي الذكر اللتين طبعتا عالم ما بعد التسعينيات من القرن الماضي، ولكن ما يحتاج فعلا الى نقاش، هل هذا الواقع الدولي الجديد لا يتغير هو الآخر، بل هل هذه المتغيرات اصبحت ثوابت جديدة لدى عقائديي النظام العالمي الجديد، واستطرادا لدى المروجين لمشروع الشرق الاوسط الكبير في منطقتنا.
والسؤال الاول هل نحن فعلا امام عالم احادي القطبية الى ما لا نهاية، ام اننا بدأنا نشهد تراجعا اميركيا سواء لمصلحة شركاء جدد او في وجه منافسين تنمو قواهم الاقتصادية والسياسية.
هل العلاقة الاميركية الاوروبية مثلا هي ذاتها تلك التي شهدنا تأزمها خلال الحرب الاميركية على العراق حين وصف وزير الدفاع الاميركي اوروبا المعترضة على تلك الحرب بانها <<اوروبا القديمة>>، وحين اصر سناتور اميركي على تغيير اسم <<البطاطا الفرنسية>> الى <<بطاطا الحرية>>، ام اننا بتنا نشهد اتجاها اميركيا متزايدا يدرك اهمية الشراكة السياسية والاقتصادية، وحتى العسكرية، من جديد مع اوروبا وقد بات اقتصادها الاكبر حجما في العالم، كما نجحت عملتها في التفوق على الدولار، وفي ان تصبح عملة عالمية تنافسه في احتياطيات البنوك المركزية وفي تسعير السلع.
وهل الصين اليوم هي ذاتها، اقتصاديا واستراتيجيا، <<صين>> نهاية التسعينيات من القرن الماضي، ام انها اخذت تتحول الى هاجس متزايد يتحكم بالسياسات الاميركية لا سيما في اسلوب معالجة البرنامج النووي الكوري الشمالي، حتى لا نتحدث عن الخوف الاميركي المتزايد من استراتيجية صينية غير معلنة ازاء العديد من دول شرق وجنوب آسيا، بما في ذلك الباكستان نفسها التي بدأ رئيسها برويز مشرف يشعر ان كلفة الاذعان للمطالب الاميركية باتت اكبر بكثير من مغانم هذا الاذعان (خصوصا مع الغارة الجوية الاميركية الاخيرة على مناطق باكستانية دون حتى استئذان حكومة اسلام اباد)، كما بدأ يشعر ان بكين قادرة على مساعدته، لا سيما في مواجهة الهند، اكثر مما تستطيعه واشنطن هذه الايام.
وهل روسيا الاتحادية ما زالت هي الاخرى رهينة كاملة للضغط الاميركي القائم على ركنين رئيسيين، اولهما الحاجات اليومية للاقتصاد الروسي المتعثر، وثانيهما الازمة الشيشانية التي يشتعل فتيلها كلما ارادت واشنطن اسكات الاعتراض الروسي على احد قراراتها الرئيسية في مجلس الامن، ام اننا بدأنا نشهد تململا روسيا يعبر عن نفسه تارة بالملف الايراني، (واجتماعات لندن الاخيرة التي لم تنجح في احالة هذا الملف الى مجلس الامن دليل واضح)، كما يعبر عن نفسه ايضا في ملف العلاقة مع سوريا، دون ان يعني ذلك ابدا خروج موسكو نهائيا من فلك التأثير الاميركي وخصوصا بعد ان غاب الصوت الروسي تماما عن المسرح الدولي في فترات سابقة.
نضيف الى ذلك كله ما يجري في اميركا اللاتينية من تطورات جعلت الرئيس الفنزويلي شافيز يتحول من رئيس مهدد في رئاسته بفعل الانقلابات او التظاهرات الى شريك لفيدل كاسترو في قيادة حركة تمرد واسعة في <<الحديقة الخلفية>> للولايات المتحدة حيث تحمل الانتخابات الرئاسية كل شهر تقريبا الى الحكم في احدى دول تلك القارة رئيسا او رئيسة من الصفوف المناهضة للهيمنة الاميركية، وحيث رأينا في قمة الامريكيتين الاخيرة شبه انتفاضة على سياسات العولمة الاميركية عبّرت عن نفسها بتحفظات واضحة ازاء اتفاقية السوق الحرة التي ارادت واشنطن تمريرها.
