طمس الهوية العربية المسيحية يصب في مصلحة الحركة الصهيونية

  د. صالح خلف الحمارنة : (باحث وأستاذ محاضر في الجامعة الأردنية) حوار العرب

-السنة الأولى /العدد 7/ يونيو (حزيران) 2005


يتزايد الشعور لدى المسيحيين العرب بأنهم يتحولون من جسر خضاري وثقافي بين الشرق والغرب، الى رهائن في مجتمعاتهم، بخاصة وأنه كثيراً ما يقع الالتباس وعدم التمييز، بين التأثر الثقافي والولاء السياسي للخارج عقد مؤخراً في عمان المؤتمر الأرثوذكسي الدولي في الفترة ما بين 1-4آذار/مارس 2005، تحت شعار "آفاق الحوار الإسلامي ـ المسيحي في العالم المعاصر"؛ وتم انعقاده تحت الرعاية الملكية، وبدعوة كريمة من رئيس المجلس المركزي الأرثوذكسي في عمان الدكتور رؤوف سعد أبو جابر، واتفق المشاركون في المؤتمر على أن الحوار اليوم أصبح بين الشعوب والأديان ضرورة لصياغة منظومة قيم مشتركة، مؤكدين على أن أساس الحوار قبول الاختلاف، الاختلاف الذي هو بالتالي رحمة. والمهم أن المشاركين في المؤتمر أكدوا على أن العرب المسيحيين لهم دور فعّال في مواجهة التشويه الذي يتعرض له الإسلام والعرب حالياً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، في الولايات المتحدة الأميركية والغرب عموماً. حملة معادية للإسلام والمسلمين بدأت ولم تهدأ.
هذا المؤتمر الذي ضمّ ممثلين عن مختلف الطوائف الأرثوذكسية في أوربا الشرقية بخاصة، وغيرها من البلدان، وقد كان التمثيل للأرثوذكس في روسيا كثيفاً وفعّالاً. والشي المهم جداً أن هذا المؤتمر الدولي جاء مكمّلاً وبطابع عالمي واسع هذه المرّة للمؤتمر السابق، الذي عقد في عمان كذلك في الحادي عشر من آذار/مارس العام 2002، بمبادرة من مجلس كنائس الشرق الأوسط بالتعاون مع المؤسسات المسيحية في عمان، وبحضور الملك عبد الله الثاني، وجاء للرد على الهجمة الشرسة على الإسلام إير حوادث أيلول إياها، وردّ تهمة "الإرهاب" عن الإسلام والمسلمين والعرب.
وكان لي شرف الإعلان باسم العرب المسيحيين في الأردن بالقول: "كوني عربياً مسيحياً، أعلن وبقوة أن الحملة المعادية للإسلام، هي حملة تمس جميع العرب في الصميم، فالإسلام حضارتنا وفي ظله عشنا كل الدهور الماضية، وكم يجدر بنا في هذا المقام أن نعرض للخطوات الجبّارة التي خطتها أمتنا في بناء صرح حضارتنا في ظل الإسلام العظيم.
ولا يغربن عن البال أن للإسلام منظورين متكاملين:
ـ منظور الإسلام كدين.
ـ منظور الإسلام كحضارة.
فإذا كان العربي المسلم يتفاعل مع الإسلام كدين وحضارة، فالعربي المسيحي يتفاعل مع الإسلام كحضارة وتاريخ، فالمسلم وغير المسلم في دنيا القومية العربية، يقفان في الموقع ذاته من قضية العلاقة بين العروبة والإسلام".
الحفاظ على الهوية العربية المسيحية وإظهارها، لا طمسها، هما سلاح حيوي في يد الأمة، يظهر حيويتها التعددية ويؤكد موضوعية قضاياها وصدقية دعواها الصادرة عن مطالب حقيقية، لا عن تعصب متأصل معاد جوهرياً للغرب، كماف ي الصورة النطية
لقد
كان للعرب المسيحيين الدور البارز والمميز والأصيل والقديم والأساسي في تكوين التاريخ العربي وحضارته، والمشاركة الفاعلة في دولة الخلافة. فلقد قدّم الإسلام الحضارة مفهوماً للعروبة يتجاوز عصبية الجاهلية ويرفضها، يتجاوز النعرات العرقية وينهي عنها، ووضع محل ذلك مفهوماً حضارياً، يعتمد: الفكر واللغة بين أبناء الجماعة البشرية معياراً لمن هو عربي (أيها الناس ليست العربية بأحدكم من أب أو أم، وإنما هي اللسان (اللغة)، فمن تكلم العربية فهو عربي ـ حديث شريف).
