الامبريالية، الشمولية، السلفية: ماذا بعد في ربوعنا التي تعج بها جميعاً؟

ياسين الحاج صالح: الحياة 15/1/2006

مثلما ارتبطت الرأسمالية بالامبريالية والفتوح الاستعمارية، ارتبطت اشتراكية القرن العشرين بالنزعة الدولانية (الدولتية) والشمولية. يتملك الرأسمالية دافع لا يقاوم نحو التوسع والفتوح، ترك، بعد قرون من ممارستها، أثرا هائلا على الثقافة الفكرية والأخلاقية، على شكل عنصرية وتعصب وأنانية واستعداد للفتك و الاستخدام غير المتناسب للقوة. وتظهر هذه المنازع على السطح حين يتجاسر أحد على تحدي السيطرة الغربية، وبالخصوص إن كانت قوته غير متناسبة مع قوة وسمعة المهيمنين الغربيين. أما مشكلة الاعتراض الشيوعي فهي الشمولية، وهذه نظام امبريالية داخلية، تحفزه نزعة توسعية سياسية وعقيدية، لا ترتاح دون اختراق جوانب الحياة الاجتماعية كافة.
ولعلنا نستبين اليوم أن الشمولية الشيوعية من النموذج الروسي لم تكن منقطعة الصلة تماما بالنزعة الاستعمارية في عصر الامبريالية في الربع الاخير من القرن التاسع عشر: فكلاهما تحمل رسالة تحضيرية إلى متخلفين ما، لم تولد الرسالة عن خبرتهم ولا تستفيد منها. إنهم الطبقة العاملة الغارقة في عفويتها و تريديونيونيتها، والتي لا تتحول قوة ثورية إن لم ينقل إليها الوعي من خارجها، والنقل هذا هو عبء الرجل الشيوعي أو رسالته التاريخية، أو هم الشعوب الملونة التي يمثل نقل الحضارة إليها عبء الرجل الأبيض. وفي أرضية هذا المشترك ثمة الفلسفة التاريخانية الوفية لعقيدة التقدم، والتي أنجبت الشيوعية والاستعمار.
أما حركات التحرر الوطني فقد أخفقت في تقديم نموذج اجتماعي مختلف. مصر حركة عدم الانحياز شاهد على ذلك. وفي العالم العربي تولّد من فشل نظم الشمولية الشرق الأوسطية والنظم الأبوية التقليدية حركات سلفية مجاهدة، تحل محل النزعات القومية المقاتلة التي أدركها الهرم في صنف النظم الأول، وتمثل معادلات لحركات التحرر الوطني في الصنف الثاني الذي لم يعرف هذه الحركات في تاريخه. انتهى القرن العشرون بهزيمة النموذج الشمولي، وبتحول إرهابي للجهادية، وتحول امبريالي جديد للرأسمالية المركزية.
ومن الواضح أننا لا نملك اليوم صورا للتنظيم الاجتماعي والعالمي تخرج على ذلك الثالوث القدري الذي واجه طرفاه الرأسمالي والجهادي الطرف الشيوعي حتى أسلم الروح، قبل أن يتجابها في معركة حياة أو موت مثل 11 أيلول (سبتمبر) 2001 ذروتها. فهل سيستطيع القرن الحادي والعشرون اجتراح عالم أو نموذج ريادي عالمي متحرر من الامبريالية ونظرياتها عن عبء الرجل الأبيض أو تصدير الديموقراطية أو الرسالة التحضيرية من جهة، والعنصرية من جهة أخرى؛ متحرر كذلك من الاستبداد العقيدي والدولة المربية الذي سميناها الشمولية؛ متحرر أخيرا من تعصب الأصولية وانعزاليتها؟ من يدري! المستقبل لا يمكن التنبؤ به.
ينفرد الشرق الأوسط بأنه يجمع بين الخضوع للسيطرة الامبريالية وبين الشمولية، وإن تكن هذه والحق يقال من النموذج الشرق أوسطي. وتتكون الشمولية الشرق أوسطية من حقن منطق الاستبداد العقيدي (نفضل لها تسمية الطغيان المحدث)، سواء كانت العقيدة دينية أو دنيوية، وسواء كانت تقوم على حزب واحد أو ترفض مفهوم الحزب أصلا، بمنطق العلاقات والروابط الأهلية وآلياتها الولائية والمحاسيبية. وإلى هذين البعدين اللذين رصدهما فالح عبد الجبار في مفهومه للشمولية الجديدة، قد يضاف عامل لا يمكن السهو عنه أعني التدويل، أو الحضور المهم والمميز والتأسيسي لـ العامل الخارجي في صنع التفاعلات الشرق أوسطية وتوجيهها وضبطها. ويتكثف هذا الحضور في إسرائيل التي كانت على الدوام قوة نازعة للاستقرار، وخارجية سياسيا وثقافيا.
