الدور التجديدي للمسيحيين العرب القس د. أندريه زكي اسطفانوس : (باحث ومفكر ورجل دين مسيحي من مصر)

حوار العرب -السنة الأولى /العدد 7/ يونيو (حزيران) 2005

نحتاج الى فكر ديني يفسح مجالاً للآخر، ويثق أن الله "الحق المطلق وحده"، أعلن ذاته بأنواع وطرق متعددة، وفي هذا السياق تصبح التعددية ذات جذور عميقة في السياق الديني من أهم التطورات اللاهوتية في النصف الثاني من القرن العشرين، ظهور أفكار لاهوتية متعددة، مثل لاهوت التحرير، واللاهوت الأسود، واللاهوت النسائي. فهذه النوعية من الفكر اللاهوتي نشأت لمواجهة الفقر والظلم اللذين تعرضت لهما هذه الشعوب، فشعوب أميركا اللاتينية شعرت بالقهر من الرأسمالية المتوحشة التي أذلت الفقراء، واللاهوت الأسود يعبر عن القهر الذي تعرض له السود من أشخاص بيض ذوي توجه عنصري، واللاهوت النسائي عبّر عن الصورة المتدنية للمرأة في مجتمع يسوده الرجال.
من هنا فإن هذه النوعيات من الفكر اللاهوتي، جاءت لتعبر عن واقع معين لجماعات محددة، في مرحلة تاريخية معينة. ومع أن هذه النماذج الفكرية اللاهوتية هي بالفعل مفيدة، إلا أننا لسنا مقيدين بها أو مطالبين بتقليدها. فالمهم هو أن ندرس هذه الخبرات، ونتعلم من سلبياتها وإيجابيتها، لكي تكون رصيداً لنا ونحن نطور فكراً لاهوتياً عربياً. من أجل هذا سوف أتناول بسرعة وإيجاز، لاهوت التحرير، كمجرد أنموذج لنتعرف من خلاله على أهم الأسس التي قام عليها، بالإضافة الى فهم بعض المفردات اللاهوتية التي استخدمها، وذلك بهدف التعرف السريع الى هذا الأنموذج، لعلنا نجد في هذه الخبرة ما يفيدنا في تفكيرنا "نحو لاهوت عربي للمشاركة".
أولاً: أنموذج لاهوت التحرير
Liberation Theology
هذا
الفكر اللاهوتي يرى أن تفسير الكتاب المقدس، يجب أن يكون من خلال الانحياز للفقراء، وقد أسس رؤيته اللاهوتية على النظرة من أسفل الى أعلى (View from below)، ويعتبر غوستافو غوتيريز Gustavo Gutierrez واحداً من أهم مفكري حركة لاهوت التحرير، وهو يرفض فكرة أن الفكر اللاهوتي هو عملية منظمة لمجموع الحقائق غير المرتبطة بالزمن والحضارة، وأن الحقائق اللاهوتية ثابتة لكل الأجيال. فبالنسبة إليه، الفكر اللاهوتي ديناميكي، وهو عملية تدريب مستمرة تشمل رؤى معاصرة لكل من المعرفة الإنسانية والتاريخ، فالفكر اللاهوتي ليس شيئاً يجب تعلّمه بقدر ما هو شيء نعمله. هذا التطبيق العملي، يتضمن أعمالاً ثورية من أجل الفقراء والمهمشين. ومن خلال هذه الممارسة العملية ينشأ الفكر اللاهوتي. ومن هنا فإن الفكر اللاهوتي هو نتاج الممارسة، وليس مجرد التفكير النظري. ولكي نشرح هذه الفكرة بوضوح أكثر، دعونا نتناول بعض المفردات اللاهوتية التي استخدمها مفكرو لاهوت التحرير، للتعبير عن أفكارهم اللاهوتية.
فيما يتعلق بقضية الخطية، لا يجب النظر إليها من مفهوم فردي فقط، بل من مفهوم اجتماعي واقتصادي، فالخطية هي نتاج اجتماعي وتاريخي لغياب الأخوة والمحبة بين البشر. ولا يقف لاهوت التحرير عند هذا المفهوم للخطية، لكنه يعتبر الموقف السلبي من قوى القهر والتهميش، وعدم محاولة مقاومتها والتخلص منها، خطية.