ليس صحيحاً البتة أن هناك من جهة ديانة هي المسيحية، مقدّر لها في كل زمان أن تحتضن الحداثة والحرية والتسامح والديمقراطية، ومن جهة ثانية ديانة أخرى هي الإسلام مكرّسة من الأساس للاستبداد والتعصب و"الإرهاب". فهذا تفكير خاطئ وخطير يسدّ آفاق أي رؤية مستقبلية لدى قسم كبير من البشر.
حملة التشويش الغربية
فحملة
التشويش الأميركية ـ الغربية، إنما هي حملة سياسية تسلطيّة لها أهدافها في الهيمنة ومواصلة السلب، ومنع العلام العربي من استغلال قدراته الكبيرة للنهوض والتقدّم، وأيضاً لصده عن المجابهة مع إسرائيل التي سلبت فلسطين من أهلها. وما زلنا ندفع الثمن كل يوم بدماء فلسطينية وأموال عربية وتضحيات جسام من مختلف فئات شعبنا، فضلاً عن التشويه المتعمد لصورة العرب والمسلمين ولمعتقداتهم ودمغ مجتمعاتهم بالتخلف والانحراف من دون سبب واضح..
وأنا إنما ذكرت هذين المؤتمرين اللذين عقدا في عمان، للتدليل على دور المسيحيين العرب في الأردن ونهوضهم بالواجب المترتب عليهم تجاه وطنهم ومواطنيهم. وأردت أن أنوّه بذلك الى الأجواء المتفتحة في بلدنا العزيز على الحوار، والتقبّل للآخر، والتعاون للتعايش بسلام، وبناء الوطن والنهوض به، بجهود كل أبنائه، هذه الأجواء التي ترعاها القيادة السياسية في البلد، ويحرص المواطنون على التمسك بها وتعميقها ثم توسيعها.
فلقد زار الباب بولس السادس في العام 1947 عمان والقدس، واستقبله بحفاوة بالغة الملك الراحل الحسين وطبقات الشعب كافة.. وزار كذلك في العام الفائت 2004 البابا يوحنّا بولس الثاني الأردن، استقبل أيضاً بحفاوة وفرح من الجميع. ولم تقتصر الحفاوة على أبناء الطوائف المسيحية فحسب، بل امتدت ليشترك بها المسلمون بدور كبير. ويكمن مدلول ذلك في التعبير عن العلاقة الخاصة والمميزة للتعايش والانسجام السلمي بين المسلمين والمسيحيين الذين يشكلون أقل من 5 في المائة من عدد السكان، إذ الأغلبية العظمى هي من المسلمين في الأردن. وزار قداسة البابا مواقع مهمّة في السيرة المسيحية مثل مكان المغطس ـ موقع تعميد السيد المسيح في وادي الخرّار، عبر نهر الأردن ـ وكذلك زار جبل نبّو في منطقة مادبا. ويؤكد الملك عبد الله الثاني على موضوعات حوار الأديان واحترام تعددها والتعايش السلمي بينها.. ناهيك أنه في عمان ينشط كثير من المؤسسات العلمية الثقافية التي تهتم بالحوار ما بين الثقافات وفي الدراسات الدينية، من مثل جامعة آل البيت في مدينة المفرق شمال شرق الأردن، والمعهد الملكي للدراسات الدينية في عمّان، ومنتدى الفكر العربي وغيرها.. ناهيك أن الدستور الأردني ـ وهو دستور متقدم ـ يكفل لكل مواطنيه رجالاً ونساءً المساواة في الحقوق والواجبات، ويكفل كذلك الحرية الدينية. مع كل هذه الأجواء الإيجابية، إلا أننا في الأردن وفلسطين وغيرهما من الأقطار العربية نعيش في خوف من نزف الهجرة، التي باتت تكوّن خطراً حقيقياً على الوجود المسيحي في البلاد ـ بخاصة مدينة بيت المقدس ـ ولقد عبّر عن هذه المخاوف مراراً بطريرك القدس للاتين ميشيل الصبّاح، ومما قاله في مؤتمر عمان المشار إليه سابقاً "الخطر الداهم المهدد للكيان المسيحي في الأردن وفلسطين بخاصة، اليوم، هو الهجرة التي تقلص الأعداد وتغرّب العربي عن وطنه وبلده، والهجرة مردّها عدم الاستقرار السياسي وظلام المستقبل والتوق الى سلام. ويقول عبطته: "إن صنع السلام في فلسطين وفي المنطقة بأكملها هو العامل الأول لترسيخ العرب المسيحيين في أوطانهم. استقرار البلاد ويدمقراطيتها وترتيب العلاقات العامة والخاصة، كل هذا له شأن في هذا الدفع نحو الخارج أو في الحيلولة دونه".
