تقرير ميليس: وفبركة الشهود

سليم يونس الزريعي: نشرة كنعان الإلكترونية 15/1/2006

يبدو أن على الأمة العربية أن تستغني عن عقلها وكل حواسها، طالما أن هناك من يتولى التفكير والتنفيذ نيابة عنها، باعتبارها أمة قاصر دون أن تكون هي ذاتها، كما يريد لها الرئيس الأمريكي بوش الابن والدول الإمبريالية الغربية أن تكون. ذلك أن أخص مصالح تلك الدول الرأسمالية يتجلى في رهن إرادة هذه الأمة أنظمة وشعوب لصالح مشروعها الإمبريالي في نموذجه الجديد، عبر تطويع حلقات الممانعة في الوطن العربي بعد أن أكد الواقع فشل نموذجها العراقي، الذي أريد له أن يكون المقدمة في تشكيل خريطة الشرق الأوسط الكبير والجديد، بما يمكن الكيان الصهيوني من لعب الدور المركزي الوظيفي في المنطقة العربية وما حولها.
ولأن قوس الممانعة لمشروع المحافظين الجدد المتمثل باليمين المسيحي الصهيوني الأمريكي في المشرق العربي كان يمتد من إيران حتى حدود فلسطين الشمالية، بعد أن استبعدت حلقتا مصر والأردن من دائرة الممانعة بعد اعترافهما بنتائج الغزوة الصهيونية الاستعمارية على الأمة العربية، بما عناه ذلك من نفي لحق الشعب الفلسطيني في ثمانية وسبعين بالمائة من فلسطين التاريخية ، فكان لا بد وفق الرؤية الأمريكية تلك، من تطويع إن لم يكن أكثر من ذلك ، تلك القوى التي تريد على الأقل حلا عادلا لموضوع الصراع العربي ــ الصهيوني استنادا إلى قرارات الشرعية الدولية.
ولذلك كان من الطبيعي أن تأتي سوريا ولبنان الوطني القومي والمقاوم في مركز استهداف ذلك المشروع الأمريكي ـ الأوربي، رغم أي حديث مضلل عن دور أوربي يتباين بهذا القدر أو ذاك عن الموقف الأمريكي الموغل في عدوانيته ضد مصالح الأمة العربية كما تراها شعوبها، لأن أي قراءة للتناغم بل التماهي بين مواقف الدول الإمبريالية فيما يتعلق بقضايا الأمة العربية يؤشر إلى أنه من العبث الفصل بين عقلية ورثة ذلك الإرث الاستعماري البغيض وبين عقلية أسلافهم، في حاضرنا الراهن مطلع القرن الحادي والعشرين الذي تحاول فيه أن تحتل ليس عقولنا فحسب بل مصائرنا، من خلال رسم تلك المصائر بما يتفق ومصالحها، تحت دعوى أننا نعيش اضطهاد واستبداد السلطات السياسية الوطنية.
وهي في الواقع كلمة حق أريد بها باطل، ولذلك كان لابد من تدمير العراق وتفتيت نسيجه المجتمعي ، بحيث لا تقوم له قائمة بعد ذلك، ومع أن الذريعة في المثل العراقي كانت أكذوبة أسلحة الدمار الشامل التي يفترض بها أن تمثل تهديدا لأمن الكيان الصهيوني في حال وجودها، رغم الإرادة الدولية الممانعة لتلك العدوانية الأمريكية الأوربية مع الاستثناءات المحدودة من بعض الأوربيين لأسباب لا تتعلق بالغاية، وهكذا كان لابد من أن تقوم الإدارة الأمريكية بترتيب عناصر المشهد الذي أريد له أن يكون اختبارا لسياسة الفوضى البناءة الذي أنتجها الفكر السياسي للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي أسوأ تجلياته خلال عهد بوش الابن ، من خلال التجربة العراقية ابتداء.