في ضوء هذا كله، هل نستطيع القول اننا على المستوى الدولي امام الواقع ذاته الذي تبلور في بداية التسعينيات من القرن الماضي ووصل الى الذروة في السنوات الاولى من العقد الاول في هذا القرن، لا سيما مع احتلال افغانستان والعراق، ام ان المشهد الدولي آخذ في التغير مع استمرار حد من المراعاة، المفهومة الاسباب، للدور الاميركي.
وعلى صعيد آخر، هل ما زالت استراتيجية المحافظين الجدد، وفكرة الحروب الاستباقية، تحتفظ بالزخم ذاته الذي كانت تمتلكه مع وصول الرئيس بوش الابن الى الرئاسة عام 2000، بقرار قضائي، ومع الحماسة الاميركية للحرب على ما يسمى بالارهاب التي رافقت احداث سبتمبر...
لا أعتقد ان من يتابع السياسة الداخلية في الولايات المتحدة تغيب عنه رؤية التراجع الملحوظ في شعبية الرئيس الاميركي جورج بوش بين الاميركيين، اولا يلاحظ ارتباكا في صفوف الحزب الجمهوري ذاته تمثلت مؤخرا باستقالة رئيس الاغلبية الجمهورية في مجلس النواب الاميركي ولتوم ديلاي من منصبه لمحاصرته مع عدد من اركانه بفضائح الفساد والرشوة والكذب وغيرها، وهي بالمناسبة فضائح باتت تنبت كالفطر في الوسط الذي يعتمد عليه الرئيس بوش والتي قد تطاله شخصيا مع اتساع التحقيق بفضيحة تسريب المعلومات عن احدى عميلات المخابرات المركزية الاميركية لمعاقبة زوجها السفير السابق ويلسون الذي كشف تجاهل البيت الابيض لتقريره عن عدم صحة شراء العراق لمواد محظورة من النيجر، وهو تحقيق قد يؤدي الى كشف دور مدير مكتب الرئيس الاميركي كارل روف ودور زعيم الاغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ بيل فرست، حتى لا نتحدث عن اثارة موضوع التنصت والدعوة القوية الى التحقيق فيه، ناهيك بانفضاض العديد من الحكام والنواب الجمهوريين عن بوش نفسه، خصوصا بعد فضيحة اعصار كاترينا، وبعد فشل بوش في تمرير برامجه الداخلية في الكونغرس رغم انتخابه لولاية ثانية.
وعلى صعيد منطقتنا، لا يستطيع اي محلل موضوعي ان يغفل حقيقة فشلين كبيرين للسياسة الاميركية في المنطقة اولهما سياسي في فلسطين، حيث سقطت كل وعود بوش وتعهداته وخططه ومواعيده بالنسبة لايجاد تسوية للقضية الفلسطينية عنوانها دولة مستقلة مع حلول عام 2005، ناهيك بمصير <<خارطة الطريق>> التي دفنها شارون نفسه قبل ان يدفنه الاسرائيليون سياسيا اثر الجلطة التي اصابت دماغه.
اما الفشل الثاني فهو فشل عسكري وسياسي في العراق، حيث ترتفع الكلفة البشرية الاميركية بمعدل متسارع على ايدي عمليات المقاومة العراقية، وقد بلغ عدد عملياتها في الاسبوع الاول من الشهر الفائت (اي بعد الانتخابات) اكثر من 400 عملية باعتراف المصادر الاميركية ذاتها، وهو فشل تعبر عنه يوميا تصريحات كبار العسكريين الاميركيين ومعظم التقارير الصادرة عن مراكز اميركية متخصصة.
