نحو رؤية شاملة للاستبداد في السياسة العربية

كرم الحلو - السفسر

 

منذ الثمانينيات من القرن الماضي بدا هاجس الديموقراطية كأنه الإشكال الأساسي الضاغط على وعي النخبة المثقفة العربية التي أدركت فوات العالم العربي وتخلفه السياسي والاجتماعي إزاء المد الديموقراطي الآخذ في الاتساع في اكثر دول العالم، حتى تلك التي اعتبرت دائما في عداد الدول الخاضعة لأنظمة فردية وديكتاتورية. ففي موازاة عالم يتجه نحو الحرية حيث اجتاحت موجة الديموقراطية اوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية رغم ديكتاتورياتهما الشرسة، وآسيا رغم تنوعها الإثني والديني والثقافي، وحتى افريقيا التي تتهم أنظمتها بالبدائية والتقليدية، ظل الاستبداد والتسلط وانتهاكات حقوق الانسان سمة بارزة من سمات الأنظمة العربية مهما اختلفت اشكالها ومسمياتها، وظلت الدول العربية مقاومة لأي تحول ديموقراطي حداثي رغم إقبال العرب الشديد على السلع والتقنيات الحديثة. فهل ثمة استعصاء في المجتمع والثقافة العربيين على التحول الديموقراطي عمل دائما على إعاقته وإجهاضه؟
هذا السؤال التاريخي المتجدد الذي لا يزال من دون إجابة حاسمة منذ مطلع النهضة العربية هو الاشكال المركزي الذي يواجهه كتاب <<الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة>>.
كان عبد الرحمن الكواكبي قد قدم في كتابه <<طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد>> (1902) محاولة رائدة في دراسة الاستبداد وتشخيصه: اسبابه، أعراضه، طبائعه، تأثيره على الدين والعلم والمال والمجد والأخلاق والتربية والعمران، ومن هم أعوانه، وكيف يمكن التخلص منه، وبماذا ينبغي استبداله؟ الا ان موضوع الاستبداد لم يلبث ان تراجع الى مرتبة ثانوية من اهتمامات المثقفين العرب لتتقدم عليه مسائل الاستقلال الوطني والوحدة القومية والتنمية الاقتصادية. ما يعطي كتاب الكواكبي اهمية راهنة رغم مرور اكثر من قرن على صدوره، كون الاسئلة التي طرحها لا تزال راهنة، بل ربما هي الآن اكثر إلحاحا.
في هذا الاطار بالذات يأتي <<الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة>> اسهاما متجددا في قراءة الاسئلة التي طرحها الكواكبي من اجل التصدي للاستبداد المتجدد <<الجاثم فوق الصدور>> ومن اجل <<فهم مشترك لجذوره ومصادره ومسوغاته وسبل تفكيكه وتعطيل آليات اعادة انتاجه في الحياة السياسية في الدول العربية>>.
الاستبداد كما يعرّفه <<الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة>> يتخذ اوجها متعددة منها الديكتاتورية والطغيان والشمولية والتسلطية ليعني بصورة عامة الحكم الفردي المطلق حيث الحاكم يقدم مصلحته ومصلحة بطانته على المصلحة العامة، يتحكم في رقاب الناس، ويستأثر بخيرات مجتمعهم، مسرفا في استخدام القوة في إدارة السلطة، من دون ان يخضع للمحاسبة والمراقبة والمساءلة من قبل المحكومين.
كان هذا الحكم هو السائد في تاريخنا العربي الممتد حتى الآن، أما جذوره الاولى فتعود الى عهد معاوية وانحداره بالحكم الى ملك عضوض تعامل مع المعارضة بالبطش والتنكيل، فساد مفهوم الطاعة كقيمة اجتماعية وسياسية لضمان عدم تفكك الدولة وحماية الدين من الاعداء، واسقطت استشارة أهل الحل والعقد، وأصبح يُنظر الى الحاكم كظل الله على الارض بحيث لا يمكن الحديث عن تقييد سلطته او اعطاء الشعب الحق في عزله ومحاسبته.