تلك الفوضى التي تم خلقها ومن ثم جرى استثمارها بعد مقتل الحريري ،وذلك بما خلقته من حراك سياسي واجتماعي كان مقررا له منذ البدء أن يتعدى الحدود اللبنانية إلى مجمل دول الجوار، ليكون مدخلا للفعل في الواقع السوري تحديدا ،نظرا للعلاقات المتداخلة التي كانت قائمة بين سوريا ولبنان، ذلك أن جريمة من هذا النوع تحديدا هي وحدها الكفيلة بخلق هذه الفوضى بما يتبعه ذلك من شروخ في العلاقة السوريةـ اللبنانية وفق ترتيب من قام بتنفيذ تلك الجريمة.
وهي بالضرورة ذريعة مثلى كمدخل لوضع سوريا في بؤرة الاستهداف الأمريكي الأوربي الغربي الصهيوني، كما كانت لوكربي ذريعة لفرض حصار ظالم وجائر وغير مشروع دام أكثر من عقد من الزمن على ليبيا ، بهدف النيل من مواقفها القومية وإرادتها المستقلة، ومن ثم لا يمكن أن يستقيم والتفكير المنطقي إلا أن يكون اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري قد تم من قبل أطراف لها مصلحة في زعزعة استقرار سوريا ولبنان والمنطقة ، مع التركيز على الحلقة السورية، حيث لم تخف الإدارة الأمريكية قرار وضعها على سلم أولوياتها في المنطقة ارتباطا، بما تعتقده من دور لها في مأزق قوات الاحتلال الأمريكي في العراق وفي تحالفها مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية، ليجري بعد ذلك العمل على رسم المشهد السياسي اللبناني بمجمل مكوناته المجتمعية، بما يعنيه ذلك من تفكيك لتلك الوحدة المجتمعية التي حمت واحتضنت المقاومة اللبنانية التي فرضت على العدو الصهيوني الاندحار من الجنوب اللبناني.
إذن كان لا بد والحال هذه أن يتم تحديد سوريا النظام بوصفها المتهم بارتكاب جريمة اغتيال الحريري ومنذ اللحظة الأولى ، حيث بدأت الولايات المتحدة وفرنسا وعلى الفور إدارة حملة دعائية عبر قنواتها في لبنان بشكل أساسي سواء منها السياسية أو الروحية أو الطائفية ضد سوريا ، ليتوحد ذلك الفريق في البحث عن، واختلاق الأدلة التي تدين الدولة السورية، وكان المدخل المناسب لذلك هو بالتركيز على بعض ممارسات أجهزتها الأمنية السلبية في لبنان، وهي مفارقة بالمعنى القانوني والأخلاقي، تستخف بعقل المواطن العربي واللبناني أولا، ذلك أن الأدلة هي التي تحدد شخص المتهم من عدمه، إلا أن ما جرى بعد اغتيال الحريري هو أن المتهم قد تم تحديده منذ البدء، ثم جرى تركيب الأدلة التي تخدم ذلك الهدف.
فالمستقر فقها وقانونا أن تحديد المتهم بارتكاب الفعل الإجرامي، يبدأ من الربط بين ركني الجريمة المادي والمعنوي والعلاقة بينهما، أي أنه لابد من توفر السلوك والنتيجة والعلاقة السببية كعناصر محددة للركن المادي في الجريمة ، إضافة إلى شرط توفر الركن المعنوي، أي وجود القصد الجنائي والدافع لارتكاب الفعل الإجرامي، هنا يصبح السؤال كيف توفرت المعرفة اليقينية والعلم لاولئك الذين وضعوا سوريا في قفص الاتهام دون توفر أي أدلة مادية ملموسة على ارتكاب سوريا ذلك الفعل المدان، على الأقل في تلك اللحظات الأولى، مع أن تلك الجريمة تمثل وفقا لحساب العقل والمنطق وفي ميزان الربح والخسارة بمعناهما النفعي ، خسارة صافية لسوريا.
وإذا كان السيناريو من أجل دفع سوريا إلى الزاوية كان معدا، ارتباطا بحالة الاحتقان السياسي والانقسام الحاد الذي كان سائدا في لبنان بعد قرار مجلس الأمن 1559 والذي كان يستهدف إضافة إلى سوريا أطرافا سياسية في لبنان يمثلون ميزان معادلة الوطن اللبناني الواحد ، ذلك القرار الذي كان لأطراف لبنانية ومنها الحريري مع "هوى" سعودي دورا في تمريره عبر باريس وواشنطن، فإن ذلك السيناريو كان يستهدف وبنفس الدرجة الوضع اللبناني الداخلي من خلال خلط الأوراق، وخلق شروخ يصعب جسرها بين توجهات كلا من الطائفة الشيعية وفريقا من الطائفة السنية الوطنية والقومية، ناهيك عن كل ما هو وطني داخل لبنان.