خطر هجرة المسيحيين
صحيح
أن الهجرة بدأت في منطقتنا منذ زمن بعيد، ولكنها الآن في تصاعد يبعث على القلق لتفاقمه وسوء العواقب المترتبة عليه، ما دفع الأمير طلال بن عبد العزيز الى القول: "يتعرض العالم العربي لنزف بشري واجتماعي وثقافي واقتصادي على جانب كبير من الخطورة، هجرة العرب المسيحيين التي لم تنقطع، منذ أعوام عدة". ويتابع سمو الأمير قائلاً:
"لقد شكل العرب المسيحيون إحدى ركائز البناء العربي القديم والحديث وعلى السواء، ففي فجر الإسلام كانوا ركناً ثقافياً وسياسياً وعسكرياً في الدولة العربية، وكانوا أحد عناصر القوة الدافعة التي حملت الإسلام الى خارج جزيرة العرب وبلاد الشام. وفي عصر النهضة طوال القرنين التاسع عشر والعشرين، لم يغب العرب المسيحيون عن دورهم في إعادة إحياء معالم العروبة ومضمونها الحضاري.. الجامع والمنفتح على الحضارات الأخرى الناهضة. ولا زالوا يخلقون تحدياً مستمراً في الثقافة والفكر. هجرتهم تلغي هذا المعنى، باعتباره تنوعاً يغني النسيج الاجتماعي العربي".
أشد الهجرات (والتهجير) المسيحية إيلاماً في النفس هي الهجرة (والتهجير) من القدس، إذ إن بقاءهم في الأرض المقدسة يعطي معنى للكنائس، حيث من دونهم تصبح رسالة "البشارة" لا معنى لها، فارتباط الشعب بالأماكن المقدسة، يكسب الحجارة معناها المميز، وعليه فإن كنيسة الحجر تفقد معناها ورسالتها وحتى هويتها إن هاجرت "كنيسة البشر"
فالهجرة
أصبحت بمثابة نزف بشري، يستنزف قسماً مهماً من الطاقات العلمية والثقافية والفكرية الخلاقة في العالم العربي. وإن هجرة العرب المسيحيين في حالة استمرارها، هي ضربة أليمة توجّه في صميم مستقبلنا، مهمتنا العاجلة كما قال الأمير طلال: "هي في وقف هذه الهجرة وترسيخ بقاء هذه الفئة العربية في شرقنا".
إن التناقض في أعداد العرب المسيحيين بفعل الهجرة وغيرها، ينذر باضمحلال الوجود المسيحي في المنطقة، بخاصة في قلسطين، فبحسب الإحصاءات المتوافرة من العام 1904، بلغت نسبة المسيحيين الى مجموع السكان في المنطقة (سورية الكبرى) ما ينوف على الربع من مجموع السكان، وهي أعلى نسبة لهم منذ حروب الفرنجة (الصليبية)، في حين تشير بعض التقديرات الى أن نسبة المسيحيين الى مجموع السوريين والأردنيين والفلسطينيين واللبنانيين المقيمين العام 1990 هي عشرة في المائة.
وتعود أسباب هذا التدني خلال ثلاثة أرباع القرن الى:
ـ انخفاض معدلات الخصوبة عند المسيحيين.