ولو نظرنا الى مفهوم آخر كالخلاص، فإن لاهوت التحرير يرى أن الخلاص يجب ألا يحدّ في عبارات تتعلق بالحياة بعد الموت فقط، لكنه يجب أن يشمل مفهوم ملكوت الله كواقع الآن. هذا الملكوت هو نظام اجتماعي جديد، يضمن المساواة للجميع. هذا المعنى لا يعني تجاهل البعد الأبدي "الحياة بعد الموت"، لكنه يربط الاثنين معاً. وإذا كان التاريخ والأبدية مرتبطين معاً، فإن الخلاص هو التحرك نحو نظام جديد. وبناءً عليه فالمؤمنون مطالبون بمقاومة كل شيء يعارض هذا النظام الجديد.
وعندما نأتي الى مفهوم الكنيسة، فإن لاهوت التحرير يركز على رسالة الكنيسة أكثر من طبيعتها. فرسالة الكنيسة في كل عصر هي نصرة العدل، ومحاربة الظلم، ومواجهة كل ما هو غير إنساني، والوقوف بجانب الفقراء والمهمشين.
من خلال هذه اللمحة السريعة للاهوت التحرير، نرى أن هذا الفكر قد ركز على مواجهة الفقر، ومحاربة الرأسمالية المتوحشة، لهذا تم إعادة صياغة مفردات لاهوتية كالخطية والخلاص والكنيسة، لتعبر عن هذه الرؤية. ومع أهمية هذا العمل، إلا أنه يحدّ هذه المفاهيم اللاهوتية في إطار فكرة مركزية واحدة، وهي مكافحة الفقر والتوحش الرأسمالي. ومع أننا لا ننكر أهمية حركة لاهوت التحرير، ولا نحاول تجريدها من ظروفها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، إلا أننا يجب أن نكون حذرين ونحن نطور فكراً لاهوتياً، فلا ننزلق الى أحادية المفهوم، ولا نجعل من فكرة مركزية واحدة أساساً يختزل الأبعاد اللاهوتية الأخرى. فمثلاً عندما نتحدث عن مفهوم الخطية، لا نجهض البعد الفردي من أجل تأكيد المفهوم الجماعي.. ومع هذا فإن محاولة لاهوت التحرير لقراءة الواقع وفهم التحديات التي أحاطت بالكنيسة، اسهمت في تطوير فكر لاهوتي يخاطب الإنسان في ظروفه. لذلك فمن الضروري أن ننظر بعمق لواقعنا ونحت نصوغ رؤى لاهوتية، من دون أن يغلق هذا الواقع استشراف المستقبل. من هذا المنطلق أود أن أقدم قراءة سريعة لبعض مكونات عقلية الأقلية، التي سواء قبلنا أم أبينا، سوف تسهم في صياغة رؤيتنا اللاهوتية.
ثانياً: الفكر اللاهوتي وعقلية الأقلية
مع
أهمية الجدال الذي دار في مصر، في التسعينيات من القرن الماضي حول مفهوم الأقلية، ومدى إمكانية وصف مسيحيي مصر بأقلية، فإنني لن أتعرض لهذا المفهوم في هذه العجالة، لكني سوف أستخدم تعبير "أقلية" للإشارة للأقلية الدينية العددية. وبنظرة سريعة على سمات عقلية الأقلية، يمكننا أن نوجز بعضاً منها كما يلي:
1 ـ التدخل السماوي
تنحو
عقلية الأقلية الى الأحلام/الرؤية التي تتمثل في تدخل الله ودعمه، هذه الأحلام تسهم في انتهاء الضغوط، وخلق مجتمع جديد تختفي فيه فكرة التمييز الديني. من هنا فإن هذه الأحلام/الرؤية، تعكس رؤية دينية ذات دلائل سياسية واجتماعية وثقافية. إنها تمثل هروباً من الواقع الحالي بضغوطه، الى مستقبل مثالي بأحلامه. وهنا عندما تنقل الأقلية فكرها وحياتها من العالم نفسه، الى العالم الآخر، والمستوى السمائي، فإن التاريخ يتوقف تماماً ويصبح الفكر محصوراً في ما هو غير قابل للتحليل والدراسة.