على هذه الخلفية التاريخية المعادية للديموقراطية تأسس الاستبداد الحداثي المتمثل بالدولة التسلطية العربية المعاصرة، او الدولة الأمنوقراطية بتعبير حيدر ابراهيم علي، التي أخذت طريقها الى العالم العربي منذ اواسط القرن الماضي، فسقط العراق وسوريا ومصر والسودان والجزائر في قبضة العسكر، بينما بقيت بقية الدول العربية تحت ملكيات وراثية استبدادية او مشيخات. وانقسم العالم العربي بين استبداد مدني دشنه معاوية وآخر يجدد ذلك الاستبداد التاريخي نفسه بواسطة قوى اجتماعية حديثة.
كرّست الدولة التسلطية غياب الديموقراطية والأحزاب والبرلمانية وحرية الصحافة وحريات التنظيم والتعبير والحركة، وابتكرت كل وسائل القمع والتخويف والتهميش والترهيب والترغيب من أجل البقاء في السلطة. فاستصدرت لذلك قوانين الطوارئ والأوامر الدستورية الموقتة، واحتكرت العنف الشرعي وغير الشرعي، وقدمت الأمن على الصحة والتعليم، واضعة ميزانيات الأمن فوق المراقبة والمساءلة والمحاسبة. واستخدم الاعلام في تزييف الحقائق وتزويرها، فصور الحاكم بالمنقذ، والأب، ومحقق الاستقلال، والمهدي المنتظر، والفرصة التي لا تعوض، وساد التماهي بينه وبين الدولة والشعب والوطن.
في ظل هذا الاستبداد <<الحداثي>> فرضت القيود على تكوين الجمعيات، حتى تلك المدنية، وانتهكت حقوق الانسان وتعرض المواطن للتعذيب والمعاملة المهينة الحاطة بالكرامة، حتى ان البلدان العربية اتسمت بمستوى متدن من الحرية بالمقارنة مع افريقيا وآسيا غير العربيتين، بل مع دول العالم قاطبة.
أما محصلة ذلك كله فهي على المستوى السياسي تداعي شرعية الحكم وتكلس النخب السياسية الحاكمة، وغياب تداول السلطة وافتقاد الدينامية السياسية الضرورية للتقدم والتطور. وعلى المستوى الاقتصادي تخلف التنمية وشيوع ظاهرة الفساد واتساع نطاق <<الدخول الخفية>> الناجمة عنه، ما جعل العمل الشريف يفقد قيمته والقانون يفقد هيبته واحترامه. وعلى المستوى الاجتماعي اتساع الفجوة وتعمقها بين القلة من الاثرياء المقربين وبين الاكثرية الساحقة من الفقراء المهمشين المبعدين عن مراكز القرار والمشاركة. اما على المستوى الاخلاقي فغالبا ما اقترن الاستبداد بظواهر مَرَضية كالرشوة والمحسوبية والمضاربة والاختلاس والزبونية وإهدار الاموال العامة.
وإزاء ذلك كله فإن السمة الوحيدة الباقية للمجتمع العربي هي انه مجتمع يفقد تدريجيا السيطرة على شروط بقائه واستمراره، وعدم مواكبة متغيرات الحياة بسبب عدم تجديد الرؤية السياسية والاجتماعية، وبالتالي ضحالة الأداء الاجتماعي وإضاعة فرص التغيير الايجابي واختناق روح الاستنارة والنهضة والاصلاح والتحديث.
هذه هي الرؤية العامة للاستبداد في العالم العربي كما يطرحها <<الاستبداد في أنظمة الحكم العربية المعاصرة>>، أما أسبابه فثمة من يحيلها الى الموروث الثقافي في الوعي القومي، ودوره في خلق المجتمع الأبوي وسماته الخاصة، حيث يرجع الاستبداد من هذه الزاوية الى ينابيع ثقافتنا المعاصرة التي تجعل جماهيرنا مهيأة لقبول الاستبداد والتواطؤ في التعايش معه. وثمة من يرى المشكلة في العقل الاسلامي الذي يتخوف من الفتنة ويفضل عليها السكوت على استبداد سلطان جائر، مع ان النص القرآني لم يأتِ مؤيدا للاستبداد، ومع ان الاسلامية مؤسسة على دعم أصول الحرية. وثمة من يرى في الفقر والحرمان الاجتماعي وفقدان الفرص الاقتصادية وارتفاع نسبة الفقراء العرب الى ثلث السكان وبلوغ معدل البطالة العربية ال 20 في المئة، عوامل اساسية في بقاء شرائح واسعة من المجتمعات العربية مغيبة الوعي ومبعدة عن الحياة السياسية ومهيأة بالتالي للنظام الاستبدادي.