ـ ارتفاع معدلات الهجرة.
ويذهب بعض الباحثين الى القول، إن من هذه الأسباب، الشعور المتزايد بالغربة والقلق على المصير لدى المسيحيين، تجاه تصاعد التطرف الزائد المتزمت لدى كثرة من المسلمين. إن الهجرة ـ على رغم انعدام الأرقام الموثوقة عن نسبتها ـ تبقى العامل الأشد تأثيراً في تفسير الخط التنازلي لديمغرافية المسيحيين، حتى يفوق ـ أحياناً ـ عدد المهاجرين المنتمين الى مختلف الكنائس ضعف العدد الإجمالي لأبنائها.
ومعلوم أن المشرق العربي قد شهد موجه هجرة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ولكن موجة أكبر بدأت من أوائل الستينيات في القرن الماضي ولا تزال مستمرة حتى اليوم. هذه الهجرة، قد تغذّت من الرغبة في التقدم الاقتصادي والعلمي، كما أثرت فيها الأوضاع السياسية المتقلبة منذ هزيمة 1967، والأحداث السياسية المتتالية في لبنان وفلسطين ثم أخيراً في العراق. فالتناقض في أعداد المسيحيين ينذر مع مطلع قرننا الحالي الحادي والعشرين باضمحلال الوجود المسيحي، فللمرة الأولى إن المسيحيين من الشرق العربي الذين يعيشون في الخارج هم أكثر من المسيحيين الذين بقوا في البلاد.
والخوف كل الخوف أن تطول غربتهم حتى ينسوا البلاد.
هذا وإن أشدّ الهجرات ـ والتهجير ـ إيلاماً في النفس وأبعدها أثراً في تبدّل الصور، هي الهجرة والتهجير من المدينة المقدسة، القدس الشريف بخاصة. فعلى الرغم من الرسوخ التاريخي في بنية العنصر المسيحي في القدس، فإن عدد المسيحيين في المدينة ينخفض بوتيرة محزنة. ففي العام 1940 كان عدد المسيحيين في القدس 45ألفاً ـ نسبة عالية ولا شك ـ ولقد انخفض هذا العدد الى 34ألفاً العام 1948 ـ بعد قيام غسرائيل ـ ثم الى 10آلاف في العام 1967 ـ بعد هزيمة حرب حزيران/يونيو المفجعة ـ أما اليوم فعددهم لا يزيد على 8آلاف، وبين العامين 1987 و1991 غادر القدس ألف فلسطيني من المسيحيين المهجرين والمهاجرين لأسباب عدّة، أهمها وأشدّها ألماً التعصب والقهر اليهودي المتزايد في الداخل.
كنيسة الحجر.. كنيسة البشر
ومنذ
أكثر من ثلاثين سنة، أشار البابا بولس السادس في رسالة الفصح لعام 1974 الى مسيحيي بيت القدس، فقال: "هؤلاء الإخوة والأخوات الذين يعيشون، حيث عاش المسيح، والذين ما زالوا حول الأماكن المقدسة، هم خلفاء الكنيسة الأولى، إنهم أصل بقيّة الكنائس، وإذا ما زال الوجود المسيحي من القدس، فإن حرارة الشهادة الحيّة في الأرض المقدسة ستنطفئ والأماكن المقدسة في القدس وفلسطين ستصبح متاحف".
غني عن القول أن بقاء المسيحيين في الأرض المقدسة يعطي معنى للكنائس، حيث من دونهم تصبح رسالة "البشارة" لا معنى لها، فارتباط الشعب بالأماكن المقدسة يكسب الحجارة معناها المميز، وعليه فإن كنيسة الحجر تفقد معناها ورسالتها وحتى هويتها إن هاجرت "كنيسة البشر".
أمام الهجرة من فلسطين ـ الداخل والضفة ـ قامت جمعية أبرشية الجليل ومركز الدراسات فيها بالتنويه بخطر الهجرة، وقدّمت اقتراحات وأبحاثاً ميدانية جدّية ورصينة. ومما جاء في تقرير قدّمه الدكتور حاتم خوري من حيفا (الى مؤتمر عمان المشار إليه) "إن هجرة العرب المسيحيين من حيفا والجليل واستمرارها يهددان بصورة رهيبة بقاءنا في وطننا، ويقلصان دورنا التاريخي في خدمة وطننا ومنطقتنا".