يخفف التداخل بين منطقي الدولة التدخلية المربية والروابط الأهلية من وقع السلطة الشمولية ويرسخها في الوقت نفسه. فالطوائف والإثنيات والقبائل تحد من الاختراق الشمولي، لكن فقط بقدر ما تتحول هي ذاتها إلى منظمات شمولية، أي بقدر ما تكفل نزع الإرادة السياسية من أفرادها وردهم إلى رعايا لنظام الطغيان المحدث هذا. أما العامل التدويلي فيقلل من حاجة الدولة إلى المجتمع، خصوصا إن تعزز بالريع الاستخراجي، أو يمنح لأنظمة أخرى ريعا سياسيا، يضمن أمنها ويكفل بقاء ها ويغنيها هي الأخرى عن مجتمعها. في الحالين تنفصل حركية الدولة عن الحركية الاجتماعية، وتفقد المجتمعات المحكومة القدرة على التأثير على مصير النظم الحاكمة.
على أن ما يميز الشرق الأوسط ليس المزيج من شمولية نوعية ومن نفوذ امبريالي كثيف فقط، بل كونه مسقط رأس السلفية الإسلامية المحاربة التي يعكس نشوؤها فشل تكون الدولة الأمة في المنطقة. وللسلفية هذه أيضا نسختها من المتخلفين، كفارها أو أهل جاهليتها، ورسالتها أيضا منفصلة عن خبرة من يفترض بها هدايتهم، ووعيها تاليا منقول لهم من الخارج، خارج التجربة. وهي تستجيب لتاريخانية معكوسة تضع سقف التاريخ في الماضي.
لكن قد تكون السمة الأبرز للشرق الأوسط في مطلع القرن الحادي والعشرين هي أنه يحتل موقع طليعيا في عودة الاستعمار. فالمنطقة هي جوهرة تاج الامبراطورية الأميركية، حسب تعبير جويل بنين، على غرار ما كانت الهند جوهرة تاج الامبراطورية البريطانية. وثمة صيغ احتلالية أو شبه احتلالية تعود إلى الخليج والعراق وأفغانستان، وتتعزز بأشكال استتباع اقتصادية ومالية ودبلوماسية وأمنية لا تكاد تسجل فرقا مهما عن السيطرة العسكرية والسياسية المباشرة. هذا دون أن ننسى أن سمة السنوات التالية لهجمات 11 أيلول في الشرق الأوسط هي خفض سيادة دوله جميعا، وإن بدرجة متفاوتة، لمصلحة الأميركيين أساسا، لا لمصلحة تشكلات إقليمية ولا منظمات دولية ولا تدخلات إنسانية. وإلى ذلك كله، البلاء الإسرائيلي المقيم، الذي تجتمع له صلة عضوية بالمركز العالمي المهيمن، وجبروت عسكري قادر لأول مرة على إبادة الشعوب الأخرى جميعا في هذا المركز العالم القديم، وعنصرية متعضية إلى درجة أن ابرز تعبير عنها هو إثبات عنصرية أو لا سامية كل من قد يجازف بالكلام عليها.
انتهت الشمولية الشيوعية بالتحول نحو رأسمالية قرن تاسع عشر في المركز الروسي، ورأسمالية قرن عشرين في أوربا الشرقية بفضل الحضانة الأطلسية (الصين وحدها تبدو مرشحة للتحول إلى رأسمالية مركزية). واستعادت الرأسمالية المركزية سيرتها الاستعمارية والعنصرية (عنصرية اليوم ثقافية وحضارية، وليست عرقية) وتصلبها الرجعي. وتحتضر الشموليات الفاشلة في الشرق الأوسط، لتسلم مجتمعاتها إلى رأسمالية نهب وحشية أشد بدائية من رأسمالية مطلع القرن التاسع عشر، أو إلى الإرهاب والفوضى، أو إلى الهيمنة الأميركية. كلها معاً على الأرجح.