2 ـ المعجزات العامة
إن تزايد الضغوط على الأقلية يجعل من المعجزات العامة تأكيداً على أن الله مع هذه الجماعة، وأنه يتدخل لمصلحتها. فحينما تتعرض الأقلية لضغوط، تشكك في إيمانها وعقيدتها وتهددها بالزوال، تأتي المعجزات العامة لتقدم يقيناً للأقلية، بالحماية الإلهية.
ولعل الحديث المتكرر عن اختبارات فردية وجماعية لظهورات ومعجزات لقديسين في النصف الثاني من القرن العشرين، يعكس هذه السمة.
3 ـ الهوية
إن واحدة من أهم المتناقضات التي تشكل عقل الأقلية، هي الهوية الدينية. ففي الوقت الذي تحتاج فيه الأقلية الى دفع المجتمع نحو هوية قومية، تنزلق هي الى الاحتماء بالهوية الدينية، هذا التناقض يخلق فكراً مزدوجاً يؤثر في صدقية الانتماء القومي. ومن جانب آخر، تشعر الأقلية دائماً بخطر الذوبان القومي، ما يجعلها تؤكد على هويتها الدينية. هذا الموقف المعقد يحدث بلبلة، وفي بعض الحالات قد يشجع انتماءات دينية ذات توجه متطرف، يستخدم الهوية الدينية لأسباب سياسية.
4 ـ الانغلاق الثقافي واللغوي
تلجأ الأقليات الى الانغلاق اللغوي، الذي يشكل ثقافة فرعية. وترى الأقلية في استخدام لغة خاصة، نوعاً من التميز. لكن هذا التميز يؤدي في مرات كثيرة الى نوع من الانغلاق وسوء الفهم. ولعل خير دليل على هذا الانغلاق اللغوي، هو الطريقة التي تقدم بها الكنيسة عقيدتها عن الثالوث في مجتمع إسلامي. فنحن نعرف أن هذهالعقيدة تبلورت صياغتها اللاهوتية بوضوح في القرن الرابع الميلادي. وتم استخدام تعبيرات مثل "أقنوم"، للتعبير عن وحدانية الله المتعدد في ذاته. ومع أن هذه المفردات اللغوية (مثل أقنوم) كانت ذات دلالة في الوقت الذي استخدمتها الكنيسة، فإن تغيير البيئة الثقافية، وقيام الحضارة العربية الإسلامية، كانا يتطلبان من الكنيسة إعادة صياغة الفكرة اللاهوتية نفسها في مفردات جديدة.
فاللغة تلعب دوراً مهمّاً في صياغة التواصل، لذلك فالكنيسة تحتاج أن تتكلم لغة يفهمها العامة. إن خلق ثقافة خاصة منغلقة، يؤدي الى الانعزال والتغريب والتهميش، لذلك فالكنيسة مدعوة لإعادة النظر في اللغة التي تستخدمها، لكي تكون قادرةً على بناء الجسور، والتعامل والوجود الخلاّق.
اللغة تلعب دوراً مهمّاً في صياغة التواصل، لذلك فالكنيسة تحتاج أن تتكلم لغة يفهمها العامة، إن خلق ثقافة خاصة منغلقة، يؤدي الى الانعزال والتغريب والتهميش، لذلك فالكنيسة مدعوة لإعادة النظر في اللغة التي تستخدمها لكي تكون قادرة على بناء الجسور والوجود الخلاق
هذا عرض مختصر لبعض السمات التي تشكل عقل الأقلية، ومن هنا علينا النظر بعمق الى الواقع الذي نعيش فيه، فنحن نعيش في حضارة عربية إسلامية، وفي الوقت نفسه نشكل أقلية عددية دينية. هذان العاملان يمثلان أساساً مهماً في صياغة فكر لاهوتي عربي. إن مفردات: مثل "الوطن السماوي" في مقابل الوطن الأرضي، أو تأكيد الهوية الدينية التي تتجاوز الانتماء القومي، واستخدام مفردات تتسم بالغموض، وغيرها من التعبيرات اللاهوتية الشائعة، تحتاج الى إعادة قراءة وصياغة، في إطار مفهوم ملكوت الله.