مع تصاعد التطرف الديني، يجد المسيحيون أنفسهم بين شقي الرحى في صراع الأصوليتين، الليبرالية الغربية الرأسمالية والتي تدعي الانتساب الى المسيحية وتخدم الأغراض الصهيونية، وبين الأصولية التقليدية الشرقية المتزمتة والتي تدعي الانتساب الى الإسلام
إذاً
، فهل من حل لنزف الهجرة؟ وهل من طريقة لإيقافها، بخاصة وأن هجرة الأفراد مسألة شخصية ما خلا التهجير القسري.
من السهل الإشارة الى حلول وإسداء النصائح من مثل قولنا يجب خلق مناخات من الحرية الفكرية والدينية واستيعاب التعددية وترسيخها، ثم التشبث بالأرض وتوفير فرص العمل وخلق أجواء من الطمأنينة للمستقبل، وفوق ذلك كله العمل على الاستقرار السياسي والقضاء على دواعي الخوف والقلق والشعور بالغربة، هذا كله صحيح وبكل تأكيد، ولكن كيف التطبيق وما السبيل الى تحقيق كل هذا أو حتى بعضه؟
خيبة أمل
ثمة مسألة تخص المسيحيين الأرثوذكس في الأردن وفلسطين (والطائفة الأرثوذكسية هي الكبرى والأقدم بين طوائف المسيحيين في بلادنا)، هذه المسألة تثير كثيراً من القلق والارتباك، لا بل وكثيراً من الإحباط لدى المؤمنين، ذلك أن رئاستهم الروحية الواحدة والمتمثلة بالبطريركية والأورشليمية يتحكم في رئاستها رجال الكهنوت من أصل يوناني (بعضهم يحمل الجنسية الأردنية)، ويستولي الرهبان والأكلوريوس اليوناني على كل المناصب الحساسة في الكنيسة والطائفة، والمؤلم أن هذه الرئاسة دأبت ومنذ زمن على تأجير أوقاف الكنيسة لفترات طويلة تمتد الى 99سنة بغرض الاستثمار، ناهيك عما يشاع في الفترة الأخيرة من بيوع للأراضي الى إسرائيليين، ومعلوم أن الكنيسة الأرثوذكسية تملك أراضي شاسعة في جميع أنحاء البلاد (فلسطين والأردن)، كما تملك أراضي عديدة أقيم عليها منشآت إسرائيلية، من مثل الكنيست الإسرائيلي ومقر رئيس الوزراء وهيكل شالومو (الكنيس الأكبر) وغيرها كثير. وكم من احتجاجات وكم من صرخات ضد هذا التصرف وبلا طائل، وكثيراً ما يلجأ المتكلمون باسم الطائفة ـ بخاصة جمعية النهضة الأرثوذكسية في عمان ـ الى الحكومة الأردنية لأن تشد أزرهم لوقف مثل هذه الاعتداءات والتصرفات المضّرة، ذلك أن القانون الأردني هو الذي يسري على البطريركية الأرثوذكسية في القدس. ولكن النتائج ضئيلة، بل وتكاد تكون معدومة، ويزيد الطين بلّة ما نمسعه مؤخراً عن أحداث تعصف بالبطريركية في أثينا كما في القدس، فقد تعرضت الكنيسة هذه الأيام لأكبر أزمة في تاريخها الحديث، بسبب كثير من الفضائح المالية والجنسية وقضايا عديدة من الفساد الأخلاقي تناولتها وسائل الإعلام بشكل واسع، وانعكست هذه الأمة على البطريركية الأرثوذكسية في القدس، ما أعطى القضية برمتها أبعاداً سياسية لمس العلاقة بين البطريركية والسلطة الفلسطينية من جهة، وبين البطريركية وإسرائيل من جهة أخرى، الأمر الذي ينعكس سلباً على المؤمنين الأرثوذكسيين ويصيبهم بخيبة أمل وإحباط.