كما نكتشف حجم هذا الفشل سياسيا في العراق حين نواكب الارتباكات الحالية المتعلقة بالانتخابات الاخيرة، ومن ثم بتشكيل الحكومة، وبتصاعد الاصوات الداعية الى تحديد جدول زمني لانسحاب القوات الاميركية، وبقرارات عدد من الدول الحليفة بسحب قواتها، وبتردد العديد من الدول العربية عن ارسال قوات عربية للعراق تكون مهمتها تغطية الاحتلال وحماية افرازاته، وهو فشل عبر عنه العديد من المسؤولين الاميركيين السابقين كوزير الخارجية السابق كولن باول، والحاكم الاميركي السابق للعراق بول بريمر نفسه، بالاضافة الى استطلاعات الرأي العام الاميركي التي تشير الى تراجع شعبية بوش وزيادة عدد المعترضين على السياسة الاميركية في العراق.
وعلى الصعيد الاقتصادي والمالي تتزايد بوضوح الكلفة الاقتصادية والمالية الاميركية لهذه الحرب، والتي بلغت مئات المليارات من الدولارات في حين كانت التقديرات الاميركية لكلفة الحرب اساسا لا تزيد عن ستة مليارات دولار، ناهيك بالارتفاع الكبير في اسعار النفط وهي اسعار مهددة بالارتفاع الجنوني فيما لو تطورت الازمة بشكل سلبي مع ايران.
وكي نستدرك الامر لا بد من القول بان ايراد مجمل هذه الوقائع قد يشكل دعما لانطباع متزايد بان ما يريده البيت الابيض ليس بالضرورة قدر لا يمكن مواجهته، ولكنه في الوقت ذاته، لا يعني ان الولايات المتحدة باتت عديمة التأثير والنفوذ وانها لم تعد تملك العديد من اوراق القوة التي تستطيع من خلالها ان تمارس دورا كبيرا في منطقتنا والعالم، فكل عاقل يدرك هذا الأمر...
لكن المعادلة الحقيقية التي ينبغي فهمها وادراكها، انه اذا كان من الصعب الحاق الهزيمة الكاملة بالسياسة الاميركية في مدى منظور، فانه لم يعد من السهل على الادارة الاميركية ان تفرض ما تريد في المنطقة والعالم.
ان الادارة الاميركية اليوم هي بالطبع اقوى من ان تنكسر، ولكنها اضعف من ان تفرض هيمنتها الشاملة في المنطقة والعالم لا سيما اذا وجدت مقاومة او ممانعة او اعتراضا.
هنا اذكر كلمة قالها لي مواطن عراقي عشية الحرب على العراق: نحن نعرف ان جيوش اميركا اقوى من جيوشنا ولكننا نعرف ايضا اننا نحن في ارضنا سنكون اقوى منهم.
ولعل هذا ما يفسر هذا الالحاح الاميركي المحموم على تصفية كل مواقع المقاومة والممانعة والاعتراض المتنامية والمتزايدة في منطقتنا والعالم.
الا تستحق كل هذه التطورات مراجعة للذين يدعون كل يوم الى التعامل مع المتغيرات ثم يتصرفون كأن هذه المتغيرات باتت ثوابت لا فكاك منها.
ربما تسيطر واشنطن وادارتها الحالية على الفضاء، والكثير من <<الفضائيات>>، وان برنامجها <<للتضليل الاعلامي>> كان اكثر نجاحا من خطتها للامساك العسكري، ولكن واشنطن لن تستطيع السيطرة على منطقة مشتعلة تمتد من كابول الى غزة، فهي كما قال النائب البريطاني جورج غالاواي قد تستطيع ان تسيطر على اجواء العراق ولكن لا تستطيع السيطرة على شارع في الفلوجة.
نعم، المتغيرات ذاتها تتغير... فهل تريدون قراءتها وهي تتغير. نرجوا ان تفعلوا.. فترتاحوا، وتريحوا...