وهو الأمر الذي مثل المناخ الملائم لاندماج الفريق اللبناني من أصحاب 17 أيار مع الكيان الصهيوني في حالة استقطاب سياسي واجتماعي على مستوى الوطن اللبناني، بين طرف توجهه وطني عروبي قومي، وآخر يدفع باتجاه التماهي في المشروع الأمريكي للمنطقة، ليجد فريقا من الطائفة السنية نفسه وقد حشر قسرا، في ذلك التيار الذي كان شديد المناوأة للحريري قبيل مصرعه بفعل الصدمة التي جري توظيفها من قبل تلك الأطراف ذات المصلحة، ليجد ذلك الفريق من السنة نفسه لا يقود ذلك التوجه بفعل آليات الحالة التي جري رسمها من قبل الولايات المتحدة وفرنسا وأطراف لبنانية مرتبطة بباريس وواشنطن فحسب ، بل ليكون الأعلى صوتا في استعداء المجموعة الدولية على سوريا، من خلال الإصرار على خلق متهم بعينه "سوريا"، جرى الإعداد الإعلامي والنفسي له بإشراف أمريكي ميداني من بيروت.
ولأن الحال كذلك فقد جرى خلق شهود إثبات لخدمة ذلك المخطط، ومن أجل تأكيد صدقية تلك الأدلة جرى اختيارهم من الرعايا السوريين المتواجدين في لبنان، ليعمل على ضوء ذلك ، ثلاثي القاضي الألماني ميليس والسفارة الأمريكية، والأطراف اللبنانية التي اختارت خندق الوصاية الأمريكية ، حيث جرى تسخير لجنة التحقيق الدولية بشكل فج ومناف لأبسط قواعد القانون لخدمة ذلك الهدف، ولصياغة تلك الأدلة بالشكل الذي جاءت عليه، من أجل الادعاء بتورط سوريا كنظام في مقتل الحريري.
وهو رأس الخيط الشكلي المنتظر الذي أمسكت به إدارة بوش الابن، وأرادت من وراءه محاسبة سوريا على كل مواقفها القومية، ليجري بعد ذلك تسخير مجلس الأمن لخدمة الأجندة الأمريكية، ولا عجب والحال هذه أن تصدر قرارت مجلس الأمن المُصادر الإرادة استنادا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، دون أي دليل ملموس على تورط سوريا في اغتيال الحريري، فيما يستمر عبث الكيان الصهيوني بأمن المنطقة ماضيا وحاضرا، ويحتل فلسطين وأراض عربية أخرى دون أن يجري اتخاذ أي قرار لذلك المجلس وفق الفصل السابع ضد ذلك الكيان النازي.
غير أن تداعي شهادات بعض أولئك الشهود السوريين الذي تم تهيئتهم عن سبق إصرار وترصد في مطبخ بعض القوى السياسية اللبنانية، من قبل جهات أمنية وسياسية وإعلامية لها مصلحة في تقديم الذرائع للإدارة الأمريكية من أجل معاقبة سوريا على مواقفها القومية، يفضح إدعاء تلك القوى في البحث عن الحقيقة المجردة من كل زيف أو كذب، بل ويضعها في موقع الشبهة الجنائية خاصة وأن تقرير القاضي الألماني الذي عينته الولايات المتحدة الأمريكية على رأس فريق التحقيق الدولي في جريمة الاغتيال قد اعتمد وبشكل أساسي في توجيه الاتهام إلى سوريا استنادا إلى تلك الشهادات التي أدلى بها أولئك الشهود "المفبركون" في مطبخ بعض القوى اللبنانية، ولتوضع سوريا بموجب ذلك ، تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وقبل استكمال عناصر التحقيق، رغم ثبوت كذب أحد أولئك الشهود منذ البداية.