مشكلة العرب المسيحيين بصفتهم أقلية في المجتمع العربي، في منطقتنا الشامية بالتحديد، تشترك في مسؤولياتها الأكثرية والأقلية، ولا يمكن أن تحل هذه المشكلة حلاً جذرياً إلا بتحولات جذرية من الجانبين معاً، وأن تقتنع الأكثرية بأن مسؤوليتها تتضخم بضخامة حجمها، وأن ميزتها تقوم آخر الأمر، لا على الكم، بل على الكيف
بقيت كلمة مهمة لابدّ من الإشارة إليها في هذه المداخلة وهي أن العرب المسيحيين في الشرق هم القادرون على أن يكونوا جسر التواصل بين الشرق والغرب ـ بخاصة في جو العولمة الذي نحياه هذه الأيام ـ ما يؤهلهم لأن يكونوا عنصر سلام حقيقي. فمع الغرب المسيحي لهم دين مشترك، ومع الشرق يشكلون جزءاً لا يتجزأ من الشعب العربي، يجمعهم التاريخ واللغة والزمن بأبعاده الثلاثة، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. قال الأمير حسن بن طلال: "كان المسيحيون العرب ولا يزالون منفتحين على مدنيّة الغرب ـ أو بالحري مدنية العالم الحديث ـ أكثر من غيرهم. وهم في الوقت ذاته الأقدر على التعامل الفكري مع العالم الحديث وإجادة التعبير والإفصاح عما يدور في خلد العرب من مشاعر ومخاوف مصدرها وضعهم في هذا العالم.. وهذا ما جعلهم أفضل من يقدم المواقف العربية على المسرح الدولي في جميع المجالات، وهذا ما عهد إليهم في العادة أن يفعلوه ومحاطين بالرضى العربي". ويتابع سموه: "ويبقى المسيحيون العرب حتى يومنا هذا أهم المدافعين عن القضايا العربية القومية، وخصوصاً القضية العربية القومية، وخصوصاً القضية العربية الفلسطينية وذلك بقبول الجميع".
ذلك أن العربي المسيحي المثقف يعرف الإسلام، ويفهمه ويدرك حساسياته الفكرية والوجدانية والثقافية، ولا تقف إزاءه في الوقت نفسه عقبات دينية أو ثقافية تحول بينه وبين الانفتاح غير المقيّد على مدنيّة الغرب وثقافته وآليات تفكيره، وهذا ما يمكّنه من القيام بدور المحاور العربي ـ الإسلامي للغرب.
ومن نافلة القول أن العرب المسيحيين معنيون الى أقصى حد بقضايا الإسلام والمسلمين، ولكن بصورة مختلفة مناسبة وحيوية. فالعربي المسيحي ـ كما أشرنا ـ يرتبط بالإسلام والمسلمين من دائرة حيوية تحدد وجوده التاريخي والاجتماعي والحضاري، كما تحدد دوره وفعاليته ضمن دائرة العروبة، فهو معني وبعمق بقضايا الإسلام والمسلمين من منظور قومي عربي، وفي حدود هذه الرؤية فقط يمكن تحريك العربي المسيحي للقيام بدوره المأمول.. والذي أشرنا إليه. فالحفاظ على الهويّة العربية المسيحية وإظهارها لا طمسها، هما سلاح حيوي في يد الأمة، يظهر حيويتها التعددية ويؤكد موضوعية قضاياها وصدقية دعواها الصادرة عن مطالب حقيقية لا عن تعصب، متأصل معاد جوهرياً للغرب، كما في الصورة النمطية.
هذا وما زال ماثلاً بالأذهان، بأنه ومنذ القرن التاسع عشر للميلاد قامت وتشكلت نخب مسيحية، امتلكت أدوات ثقافية اكتسبتها من خلال التعليم والانفتاح على الغرب، أتاحت لها بالتالي خوض غمار التحرر والتقدم، لا لمصلحة المسيحيين من دون سواهم، بل أيضاً للمصلحة الوطنية العربية المشتركة مع مواطنيهم المسلمين. فكان انخراطهم وإسهامهم الريادي، أحياناً كثيرة، في الحركات المطالبة باللامركزية والاستقلال، بداية الخروج من العزلة "المليّة". وغني عن القول أن دور هذه النخب كان دون دور النخب التقليدية.