من هذا المنطلق، وبإيجاز، سوف أحاول أن أقدم مفاتيح لأفكار لاهوتية يمكن أن تكون مدخلاً نحو لاهوت عربي.
ثالثاً: مدخل نحو لاهوت سياسي عربي
يحتاج
المسيحيون العرب الى تنمية لاهوت سياسي عربي، يمكنه الإسهام في تطوير مفهوم المواطنة، ويشجع الديمقراطية. وهذه المهمة لا غنى عنها من أجل تطوير دور المسيحيين العرب. فلقد أصبح واضحاً لنا أن اللاهوت الذي يركز على فكرة التدخل السماوي فقط، لا يشجع المواطنة. كما أن اللاهوت الذي يدعم السياسات الطائفية يعوق المواطنة. هنا تكون الحاجة الى تطوير فكر لاهوتي يشجع التعددية والتعايش. وفي ما يلي أقترح بعض الأفكار لمثل هذا اللاهوت السياسي.
1 ـ الولاء
على
اللاهوت السياسي العربي أن يراعي فكرة الولاء بمفهومها الأوسع، ويستبدل الالتزامات الدينية الأحادية، بانتماءات متعددة. ولكن الولاء بمفهومه الأوسع سوف يشجع الفكر اللاهوتي السياسي الذي يتقبل الأفكار الأخرى، ويرى ملكوت الله كطريق نحو التعددية والتنوع.
إن الفكر اللاهوتي الذي ينتج مثل هذا المفهوم للولاء، سوف يفتح الطريق للتفاعل بين العقيدة والمجتمع بطريقة ترسخ المواطنة. فالمواطنة ليست هي الدين، ولكن الدين شريك في صياغتها. كما أنه من الضروري وجود فكر لاهوتي سياسي، يعتبر الالتزامات الدينية من ضمن مكونات منظومة الهوية. بيد أن هذا المفهوم المرن والنسبي للهوية، يحتاج الى فكر ديني يؤمن بأنه ليس هناك من يمتلك بمفرده الحقيقة المطلقة. فنحن نحتاج الى فكر ديني يفسح مجالاً للآخر، ويثق أن الله "الحق المطلق وحده" أعلن ذاته بأنواع وطرق متعددة. وفي هذا السياق تصبح التعددية ذات جذور عميقة في السياق الديني. وسعياً لتشجيع الفكر اللاهوتي الذي يعترف بالتعددية في العقيدة والهوية، لابد من توافر تفسيرات متعددة للنصوص الدينية.
2 ـ التفسير التعددي للنص الديني
هنا
تبرز أهمية التفسير التعددي للنص الديني، باعتباره مفهوماً جوهرياً في تطوير فكر لاهوتي سياسي، يعزز التعددية التي هي الأساس للمواطنة. إن التفسير التعددي للنص الديني هو الذي يحترم البعد التاريخي لهذه النصوص، ويفصل بين تفسير النص والنص ذاته. فالنص الديني هو وحي من الله، إلا أن هذا الوحي أخذ شكلاً إنسانياً عبر أداة النقل وهو الكاتب. وتبعاً لكون البشر مختلفين، فستظل هناك دائماً تفسيرات متعددة للنص الديني. وهذا التنوع البشري المتمثل في الخلفيات المتعددة، يؤدي دائماً الى قراءات وتفسيرات عديدة. وبالتالي عند اختيار أحد التفاسير ومطابقته بالنص، فإنه يؤدي الى رؤية أحادية ضيقة. لكننا إذا قبلنا التعددية البشرية، فعلينا أن نقبل التعددية في التفسير. هذه التعددية سوف تزيد من ممارسة هذا المفهوم على المستوى اللاهوتي، وكذلك على المستويين الاجتماعي والسياسي. فالكنيسة سوف تتقبل فكرة حاجتها الى الانفتاح والتعايش مع باقي التجمعات الدينية الأخرى.