ومع ذلك فقد أصرت الإدارة الأمريكية عبر القاضي الألماني على استمرار اتهام سوريا، ليأتي ما عرف بالشاهد المقنع الذي استند إليه تقرير ميليس بشكل أساسي في توجيه الاتهام، ليفضح كل ذلك السيناريو الرخيص الذي قامت بإعداده أطراف لبنانية سياسية وأمنية من أجل توريط سوريا، من خلال تقديم الذرائع للإدارة الأمريكية لمعاقبة سوريا، وهو الأمر الذي كشف أفكار ميليس المسبقة مما جعله يطلب إنهاء مهمته بعد أن كشف ذلك الشاهد عدم نزاهته ومهنيته.
هنا يبدو التواطؤ وسوء النية واضحا جليا لدى بعض القوى اللبنانية المرتبطة بالمشروع الأمريكي والصهيوني التي تريد فصم العلاقة مع سوريا والأمة العربية حاضرا ومستقبلا، غير أن ذلك قطعا لا يتأتى عبر تحديد سوريا كمتهم منذ اللحظة سوريا، ومن ثم توظيف ذلك الاتهام في خلق شروخ في العلاقات السورية اللبنانية بما يخالف منطق التاريخ والجغرافيا، والبحث عن الحقيقة، ولعل الرغبة المحمومة في التطوع للعب دور حصان طروادة من أجل ضرب سوريا، إنما يكشف درجة إفلاس ذلك الفريق من اللبنانيين السياسي والأخلاقي الذي يحاول العمل كوكيل لصالح المشروع الأمريكي في المنطقة على حساب قضايا الأمة العربية وفي المقدمة منها الشعب اللبناني.
وذلك يؤشر بالقطع إلى أن كشف الحقيقة في مقتل الحريري لدى الإدارة الأمريكية وبعض الأطراف اللبنانية ليست هي الهدف، بل إن الهدف الذي بات واضحا ومعلنا هو معاقبة سوريا، ولا باس هنا من أن تحشد الذرائع من أطراف لبنانية كانت حتى الأمس القريب حليفة لدمشق على وقع تلك الجريمة، بعد أن غيرت تلك القوى مواقعها من خندق إلى آخر، ليأتي القاضي الألماني ويقوم بوضع اللمسات الأخيرة على ذلك السيناريو بشكل غير مهني وغير قانوني، وبما يجافي مفهوم العدالة الذي لا يعرف إلا الأدلة اليقينية.
ولا بأس هنا في زمن الهيمنة الأمريكية والتعدي على القانون الدولي والقواعد القانونية المستقرة من أن تقوم بعض الأطراف اللبنانية التابعة بلعب دور غير أخلاقي من خلال لوي عنق القانون، فبدلا من القاعدة القانونية التي تقول بأن " المتهم برئ حتى تثبت إدانته "تصبح تلك القاعدة في عهد الوصاية الأمريكية المرحب بها في لبنان أن "المتهم مدان وعليه أن يثبت براءته" ومن ثم هذه هي حال الإدارة الأمريكية ومن يسير خلفها في مجلس الأمن "مرهون الإرادة" من أن سوريا مدانة وعليها أن تثبت براءتها !!!
إنها معادلة الهيمنة والقوة الغاشمة التي تريد الإدارة الأمريكية أن تحدد مصائر الشعوب والدول من خلالها، والتي لا تراعي أي قانون أو معيار من معايير العدل والإنصاف، ولأن العالم يقف على قدم واحدة هي القدم الأمريكية، وهو ما جعل من تلك الإدارة تنصب نفسها شرطيا عالميا، حيث تصبح إرادة بوش الابن وفق هذا الفهم هي مصدر كل قانون، يعلو القانون الدولي والشرعية الدولية، وتلك هي الفاجعة في زمن العولمة.
ومع ذلك فإن إرادة بوش ليست قدرا لا يمكن رده، والشاهد على ذلك ما حصل في جنوب لبنان ويحصل الآن في العراق وفلسطين لأن الأمة العربي لا زالت تملك العقل والحواس والإرادة واليقين، وهي بالضرورة قادرة على هزيمة المشروع الأمريكي مهما بدى للبعض أن معطيات الواقع مجافية.