لكن الوجه القاتم للاستبداد على الساحة العربية ليس قدرا لا يمكن تجاوزه، بل ان أسسه قابلة للتفكيك، بالضغط على الأنظمة العربية وانخراط كل القوى الاجتماعية في العمل السياسي، وضمان التواصل بين النخب والجماهير، ودعم سبل الحوار والتواصل بين العلمانيين والاسلاميين.
نخرج من قراءة <<الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة>> بانطباع يؤكد جدية المؤلفين، فقد قدم الكتاب صورة دقيقة وشاملة للاستبداد ومظاهره، وآليات هيمنته وأشكال تطوره وأسبابه وسبل تفكيكه، على نحو يجعل منه واحدا من المؤلفات الجادة التي تصدت للاستبداد في الفكر العربي الراهن. رغم ذلك يبقى لنا ثمة ملاحظات على هامش الكتاب:
أ اذا كان المؤلفون قد نجحوا في تقديم صورة حقيقية وواقعية للاستبداد في العالم العربي، إلا ان سبل الخروج من آفته ظلت ملتبسة واشكالية ورومانسية، سواء في تصورها للإمكانيات المتاحة للضغط على الأنظمة العربية، او في المراهنة على تواصل الجماهير والنخب العربية وتأطرها في حركة شعبية فاعلة على الساحة السياسية.
ب أخذ حيدر ابراهيم علي على النهضويين تجاهلهم <<بعض الحريات تماما مثل حرية التفكير والتعبير والعقيدة>>، معتبرا ان <<الأمثلة المبكرة>> للتناقض بين الرؤية العقلانية والرؤية الفقهية للدين جاءت في <<الاسلام وأصول الحكم>> لعلي عبد الرزاق و<<الشعر الجاهلي>> لطه حسين. وفي هذا طمس لجوانب مهمة من الفكر النهضوي العربي. فقد نادى فرنسيس المراش الحلبي بحرية الرأي والتفكير والتعبير والتأويل والاجتهاد، وواجه فقهاء عصره بشجاعة وجرأة وحزم قبل علي عبد الرزاق وطه حسين بأكثر من نصف قرن. ودفع جبرائيل دلال الحلبي حياته لمثل هذا الموقف قبل اكثر من اربعين سنة على صدور كتابي عبد الرزاق وحسين، وكان أحمد فارس الشدياق قد خاض معركة قاسية في خمسينيات القرن التاسع عشر ضد الاستبداد الديني دفع ثمنها نفيا وتشردا وبؤسا، وكذلك يمكن ان نجد في موقف عبد الرحمن الكواكبي من <<الفقهاء والمعممين>> ما يشير الى طرح مختلف للحرية.
ج يصور حيدر ابراهيم علي بصورة مباشرة او غير مباشرة جمال عبد الناصر ديكتاتوريا طاغية يحتقر الشعب، وتربطه بالمثقفين والجماهير <<علاقة غريبة>> ويستغرب رفض الجماهير العربية استقالته بعد نكسة 1967 واكتئابها الجماعي عقب وفاته 1970.
مع اقرارنا بمعاناة الناصرية، بشأن كل الانظمة العربية، من فساد الاجهزة الامنية والبيروقراطية وتعديها على حقوق المواطنين وكراماتهم، الا أننا نرى في رأي علي تجاهلا وطمسا لحقيقة موقف الجماهير العربية من عبد الناصر الذي رأت فيه رمزا للتحرر من السيطرة الاستعمارية ووحدة العرب وتنمية مجتمعاتهم.
ان حس الجماهير لا يخطئ، وقد بكى هؤلاء عبد الناصر لأنه خاطب وجدانهم القومي والوطني وأقحمهم في تحقيق انجازات قومية ووطنية واجتماعية رائدة، ليس أقلها تأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، والعمل على بناء قاعدة اقتصادية متينة، وارساء عدالة اجتماعية تخفف من بؤس العامل والفلاح وتحفظ حق المرأة وكرامتها، ورفع شعار الوحدة القومية العربية في مواجهة الصهيونية، والتعامل نديا مع دول العالم بما يحفظ كرامة الانسان العربي.
مجموعة باحثين
<<الاستبداد
في أنظمة الحكم العربية المعاصرة>>
مركز دراسات الوحدة العربية 2005