3 ـ التماسك
إن الفكر اللاهوتي السياسي العربي ينظر الى مفهوم التماسك، باعتباره أساس العيش المشترك، والتعددية بطبيعة الحال لا تعني التشرذم والتفكك، بحيث أن العقيدة التي ترى التماسك كأداة للكفاح والتعايش المشترك، يمكن أن تسهم في تحقيق المواطنة. بيد أن مفهوم التماسك يجب أن يقوم على أساس عقيدة الخلق، التي فيها لجميع البشر حقوق متساوية في الحياة والازدهار. وهنا تأتي المساواة والعدالة قبل التماسك. ولكن العقائد الدينية انتقائية بطبيعتها وتميل نحو استبعاد المختلفين معها. من ثم فإن الفكر اللاهوتي السياسي الذي يمكنه ترسيخ مفهوم التماسك مع تخطي محدودية العقيدة، سوف يسهم في دعم فكرة الوحدة مع التنوع، وهي فكرة حتمية للمجتمع المدني والديمقراطية. ولعل مثل السامري الصالح الذي ألقاه السيد المسيح خير دليل على هذه النوعية من التماسك المتجاوز للعقيدة. كما أن التماسك كمفهوم ديني سوف يسهم في إدماج الكنيسة داخل المجتمع
Socialization، وتشجيع المؤسسات الدينية لتصير طرفاً فعالاً في المجتمع المدني.
إن مفردات مثل "الوطن السماوي" في مقابل الوطن الأرضي، أو تأكيد الهوية الدينية التي تتجاوز الانتماء القومي، واستخدام مفردات تتسم بالغموض، وغيرها من التعبيرات اللاهوتية الشائعة، تحتاج الى إعادة قراءة وصياغة في إطار مفهوم ملكوت الله
4
ـ المؤسساتية
من جهة أخرى، تتجلى فكرة المؤسساتية (
institutionalization) كمكون ضروري في تطوير اللاهوت السياسي الذي يسهم في ترسيخ المواطنة. يرتكز الفكر اللاهوتي الحالي على الخطية الفردية، ويتجاهل الخطية المجتمعية. نجد هذه الفكرة واضحة في اللاهوت الذي يفصل بين ملكوت الله والملك الأرضي. لقد أدى النظر الى ملكوت الله على أنه عمل مستقبلي فقط، الى الفصل بين الواقع والملكوت القادم. على رغم أن المجال لا يتسع لتقديم النظريات المتعددة حول مفهوم ملكوت الله، فإنني أرى أن ملكوت الله هو شيء حاضر الآن، وفي الوقت نفسه هو عمل مستقبلي. هذا الحضور للملكوت يستوجب فعلاً روحياً متكاملاً. فكما نردد في الصلاة الربانية: "ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض"، فملكوت الله هو مجتمع يسوده العدل والحق، كمجتمع السماء. ومن هنا فإن المسؤولية الإيمانية تتطلب خلق مجتمع العدالة والحق، هنا والآن. هذا العمل الإيماني لابد أن يكون عملاً مؤسساتياً يتجاوز النوايا الفردية الحسنة. إن هذا الفكر اللاهوتي السياسي الذي يعزز "المؤسساتية" كمفهوم لاهوتي، سوف يشجع الكنيسة لتحظى بدور مؤسسي مستقل عن الدولة، يسهم في بناء الجسور بين الكنيسةس والمجتمع. إن المؤسساتية سوف تأتي بالكنيسة الى قلب المجتمع المدني، وتساعدها على التغلب على الانعزالية والاغتراب. كما سترسخ دور الكنيسة كمؤسسة وتسهم في الحد من الدور الفردي وتشجع الديمقراطية. المؤسساتية سوف تؤكد دور شعب الله كجماعة ملتزمة نحو المساواة والعدالة والتضامن الكامل، وهذه تشكل جوهر المواطنة