المسيحيون بين أصوليتين
إن
أشد ما أخشاه مع تصاعد المد الإسلامي المتطرف في عالمنا من جهة، وتراجع الشعور القومي لمصلحة الشعور بالانتماء الديني من جهة أخرى، تزايد الشعور عند المسيحيين العرب بأنهم يتحولون من جسر حضاري وثقافي بين الشرق والغرب الى رهائن في مجتمعاتهم، بخاصة وأنه كثيراً ما يقع الالتباس وعدم التمييز بين التأثر الثقافي والولاء السياسي للخارج، ثم عدم الإدراك بأن للمسيحية الشرقية خصوصيتها المستقلة الإرادة، والتي كانت ولا تزال تقف ضد عمليات التبشير المرتبطة بالدوائر الإمبريالية الاستعمارية. فهنا تبرز بالذات أهمية التوعية والتمييز لتفهم مواقف المسيحيين الشرقيين الوطنية، والمقاومة للاستعمار الخارجي والسلوك الاستعلائي الغربي الموجه لنا جميعاً كعرب.
إذا كان العربي المسلم يتفاعل مع الإسلام كدين وحضارة، فالعربي المسيحي يتفاعل مع الإسلام كحضارة وتاريخ، فالمسلم وغير المسلم في دنيا القومية العربية، يقفان في الموقع ذاته من قضية العلاقة بين العروبة والإسلام
إن
الحديث عن أن هناك مشكلات للمسيحيين خاصة بهم وأن هناك ثغرات هنا وهناك وتحفظات، من هذا الجانب أو ذاك، يجعلني أسارع في القول إن مشكلة العرب المسيحيين بصفتهم أقليّة (مع العلم أن مفهوم الأقلية مفهوم طارئ مجتلب لم يعرفه العرب، إلا حديثاً بسبب الترجمات) في المجتمع العربي في منطقتنا الشاميّة بالتحديد، الذي تنتمي أكثريته الى الإسلام، هي مشكلة تشترك في مسؤوليتها الأكثرية والأقلية، ولا يمكن أن تحل حلاً جذرياً إلا بتحولات جذرية من الجانبين معاً، وأن تقتنع الأكثرية بأن مسؤوليتها تتضخم بضخامة حجمها، وأن ميزتها تقوم آخر الأمر، لا على الكم بل على الكيف.
وواضح جداً أن طمس الهويّة العربية المسيحية يصب في الدرجة الأولى في خدمة الحركة الصهيونية، هذه الحركة التي تقوم على العنصرية الدينية والعرق الصافي والشعب المختار، وترفض التعددية والعيش مع الآخر. فمع تصاعد التطرف الديني، يجد المسيحيون أنفسهم بين شقي الرحى في صراع الأصوليتين، الليبرالية الغربية الرأسمالية والتي تدعي الانتساب الى المسيحية وتخدم الأغراض الصهيونية، والأصولية التقليدية الشرقية المتزمتة والتي تدّعي الانتساب الى الإسلام. وما الأحداث المحزنة التي نشهدها من تهجير المسيحيين في العراق في الآونة الأخيرة وتهجير وهجرة الفلسطينيين طيلة النصف الأخير من القرن الماضي، إلا الدليل الصارخ على حال التردّي التي نحياها.
خلاصة القول، ليكن لنا، عرباً، مشروعنا الحضاري الخاص والتميز، وفي الوقت ذاته المتفاعل مع الحضارات الأخرى، ولننهض جميعاً، مسلمين ومسيحيين، لبلورة مشروعنا الحضاري ولتطويره ولتطوير واقعنا الذي نتقاسم فيه عيشاً واحداً ومصيراً واحداً، ولنعد بالعقل الواعي والمستنير الى اكتشاف إسلامنا المبرأ من التعصب، واكتشاف مسيحيتنا في الشرق التي هي كمثل الإسلام ذات خاصيّة قوميّة بالنسبة الى العرب الذين يدينون بها. فبذلك تنهض أمتنا بأبنائها جميعاً، وتصبح العلاقة عضوية بين المسلمين والمسيحيين، كما هي بين العروبة والإسلام.